طائرة "إف-16" (F-16) تابعة لسلاح الجوي الهولندي
طائرة "إف-16" (F-16) تابعة لسلاح الجوي الهولندي- تعبيرية

ينتظر عشرات العراقيين من ضحايا القصف الهولندي على الحي الصناعي في الحويجة عام 2015 الحكم النهائي في القضية المرفوعة ضد الحكومة الهولندية أمام محكمة العدل الدولية، وهي المرة الأولى التي تقام فيها قضية ضد التحالف الدولي لمحاربة داعش في العراق.

وكانت القوات الهولندية شاركت ضمن التحالف بالقصف الجوي المكثف في العراق وسوريا على أهداف يستخدمها التنظيم الإرهابي، أحدها كان موقعاً يستخدم لتفخيخ السيارات وصناعة العبوات الناسفة في الحي الصناعي بالحويجة، ما أدى إلى خلق سلسلة من الانفجارات الثانوية الهائلة.

وهو قصف اعترفت به وزارة الدفاع الهولندية في نوفمبر 2019، في بيان، حين تحدثت عن الانفجارات الثانوية التي رافقت قصف الموقع وأدت إلى ارتفاع عدد القتلى بشكل يفوق التوقعات وسقوط ضحايا من المدنيين.

وقالت وزيرة الدفاع الهولندية، كايسي أولونغرين، إن المعلومات المخابراتية تشير قبل الغارة إلى "عدم وجود مدنيين في المحيط المباشر للهدف".

وتابعت: "كانت أقرب منطقة سكنية للهدف خارج نطاق التدمير. لكن، بعد تنفيذ الهجوم وقعت عدة انفجارات ثانوية فاقت التوقعات المبنية على خبرات سابقة بضرب هذا النوع من الأهداف، مما أدى إلى اتساع نطاق التدمير".

 

مئات الضحايا دون تعويض

يقول المدير القطري لمنظمة الغد الإنسانية، طوفان الحربي، إن المنظمة "تبنت قضية الضربة الجوية الهولندية وتعمل منذ ثلاث سنوات على جمع المعلومات وبيانات الضحايا. كما قامت بالتعاون مع مكتب محاماة هولندي برفع القضية أمام محكمة العدل الدولية لإنصاف الضحايا وعوائلهم".

ويؤكد الحربي لـ"ارفع صوتك"، إن أياً من الضحايا "لم يستلم تعويضاً مالياً، كما لم يحصل أي منهم على اعتذار من الحكومة الهولندية، التي اعترفت خلال انعقاد المحكمة بأنها كانت قد جربت سلاحاً جديداً يستخدم للمرة الأولى في الميدان خلال عملية القصف تلك".

وعدد المتضررين، وفق المنظمة بلغ 110 قتلى و560 جريحاً، "يعاني بعضهم من عاهات جسدية دائمة كقطع أحد الأطراف أو إصابات أدت إلى فقء العيون والحروق. وبينهم نساء وأطفال وكبار سن من المدنيين"، كما يقول الحربي.

ويشير إلى أن "القتلى من تنظيم داعش لا يتجاوز عدد أصابع اليد".

ويتابع: "أثر الضربة كان كارثياً على المنطقة، إذ تم تدمير الحي الصناعي بالكامل ومساواته بالأرض، بعد أن كان يحتوي على العديد من معامل الطحين والثلج والمطاحن ومحال تصليح السيارات وغيرها. وامتدت مساحة الدمار لأربعة كيلومترات مربعة".

 

تفاصيل الليلة "المرعبة"

يصف صباح السعدي، وهو أحد سكان الحويجة، تلك الليلة بـ"المرعبة"، ويقول لـ "ارفع صوتك" أن: "الوضع في ذلك اليوم كان هادئاً نسبياً والليلة كانت مظلمة تماماً لانقطاع التيار الكهربائي".

ويضيف: "عندما اقترب الوقت من منتصف الليل سمعنا صوت طائرة، وبعد لحظات ارتجت الأرض بنا ثم اخترق السماء وميض ضوء أضاء عتمة الليل، تلاه عصف شديد تخلعت له أبواب البيوت وتكسر زجاج المنازل بالكامل".

ويقول ميعاد البزوني الذي يسكن على بعد كيلومتر واحد عن موقع الضربة الجوية: "خلال الحروب الكثيرة التي خاضها العراق لم نسمع مثل صوت ذلك الانفجار ولن ننساه ما حيينا".

ويوضح لـ"ارفع صوتك": "الانفجار صعد له في السماء دخان رمادي على هيئة فطر، انتشر لاحقاً وغطى المنطقة بالكامل، حتى تصورنا أنها ضربة نووية في البداية، أما العصف فكانت نتيجته خلعاً كاملاً لأبواب المنزل وتكسير الزجاج، وحتى أجهزة التكييف المعلقة خارجاً وجدناها وقد اندفعت إلى داخل المنزل".

"اتصل بي أقاربي للاطمئنان علينا بعد الهزة الأرضية التي قيل لهم إنها حصلت في الحويجة، ولم يصدق أي منهم أنها كانت ضربة جوية وليس زلزالاً"، يتابع البزوني.

سفيان السلطان، من سكان الحويجة أيضاً كان شاهداً على الواقعة، يقول: "اعتقد الجميع أن المنطقة تم قصفها بالنووي أو السلاح الكيمياوي، وبدأنا نأخذ المناشف ونبللها بالماء ونضعها على وجوهنا، بسبب الدخان الرمادي الكثيف ذي الرائحة النفاذة الذي ملأ المنطقة، كما أصبح التنفس والرؤية صعباً للغاية".

تلك الليلة كما يؤكد "لن ننساها أبداً، فقد ظننا أننا هالكون لا محالة". وفي اليوم التالي "زرنا منطقة سقوط الصاروخ وكانت مدمرة بالكامل مع حفرة على شكل تلة صغيرة في الموقع"، يتابع السلطان لـ"ارفع صوتك".

 

محكمة العدل الدولية

سعياً منه للهروب من العمليات العسكرية انتقل عبد الله رشيد برفقة أبنائه الثمانية وزوجته إلى الحويجة من محافظة صلاح الدين، "لكن، لم نتمكن من الوصول إلى نقطة أبعد لمنع داعش العوائل من الفرار باتجاه الحكومة المركزية فاضطررنا إلى البقاء في الحويجة"، كما يقول.

ويبين لـ "ارفع صوتك": "في ليلة 2-3 يونيو 2015، تسببت ضربة جوية في مقتل زوجتي وستة من أطفالي ولم يبق لدي سوى طفلين كلاهما أصيب بجروح متفاوتة خلال الانفجار".

اضطر رشيد إلى تحمل كافة نفقات العلاج الخاصة بالطفلين، دون الحصول على أي مساعدات مباشرة تتعلق بضحايا الضربة الجوية، مضيفا "لم يتم الاعتراف بنا كضحايا سوء تقدير لمدى تأثير الضربة الجوية على حياة المدنيين".

"لهذه الأسباب، رفعت أنا وعشرات آخرين من الضحايا دعوة أمام محكمة العدل الدولية بهدف الاعتراف بالخطأ، وتعويض جميع المتضررين"، يؤكد رشيد.

ومحكمة العدل الدولية هي الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة، يقع مقرها في لاهاي بهولندا. وتتولى المحكمة الفصل طبقا لأحكام القانون الدولي في النزاعات القانونية التي تنشأ بين الدول، وتقديم آراء استشارية بشأن المسائل القانونية التي قد تحيلها إليها أجهزة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة.

 

تفاصيل القضية

يقول المدير القطري لمنظمة الغد، طوفان الحربي، إن المنظمة "تسعى إلى حشد الرأي العام خلف القضية في محكمة العدل الدولية، من خلال عقد المؤتمرات داخل وخارج العراق ودعوة الإعلام والسفراء وأعضاء في البرلمان العراقي، بهدف الضغط على الحكومة الهولندية للجلوس على طاولة المفاوضات بعد تقديم شكوى لدى المحكمة الدولية وعقد أولى الجلسات في 24 أكتوبر الماضي".

ورغم عدم تقديم أي تعويضات للمتضررين إلا أن الحكومة الهولندية، كما يقول الحربي "قدمت منحة مالية لإعادة إعمار المنطقة المنكوبة بمبلغ أربعة ملايين يورو بإشراف منظمة الهجرة الدولية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي".

وقامت المنظمتان بـ"إنفاق تلك المبالغ على إعادة إعمار المحال التجارية وتبليط الشوارع ومشاريع للطاقة الكهربائية ورفع الأنقاض، بالإضافة إلى مشاريع تشغيل الأيدي العاملة"، وفق الحربي.

ويكمل: "أي أنه لم يتم منح عوائل الضحايا تعويضات مالية مباشرة عن الضرر الذي أصابهم سواء من فقد أفراد من عائلته، أو من تعرض لإصابة بالغة. وأكثر المتضررين هم من أصيبوا وكان من الصعب حصولهم على الرعاية الطبية حينها، ما أدى لتفاقم حالتهم الصحية، أو ممن كان يحتاج إلى علاج خارج العراق ولم يتم تسفيره".

تلك المبالغ التي تم منحها إلى وكالات الأمم المتحدة "لم يتم استغلالها بشكل صحيح" بحسب الحربي، مردفاً "تم عبرها إقامة خدمات كانت أصلا من واجب الدولة ".

لذلك، تسعة منظمة الغد اليوم إلى تعويض أصحاب القضايا في حال تم كسب القضية.

أما عدد القضايا التي تم تقديمها أمام محكمة العدل الدولية، فوصلت حتى الآن 46 قضية من مجموع المتضررين من عوائل القتلى والجرحى الذين يتجاوز عددهم 700 شخص.

وفي معرض رده على سؤال يتعلق بالسقف الأعلى الذي تأمل المنظمة الحصول عليه من خلال رفع القضية، يشرح الحربي: "الخطوة الأولى هي الاعتراف الرسمي بالخطأ الذي تم ارتكابه وتقديم اعتذار رسمي، وتقديم التعويض المالي، ومعالجة الجرحى ممن لديهم إصابات لم يتمكن الطب العراقي من علاجها ولم يكن لديهم الإمكانية المالية للعلاج خارج البلد".

ويشير إلى وجود جانب آخر للقضية "يتعلق بتنبيه وإنذار لكل الدول التي ستشارك مستقبلا في أي تحالف دولي، بأن تأخذ الحيطة والحذر من استهداف المدنيين في كل بقعة من العالم لأنه لن يمر دون محاسبة"، على حدّ تعبيره.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Iranian President Pezeshkian visits Iraq
جانب من لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان- رويترز

وصل الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، صباح الأربعاء، إلى بغداد في أول زيارة له إلى الخارج منذ انتخابه في يوليو الماضي.

وجاء في بيان لمكتب رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، أن هذا الأخير استقبل بزشكيان، مرفقا بيانه بصورة يتصافح فيها الرجلان على مدرج المطار.

ويسعى الرئيس الإيراني لتعزيز العلاقات الثنائية الوثيقة أصلا بين البلدين.

وتعهد بزشكيان إعطاء "الأولوية" لتعزيز العلاقات مع الدول المجاورة في إطار سعيه إلى تخفيف عزلة إيران الدولية وتخفيف تأثير العقوبات الغربية على الاقتصاد، وفقا لفرانس برس.

وقال في أغسطس "العلاقات مع الدول المجاورة (...) يمكن أن تحيّد قدرا كبيرا من الضغوط الناجمة عن العقوبات".

كما تعهد بزشكيان خلال حملته الانتخابية السعي لإحياء الاتفاق الدولي لعام 2015 الذي أتاح رفع عقوبات اقتصادية عن طهران لقاء تقييد أنشطتها النووية. وانسحبت الولايات المتحدة أحاديا من الاتفاق في 2018 معيدة فرض عقوبات قاسية خصوصا على صادرات النفط.

وعيّن بزشكيان مهندس اتفاق عام 2015 الدبلوماسي المخضرم، محمد جواد ظريف، نائبا له للشؤون الاستراتيجية في إطار سعيه إلى انفتاح إيران على الساحة الدولية.

وتعززت العلاقات بين العراق وإيران خلال العقدين الماضيين بعد الغزو الأميركي في العام 2003 الذي أطاح بنظام، صدام حسين.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، ناصر كنعاني، هذا الأسبوع "ستكون هذه الرحلة فرصة لتعزيز وتعميق العلاقات الودية والأخوية بين البلدين في مختلف المجالات".

وذكر موقع الرئاسة الإيرانية الإلكتروني، الخميس الماضي، أن زيارة بزشكيان ستستمر ثلاثة أيام. وأشار إلى أن الرئيس الإيراني سيعقد، بالإضافة إلى الاجتماعات الرسمية، لقاءات مع إيرانيين في العراق ومع رجال أعمال. وسيزور النجف وكربلاء والبصرة.

شريكان تجاريان

وتتمتع إيران التي تعد أحد الشركاء التجاريين الرئيسيين للعراق بنفوذ سياسي كبير في العراق. ويهيمن حلفاء طهران العراقيون على البرلمان، وكان لهم دور أساسي في اختيار رئيس الحكومة الحالي.

ويزور سنويا ملايين الإيرانيين مدينتَي النجف وكربلاء العراقيتين المقدستين.

وذكرت وسائل إعلام إيرانية أن حجم التجارة غير النفطية بين إيران والعراق بلغ نحو خمسة مليارات دولار بين مارس ويوليو 2024.

وتصدّر إيران كذلك ملايين الأمتار المكعبة من الغاز يوميا إلى العراق لتشغيل محطات الطاقة. وهناك متأخرات في الدفع على العراق مقابل هذه الواردات التي تغطي 30% من احتياجاته من الكهرباء، تقدر بمليارات الدولارات.

وفي سبتمبر 2023، أطلق البلدان "مشروع ربط البصرة-الشلامجة" للسكك الحديد وهو خط سيربط المدينة الساحلية الكبيرة في أقصى جنوب العراق بمعبر الشلامجة الحدودي على مسافة أكثر من 32 كيلومترا.

تعاون أمني

وتأتي زيارة بزشكيان وسط اضطرابات في الشرق الأوسط أثارتها الحرب التي اندلعت في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة حماس - المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى - في السابع من أكتوبر الماضي، والتي دفعت المجموعات المسلحة المدعومة من إيران في جميع أنحاء المنطقة لدعم الفلسطينيين وعقّدت علاقات بغداد مع واشنطن.

وتنشر الولايات المتحدة زهاء 2500 جندي في العراق ونحو 900 في سوريا المجاورة، في إطار التحالف الذي أنشأته عام 2014 لمحاربة تنظيم داعش. ويضم التحالف كذلك قوات من دول أخرى لا سيما فرنسا والمملكة المتحدة.

وتطالب فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران بانسحاب هذه القوات.

وتجري بغداد وواشنطن منذ أشهر مفاوضات بشأن التقليص التدريجي لعديد قوات التحالف في العراق.

وأعلن وزير الدفاع العراقي، ثابت العباسي، الأحد الماضي، أن بغداد وواشنطن توصلتا إلى تفاهم حول جدول زمني لانسحاب قوات التحالف الدولي من العراق "على مرحلتين"، مرجحا أن يتم توقيع اتفاق بهذا الشأن قريبا.

وسيكون لبزشكيان محطة في أربيل، عاصمة إقليم كردستان الذي يحظى بحكم ذاتي، حيث سيلتقي مسؤولين أكراد، على ما أفادت وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية "إرنا".

وفي مارس 2023، وقع العراق وإيران اتفاقا أمنيا بعد أشهر قليلة على تنفيذ طهران ضربات ضد مجموعات كردية معارِضة في شمال العراق.

ومنذ ذلك الحين، اتفق البلدان على نزع سلاح المجموعات المتمردة الكردية الإيرانية وإبعادها عن الحدود المشتركة.

وتتّهم طهران هذه المجموعات بالحصول على أسلحة من جهة العراق، وبتأجيج التظاهرات التي اندلعت في أعقاب وفاة الشابة الكردية الإيرانية، مهسا أميني، في سبتمبر 2022، بعد أيام على توقيفها من جانب شرطة الأخلاق لعدم التزامها بقواعد اللباس الصارمة.

ويوجد في العراق عدة أحزاب وفصائل مسلحة متحالفة مع إيران. وتعمل طهران على زيادة نفوذها في العراق منذ أن أطاح الغزو الذي قادته الولايات المتحدة بصدام حسين في عام 2003.

وقال بزشكيان، وهو معتدل نسبيا، قبل زيارته وفقا لوسائل إعلام رسمية إيرانية "نخطط لتوقيع عدد من الاتفاقيات. سنلتقي مع مسؤولين عراقيين كبار في بغداد".