"دجالون إلكترنيون".. صفحات تستخدم "الشعوذة" لابتزاز النساء
"دجالون إلكترنيون".. صفحات تستخدم "الشعوذة" لابتزاز النساء

دفعت رنا قاسم (اسم مستعار) ثمناً باهظاً مقابل خدمات يقدمها "دجال إلكتروني" وفق تعبيرها، بعد اختطافها من قبل عصابة نصبت لها فخاً، حيث استدرجتها إلى بيت على أطراف العاصمة بغداد بهدف عمل "سحر" يمكنها من "استعادة زوجها" بعد خلافات كادت أن تؤدي إلى الطلاق.

هدف الزوجة كما يقول زوجها الذي فضل عدم ذكر الأسماء لأسباب اجتماعية "فك سحر أوهمها الرجل بأنه سبب الخلافات بيننا. بالنتيجة، استعنت بالقوات الأمنية لاستعادتها بعد أن طلبت العصابة مني مبلغاً مالياً كبيراً لإطلاق سراحها".

كما ينظر القضاء العراقي في قضية ابتزاز تعرضت لها الشابة ساهرة (اسم مستعار) وهي مطلقة حاولت الحصول على مساعدة من موقع إلكتروني يدعي القيام بـ"أعمال روحانية" أبلغها أنها وطليقها يمكنهما العودة شرط حضورها إلى منزله كونها "مسحورة".

"يتضمن فك ذلك السحر الوقوف شبه عارية وسكب الماء المخلوط بمواد غريبة الرائحة من الرأس إلى أخمص القدمين" تقول ساهرة لـ"ارفع صوتك".

وتشير إلى حصول ما لم تأخذه بالحسبان: "تصوير ما كان يحدث عبر كاميرا مزروعة خفية، وابتزازي مالياً لعدم نشر المقطع على الإنترنت".

القصتان أعلاه، كما يقول أحد أعضاء فريق "معاً ضد الابتزاز الإلكتروني"، بعض من عشرات القصص التي ترد يومياً من عراقيين وعراقيات يتعرضون للابتزاز عبر مواقع إلكترونية، تدعي الاطلاع على علم الروحانيات أو أعمال السحر والشعوذة.

 

نصب واحتيال

يقول عضو فريق "معا ضد الابتزاز الإلكتروني" الذي فضل عدم الكشف عن اسمه وتعريفه على أنه "ممثل للفريق"، أنه يحارب منذ نحو عشر سنوات الابتزاز الإلكتروني، بعد تأثره بقضايا كثيرة لجأت فيها إليه فتيات بهدف الحصول على مساعدة إثر تعرضهن للابتزاز، لأنه متخصص بالإلكترونيات ويعمل في مجال الهواتف النقالة.

ويبلغ عدد القضايا التي يتلقاها الفريق "ما بين 25 و30 حالة ابتزاز إلكتروني يومياً، كثير منها حالات تتعلق بقضايا ابتزاز لنساء وفتيات عبر مواقع إلكترونية تدعي معرفة الغيب ومعالجة مشكلاتهن، عبر صفحات بأسماء نساء أو رجال تحمل صفات منها الروحاني وقارئة الفنجان أو استخارة بالقرآن وغيرها"، يضيف ممثل الفريق.

ويؤكد أنه من خلال القضايا التي وصلت إليه، تبين أن "جميعها على الإطلاق صفحات وهمية يقوم أصحابها في أبسط الحالات بسحب أرصدة مالية من الضحايا، وصولاً إلى تصويرهم وابتزازهم بهدف الحصول على أمور غير أخلاقية، أو مكاسب مالية وهي حالات صعب التعامل معها".

ويوضح ممثل الفريق أن مشكلة التعامل مع قضايا الابتزاز عبر مواقع السحر والشعوذة "تكمن في صعوبة ملاحقتهم"، مردفاً أنهم "أشخاص محترفون غير عاديين وقادرون على حماية مواقعهم بشكل جيد جداً، ويستخدمون أرقاماً وهمية لا يمكن ملاحقتها، وبعضههم لهم مقرات على الأرض ويتم استدراج الضحايا إلى أماكن تواجدهم".

وفي رده على سؤال حول أصعب القضايا التي يعملون عليها حالياً، يشير إلى قصة "شخص يدعي التعامل بالسحر والشعوذة وهو على مستوى عال من الاحترافية، تمكن من النصب على أربعة آلاف شخص أغلبهم من النساء".

ويواجه الفريق إشكالية "تكمن في تصويره لضحاياه بأوضاع مخلّة، وبالنتيجة لم يتقدم أي من ضحاياه بشكوى رسمية خوفاً من العواقب الاجتماعية"، بحسب ممثل الفريق.

يستدرك "بعض القضايا وصل الأمر فيها إلى هروب الفتيات من بيوتهن، أو انتحارهن أو تعنيفهن من قبل عوائلهن إذا ما تم إبلاغ العائلة، وهنا تمكن الخطورة الحقيقة".

وكانت القوات الأمنية أعلنت عن إلقاء القبض على مبتز إلكتروني يمارس أعمال شعوذة على صفحة حملت اسم "دانيال الصابئي"، يدعي أنه "يمكنه تحقيق رغبات النساء عبر كتابة طلاسم على أجسادهن، وأفعال أخرى يقوم بالإشراف عليها عبر اتصال فيديو وتصويرهن دون علمهن ثم يبتزهن بتلك الفيديوهات".

 

موقف القانون

رغم عدم وجود قانون صريح للتعامل مع جرائم الابتزاز الإلكتروني، إلا أن القانون العراقي يقوم بتكييف فقرات قانون العقوبات (رقم 111 لسنة 1969) في المواد (430-432)، كما يوضح المحامي أمجد حميد لـ "ارفع صوتك".

وتندرج تلك المواد القانونية بحسب حميد، ضمن الفصل الثالث تحت عنوان "التهديد" وتكون العقوبة على هذه الجرائم "السجن بحسب شدة الجريمة، بدءا من سنة واحدة حتى سبع سنوات".

ويبين أن أعمال السحر والشعوذة "لم يتم تجريمها أو و ضع عقوبة لممارسيها في القانون العراقي، إنما يتم اتخاذ إجراءات قانونية في حال وجود شكوى بخصوصها، وفقاً لأحكام المادة (456) من قانون العقوبات العراقي".

المادة 456: تطبيق عقوبة الحبس بحق من يستعمل الطرق الاحتيالية أو يتخذ الكذب سبيلاً في التعامل مع واقعة معينة، التي تعاقب بالسجن من سنة إلى 5 سنوات.

ويؤكد حميد على أهمية "سن قانون خاص بهذه الحالات ضمن قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية المتعثر منذ خمس سنوات في أروقة البرلمان العراقي، وتشديد العقوبات على مستخدمي الإنترنت بهدف ابتزاز الآخرين كونها تؤدي إلى نتائج اجتماعية خطيرة جداً خصوصاً للنساء".

وبالإضافة إلى العقوبات التي أشار لها المحامي، نقل مجلس القضاء الأعلى عن القاضي حارث عبد الجليل قوله، إن حالات الابتزاز عبر صفحات السحر والشعوذة "عالجتها المادة (452) من قانون العقوبات (رقم 111 لسنة 1969) المعدل وتعتبر هذه الجريمة جناية".

وتنص المادة (452) على السجن مدة لا تزيد على سبع سنين أو بالحبس من حمل آخر بطريق التهديد على تسليم نقود أو أشياء أخرى، وتكون العقوبة لمدة لا تزيد على عشر سنين إذا ارتكبت الجريمة بالقوة أو الإكراه

 

استغلال مختلف الفئات

في السياق نفسه، ترى الباحثة الاجتماعية إيناس العبيدي أن المجتمع العراقي يميل إلى ظاهرة السحر والشعوذة، دون أن يقتصر تأثيرهما على فئة اجتماعية معينة دون غيرها، إذ تنمو في الأحياء الراقية والشعبية على السواء مع فارق درجة الانتشار.

"وهي حالة مرتبطة بالجهل والتخلف، والقهر الاجتماعي الذي يعاني منه أبناء المجتمع خصوصاً النساء منهن، ولذلك نجد الإعلانات المنتشرة تتحدث عن رد المطلقة وجلب العريس والسيطرة على الزوج"، تقول العبيدي لـ"ارفع صوتك".

وتبين أن أصحاب هذه المهن، يطلقون على أنفسهم أسماء متعددة، مثل "الروحاني"، بهدف " جذب البسطاء بذريعة أنها غير محرمة لأنها لا تمس العقيدة الإسلامية الواضحة في تحريم أعمال السحر".

"في الوقت ذاته هناك ما يطلق عليه اسم السحر السفلي أو الصابئي، واسمه يرتبط بالجن والسحر المبني على الإثم"، تضيف العبيدي.

وتتابع: "خلال السنوات القليلة الماضية انتشرت صفحات كثيرة على مواقع التواصل تدعي ممارسة هذا العمل، ما جعل أمر الوصول إليها أكثر سهولة بالنسبة للنساء عن ذي قبل. لذلك نرى عشرات الصفحات الممولة وغير الممولة وحتى قنوات فضائية تنشط للترويج لهم، ووصل الأمر إلى إنشاء مجاميع خاصة للنساء في هذا المجال لا أحد يعرف ما يجري فيها".

على الطرف الآخر، بحسب العبيدي، "اجتذبت هذه الحالة الكثير من العاطلين عن العمل وممتهني النصب والاحتيال، لسهولتها وعدم إمكانية إبلاغ الضحية أو قدرتها على استرداد أي مبلغ مالي منهم، كونها لا تعلم أصلا مكان إقامة الشخص أو اسمه الحقيق أو بسبب مخاوف اجتماعية".

وتعتبر هذه القضية "مقلقة للغاية"، لأنها "تمثل تراجعاً ثقافياً واجتماعياً هائلاً رغم التطور التكنولوجي والثقافي والعلمي في العراق، ما يتطلب وقفة جادة لحماية المجتمع من هذه الآفة التي تفتك بالنسيج المجتمعي، وتؤدي إلى سلسلة من الجرائم المسكوت عنها كالقتل بدافع الشرف أو العنف الأسري"، على حد تعبيرها.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

يوم العاشر من المحرم يصادف في العراق الأربعاء (أرشيف)
يوم العاشر من المحرم يصادف في العراق الأربعاء (أرشيف)

أعلنت "العتبة الحسينية" في العراق، الاثنين، نشر 7 آلاف شخص لتنظيم حركة الزائرين خلال مراسم إحياء مقتل الإمام الحسين يوم العاشر من شهر محرم الهجري.

ويصادف العاشر من محرم هذا العام، الأربعاء، حين يتوقع أن تشهد مدينة كربلاء، المقدسة لدى الشيعة، توافد عشرات الآلاف من الزوار لإحياء ذكرى يوم عاشوراء.

وقال معاون رئيس قسم حفظ النظام في "العتبة الحسينية"، علاء العنبكي، في بيان أوردته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن قسمه وضع خطة خاصة بمراسم إحياء زيارة يوم العاشر من محرم؛ لتنظيم وإدارة حركة الزائرين الوافدين إلى مرقد الإمام الحسين (عليه السلام)".

وأضاف العنبكي أن "الخطة تضمنت نشر 1000 موظف تابع للعتبة الحسينية، بالإضافة إلى 6000 متطوع لتنظيم حركة الزائرين، فضلا عن الاستعانة بأحدث كاميرات المراقبة؛ لتأمين الطرق والمناطق المحيطة بالصحن الحسيني".

وتابع: "الكاميرات لا يقتصر عملها على تأمين الزيارة، وإنما ستستخدم في تحليل صورة توزيع الزائرين".

وأكد: "وجود منظومات خاصة للتشويش من أجل منع الطيران المسير غير المرخص"، مشيرا إلى أن "هناك تنسيقا عاليا بين العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية والجهات الأمنية الأخرى في المحافظة لتنفيذ الخطة على أكمل وجه".

وخلال الأيام العشرة الأولى من شهر محرم الهجري، يحيي المسلمون الشيعة ذكرى مقتل الإمام الحسين – حفيد النبي محمد – في العاشر من شهر محرم على يد جنود الخليفة الأموي، يزيد بن معاوية، خلال معركة كربلاء عام 680، بمواكب وشعائر تجري في بلدان عدة، لكن لها رمزية كبرى في كربلاء.

وفي هذه المناسبة، يأتي مئات الآلاف من الزوار من داخل العراق وخارجه، لا سيما من إيران او باكستان، لإحياء الذكرى لا سيما في مدينة كربلاء حيث يقع ضريح الإمام الحسين وضريح شقيقه العباس الذي قتل كذلك في المعركة نفسها التي تسمى بـ "واقعة الطف".