سجل العراق خلال العام 2022، بحسب بيانات نشرتها وزارة التخطيط نسبة فقر وصلت إلى 25 % من إجمالي السكان- تعبيرية
سجل العراق خلال العام 2022، بحسب بيانات نشرتها وزارة التخطيط نسبة فقر وصلت إلى 25 % من إجمالي السكان- تعبيرية

في الوقت الذي تُشيد فيه وزارة التجارة بإنجازاتها في توزيع "السلة الغذائية" باعتبارها النظام الذي ساهم في تخفيف أثر ارتفاع أسعار الغذاء العالمية على المواطن، تدور في أروقة البرلمان العراقي اتهامات للوزارة بهدر المال العام من خلال إبرام عقد مع شركة خاصة لتجهيز المواد الغذائية.

شبهات الهدر التي أحاطت بتعاقدات وزارة التجارة قدّمتها في نوفمبر 2022 دائرة البحوث في البرلمان العراقي في ورقة إحاطة تضمنت ملاحظات تتعلق بشبهات فساد وهدر للمال العام في عقد "السلة الغذائية" بوزارة التجارة.

تقول الإحاطة إن مجلس الوزراء (خلال حكومة مصطفى الكاظمي) وافق في أيار 2021 على مقترحات وزارة التجارة بشأن تجهيز سلة غذائية مكونة من خمس مواد هي الأرز والسكر والزيت ومعجون الطماطم والبقوليات.

اختارت الشركة العامة لتجارة المواد الغذائية شركة "الأويس"، وهي شركة خاصة، وتعاقدت معها لخمس سنوات. وبحسب ورقة الإحاطة فإنه تم تقديم خطاب ضمان من قبل مصرف الجنوب الإسلامي (تأسس العام 2016 وتعود ملكيته إلى الشركة نفسها) بمبلغ 3 ملايين دولار، فيما العقد المبرم هو بمبلغ 6.85 دولارات للسلة الواحدة للفرد الواحد (274 مليون دولار للسلة الواحدة لأربعين مليون فرد)، من دون احتساب إجمالي مبلغ العقد والذي على أساسه يتم تحديد مبلغ خطاب الضمان الواجب.

تحديد سعر السلة للفرد الواحد بالدولار الأميركي جاء، بحسب ورقة الإحاطة، خلافاً لقرار المجلس الوزاري للاقتصاد في أيلول 2020 الذي تضمن التعامل بالدينار العراقي لكافة العقود الموقعة مع الشركات المحلية ولكل المواد مع إلغاء الاستثناءات الممنوحة سابقاً.

العقد تم إبرامه أيضاً، حسب الإحاطة، دون تضمينه مناشئ بنوده، كما لم يتم تضمين جدول ملحق بالمواصفات والنوعيات. وفي مارس 2022 ارتفع سعر تجهيز حصة الفرد الواحد إلى 9.95 دولارات (398 مليون دولار للسلة الواحدة ولأربعين مليون فرد). وأرجعت الشركة العامة لتجارة المواد الغذائية السبب في ذلك إلى ارتفاع الأسعار نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية.

حاولت مراسلة "ارفع صوتك" الحصول على تعليق من لجنة النزاهة البرلمانية على مدى أيام دون جدوى. وكانت النزاهة البرلمانية أثارت القضية من خلال النائب هادي السلامي الذي قال في تصريحات صحفية إن حجم الفساد في برنامج السلة الغذائية يصل إلى 151 مليون دولار شهرياً.

 

نظام "السلة الغذائية"

 

ينفي المتحدث باسم وزارة التجارة مثنى جبّار أي شبهات فساد تحيط بعقد السلة الغذائية ويقول لـ"ارفع صوتك" إن جميع الانتقادات التي وجهت إلى الوزارة بخصوص العقد "جرت الإجابة عليها والتحقق منها وهو ما أعطى قوةً للعقد ولم تتم التوصية بفسخه من قبل الجهات الرقابية".

وتدافع وزارة التجارة عن نفسها، على لسان جبّار، بإجراء مقارنة بين نظام البطاقة التموينية الذي أنهت العمل به مع بداية العام 2022: "كان يعاني من التلكؤ في وصول المواد الغذائية إلى المواطنين عندما كان العمل يتم وفق نظام الاستيراد والإرساليات من قبل شركات متعددة في وزارة التجارة".

ونتيجة للعمل بالطريقة السابقة، يقول المسؤول الحكومي: "كان المواطن يعاني من تأخير المواد أو عدم استلامها لأشهر أو يتم استلام جزء منها دون توفير المواد المتبقية".

ونظام البطاقة التموينية، أو "الحصة" كما يطلق عليها شعبياً، عبارة حزمة من المواد الغذائية بدأ العمل على توزيعها في سبتمبر 1990 على السكان تخفيفاً لعواقب الحصار الاقتصادي الذي فُرض على العراق بعد غزوه الكويت، ويتم توزيعها عبر أكثر من 50 ألف وكيل.

وبعد سقوط النظام البعثي، عام 2003، تراجع الدعم المقدّم من الحكومة لنظام البطاقة التموينية. ولعب الفساد المالي والإداري دوره في خفض كمية ونوعية المواد الموزعة على المواطنين بشكل كبير.

وحول الفرق بين "البطاقة التموينية" و"السلة الغذائية"، يوضح جبار أن "البطاقة التموينية كنظام كانت بعهدة ثلاث شركات في وزارة التجارة وهي تجارة المواد الغذائية وتجارة الحبوب وتصنيع الحبوب". وهذه الشركات "كانت تقوم بإعلان المناقصات أو الشراء بشكل مباشر، فكان قسم كبير من العقود لا يتم تنفيذه بسبب عدم قدرة التجار على الإيفاء بالعقود". وفي المقابل "كانت الإجراءات القانونية المتخذة من الوزارة كمصادرة خطابات الضمان غير مجدية".

ولهذه الأسباب مجتمعة، "تم التحول من نظام البطاقة التموينية إلى نظام السلة الغذائية الذي يعتمد على شركة واحدة من شركات القطاع الخاص (الاويس) لاستيراد المواد وإيصالها إلى مخازن الوزارة التي تقوم بتوزيعها ضمن نظام الوكلاء فيما عهد بتوريد السكر إلى معمل الاتحاد بشكل كامل" بحسب الجبّار.

"الاويس" و "الاتحاد"

تضم شركة " الاويس " بحسب موقعها الإلكتروني 15 شركة تتنوع نشاطاتها بين تجارة المواد الغذائية والإنتاج الزراعي والحيواني والمقاولات، بالإضافة إلى الطباعة والحماية الأمنية والإلكترونيات والنفط دون ذكر صاحب الشركة أو سنة التأسيس.

وتشير معلومات دائرة التسجيل العقاري إلى أن الشركة تأسست في العام 2007 ثم تمّ شطبها وتحويلها إلى شركة مساهمة خاصة برأسمال 99 مليار دينار (نحو 75 مليون دولار)، كما تم تأسيس شركة للخدمات النفطية في العام 2018 برأسمال بلغ ملياري دينار.

ويشير الموقع الإلكتروني لسوق العراق للأوراق المالية إلى العام 2016 حين جرى تأسيس مصرف الجنوب الإسلامي مع شركة للتحويلات المالية برأسمال بلغ 250 مليار دينار عراقي (نحو 191 مليون دولار) وهو ما يعني أن رأسمال المصرف بأكمله أقل من سعر سلة غذائية واحدة.

ويشير الموقع الإلكتروني للشركة إلى أن استثماراتها الإجمالية بلغت 500 مليون دولار، وهي مسؤولة عن عقود تزويد وزارة التجارة بالسلة الغذائية، بالإضافة إلى عقود وزارة الدفاع لتوريد الأغذية لـ300 ألف جندي يومياً، كما افتتحت العام الماضي جامعة خاصة تحمل اسم "الشعب".

أما شركة الاتحاد للصناعات الغذائية فتأسست العام 2012 برأسمال بلغ مليار دينار عراقي (765 ألف دولار) بحسب موقع دائرة تسجيل الشركات.

حصلت الشركة بموجب الموقع الإلكتروني لهيئة الاستثمار على إجازتها في العام 2006 إلا أنها لم تبدأ العمل إلا في العام 2015 عندما بدأت بإنشاء مصنع تكرير السكر. وبدأت إنتاجها من السكر الأبيض المكرر في مطلع عام 2015 وكانت عندها تسوّق نصف إنتاجها لصالح البطاقة التموينية.

وقامت الشركة بتأسيس مصنع تكرير الزيوت النباتية في سنة 2016 بكلفة تجاوزت 12 مليون دولار بجوار مصنع تكرير السكر، حيث بدأ الإنتاج من الزيت النباتي المكرر مطلع عام 2017 والذي حمل اسم الدار وكان يتم تسويقه لصالح وزارة التجارة. وفي 2021 قامت شركة الاتحاد بإنشاء شركة الريان لاستخلاص الزيوت والأعلاف النباتية.

وهي الشركة ذاتها التي افتتح رئيس الوزراء محمد السوداني مشروعها الجديد لإنتاج البيض والدواجن قبل أيام في محافظة كربلاء والذي يعتبر الأكبر في العراق.

 

"سلة الرعاية"

 

يشدد المتحدث باسم الوزارة مثنى جبّار أنه بفضل إجراءات وزارة التجارة في التعاقد "تم تجاوز جميع العراقيل التي كانت تحول دون وصول المواد إلى المواطنين".

ويضيف أن المواطن "لم يتأثر بشكل كبير بأزمة الغذاء العالمية وارتفاع أسعار المواد الأساسية بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، بفضل انتظام حركة المواد الغذائية وانتظام وصولها إلى المواطنين".

وبالإضافة إلى السلة الغذائية لعموم العراقيين تقوم وزارة التجارة، بحسب جبّار، "بتوفير مفردات تموينية إضافية تحت عنوان سلة الرعاية الاجتماعية". وهي حصص غذائية "للمشمولين برواتب الرعاية الاجتماعية بموجب قرارات وزارة العمل بعد فحص حالتهم الاجتماعية كونهم دون خط الفقر".

وسجل العراق خلال العام 2022، بحسب بيانات نشرتها وزارة التخطيط نسبة فقر وصلت إلى 25 % من إجمالي السكان. وقالت الوزارة حينها إنها نسب "مرتفعة مقارنة بعامي 2019 و2020 حيث كانت النسبة لا تتجاوز 20 %".

وأوضحت أن هذا الارتفاع نجم عن أسباب عديدة، بينها تداعيات جائحة كورونا (2020 و2021) التي رافقها توقف الأنشطة الاقتصادية، بالإضافة إلى الأزمة الاقتصادية نتيجة انخفاض أسعار النفط وتوقف المشاريع.

وبحسب مثنى جبار،  فإن: "عدد المشمولين بالسلة الغذائية يبلغ 42 مليون عراقي، يضاف إليهم أكثر من ستة ملايين شخص يستلمون سلة الرعاية، وهذا معناه أن وزارة التجارة تقوم بتوزيع 48 مليون سلة إلى عموم المواطنين". أما عدد السلال سنوياً، "فيبلغ عشر سلال غذائية و12 سلة رعاية".

وتختلف سلة الرعاية عن السلة الغذائية بإضافة مادة الشاي وحليب الكبار والطحين الصفر والزيت والمعجون والسكر. أما مفردات السلة الغذائية فتتضمن بحسب إعلان وزارة التجارة (سكر 1 كغم، زيت الطعام 1 لتر، رز مستورد 3 كغم، معجون طماطم مستورد 0.400 كغم، عدس مستورد 0.500 كغم، وحمص مجروش مستورد 0.500 كغم).

"وفرة" النفط

يقول الباحث الاقتصادي الدكتور خطاب الضامن في حديثه لـ "ارفع صوتك" إن نظام السلة الغذائية وسلة الرعاية الاجتماعية جاء نتيجة لـ "الوفرة المالية بعد ارتفاع أسعار النفط للأعوام 2021 وما تلاها، وهو ما وفر للمستفيدين الحصول على هذه المواد وأغناهم عن التوجه للسوق المحلية التي ارتفعت فيها أسعار المواد الأساسية بشكل كبير تحت تأثير الأزمة العالمية".

ساعد البرنامج، كما يقول الباحث، "فئة محددة من العراقيين وهم الواقعون تحت خط الفقر على توفير تكاليف مالية إضافية نتيجة لحصولهم على تلك المواد بأسعار مدعومة أو مجاناً". وبالتالي "حسّن من حالتهم الاقتصادية وأبعدهم عن حالة معينة من الفقر وتوفير الحد الأدنى من العناية لهم".

أما قدرة الدولة على توفير الدعم بشكل مستمر فأوضح الباحث أنه "أمر يعتمد على استمرار الوفرة المالية التي تتمتع بها الدولة العراقية اليوم". فأسعار النفط كما يشير الضامن "قد لا تستمر على الوتيرة نفسها من الارتفاع كونها تتعرض إلى تقلبات وانتكاسات لخضوعها لعوامل اقتصادية وسياسية تؤثر على أسعارها".

وذلك بالإضافة إلى "الضغوط التي تتعرض لها الموازنة التي تجاوز العجز فيها نسبة 30 %. ومع تعيين مليون موظف جديد العام الحالي أصبح العبء كبيراً جداً". ولهذه الأسباب "إدامة مثل هكذا برامج قد لا يكون ممكناً لفترات طويلة" وفقاً للضامن.

وفي رده على سؤال لـ"ارفع صوتك" حول استمرار أو إيقاف سلة الرعاية يوضح جبّار أن الأمر "يعود إلى قرار الشمول الذي يخرج من وزارة العمل. فمتى ما أصبح ذلك المواطن ميسوراً وقررت وزارة العمل حجب السلة عنه فإننا سنطبق القرار"، مبيناً أنه "ما دام المواطن متعسراً ومشمولاً بقرار الرعاية فإن الوزارة ستستمر في إيصال سلة الرعاية إليه".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

FILE PHOTO: Iraqi speaker of Parliament Mohammed al-Halbousi رئيس مجلس النواب العراقي محمد الحلبوسيduring a vote in Sudani's cabinet at the parliament in Baghdad
أعلن رئيس البرلمان المقال محمد الحلبوسي رفضه دعوة رعد السليمان بخصوص الإقليم السني.

 تصاعدت وتيرة الاتهامات بين الأطراف السياسية في العراق بعد أشهر من التوتر الذي أعقب مطالبات بإقامة إقليم للمحافظات ذات الأغلبية السنية في العراق، بعد سنوات من "الهدوء النسبي"، على المستوى الأمني، أعقبت إعلان النصر على تنظيم "داعش".

 دعوات إنشاء إقليم "المنطقة الغربية" انطلقت من رعد السليمان، وهو أحد شيوخ الأنبار، وقد حدد في لقاء تلفزيوني شهر سبتمبر المقبل موعداً لإقامة مؤتمر عام لـ"مناقشة قضية الإقليم"، داعياً إليه ممثلي محافظات الأنبار ونينوى وديالى وصلاح الدين، معتبراً أنها مناطق ذات أغلبية سنية.

جاءت هذه الدعوة استكمالاً للمطالبات التي بدأت منذ شهر فبراير الماضي، وحملت رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض للتوجه شخصياً إلى الأنبار ولقاء عدد كبير من الشخصيات السياسية وشيوخ العشائر منهم علي حاتم سليمان المثير للجدل.

تسببت هذه الزيارة بانتقاد شعبي وسياسي لاذع لفياض، ما اضطر مكتبه الإعلامي إلى إصدار بيان أوضح فيه أن زيارته للأنبار، "كانت بناء على طلب رئيس الوزراء".

 وأوضح البيان أن هناك رفضاً من القوى الشيعية لتشكيل الإقليم، فالزيارة جاءت "حفاظاً على وحدة العراق من المشاريع الداعية إلى تمزيق وحدته التي تحاك من قبل بعض أعدائه من الداخل بشكل خفي، إذ تحاول بعض الجهات الإعلان عما يسمى بالإقليم السني هناك".

 ولم يكن السياسيون الشيعة وحدهم من سجّلوا اعتراضهم على المشروع، فرئيس البرلمان العراقي المقال محمد الحلبوسي وجه رسالة شديدة اللهجة إلى الشيخ السليمان قال فيها إن ما يقوم به "غير صحيح وغير مقبول ويسبب فتنة ويدخلنا في متاهات نحن في غنى عنها"، مشككاً في تصريحاته ومتسائلاً عمّن يقف خلفها، ومبيناً أن "الوضع الإقليمي خطر فلا تسمحون لهذه الفتن أن تجعل من مناطقكم وقود نار".

حق دستوري

"إقامة الأقاليم الفدرالية هي حق دستوري لا يمكن لأي أحد الاعتراض عليه"، يقول المحلل السياسي أحمد الشريفي لـ "ارفع صوتك"، مصيفا أن "من يرغب بإلغائه عليه تعديل الدستور أولاً".

 ويوضح: "منذ كتابة الدستور العراقي العام 2005 تم التأكيد على أن العراق بلد ذو نظام فيدرالي، وكنا نترقب كيفية تطبيق هذا النظام. وحينها كان الأمر مقبولاً من القوى الشيعية، ومرفوضاً من قبل القوى السنية لدوافع وتأثيرات المحيط الإقليمي". أما في الوقت الحالي، فقد "انقلبت المعادلة وأعيدت قضية الأقاليم ولكن برؤى أو بدعم القوى السنية مقابل رفض الطرف الآخر".

 ويرى الشريفي أن "الحل لمشاكل العراق يكمن في الفيدرالية كونها تحقق العدالة". وذلك عبر "تفعيل النظام اللامركزي في الحكم. وهو ما يعني تقاسم السيادة بين الحكومات المحلية والمركزية، فما كان سيادياً يكون حصراً ضمن سلطة المركز وما كان للأقاليم يتم التصرف به وفقاً لحكومات تلك الأقاليم وهذا الأمر يحسم القضايا الخلافية".

 بالعودة إلى نص الدستور، أفرد المشرعون مواد عديدة تتعلق بإنشاء الأقاليم في الفقرات (116-121) والتي نصت على أن النظام في العراق يتكون من عاصمة وأقاليم ومحافظات لامركزية وإدارات محلية. وأعطى الحق لكل محافظة أو أكثر في تكوين إقليم بناء على طلب بالاستفتاء عليه، إما بطلب من ثلث الأعضاء في كل مجلس من مجالس المحافظات التي تروم تكوين الإقليم، أو بطلب من عُشر الناخبين في كل محافظة من المحافظات التي تروم تكوين الإقليم.

 ومنح الدستور الحق للإقليم بوضع دستور له يحدد هيكل سلطاته، وصلاحياته، وآليات ممارسة تلك الصلاحيات، على  ألا يتعارض ذلك مع الدستور العراقي، كما منح حكومة الإقليم الحق بكل ما تتطلبه الإدارة وبوجه خاص إنشاء وتنظيم قوى الأمن الداخلي للإقليم كالشرطة والأمن وحرس الإقليم.

 ويتفق المحلل السياسي عبد الغني الغضبان مع ما ذهب إليه الشريفي، "فالمطالبة بإنشاء إقليم ليست نقيصة ولا عيباً لمن أثار القضية كون الأمر متفق عليها ضمن الدستور العراقي"، إلا أنه يرى أن إنشاء تلك الأقاليم يجب أن يكون "مبنياً على النهج الوطني وبعيداً عن المذهبية والطائفية، ووفق سياقات تقاسم السلطة ضمن عراق فيدرالي بوزارات سيادية (خارجية ودفاع وداخلية) موحدة، ويكون من حقة إنشاء بقية الوزارات الخاصة به".

العراق و5 قضايا عالقة منذ تحرير الموصل
لا تقتصر تركة التنظيم الإرهابي داخل العراق، على العبوات الناسفة والذخائر، بل تتجاوز ذلك إلى ملفات عالقة كثيرة، بينها ملف إعادة الإعمار وعودة النازحين وإنهاء محاكمة مقاتلي التنظيم، وحلّ معضلة مخيم "الهول" الذي يضم عائلات وأبناء وزوجات "داعش"، من دون أن ننسى خطر الخلايا النائمة للتنظيم التي لا تزال تشكّل تهديداً لأمن العراق والأمن العالمي.

صراعات الداخل والخارج

 الصراع الذي تتصاعد حدته اليوم "هو صراع إقليمي وليس صراعاً عراقياً داخليا فحسب" يؤكد الشريفي. ويضيف: "إيران ترى أن الإقليم في المناطق الغربية ذات الأغلبية السنية سيصبح مجالاً حيوياً للولايات المتحدة وحلفائها، وهو ما يعني أن محور الممانعة سيُعزل جغرافياً".

 هذا الأمر سيلغي، بحسب الشريفي، الحاجة إلى وجود قوات الحشد الشعبي "لأن الإقليم دستورياً من حقه تكوين قوات للحماية بقوة تابعة للإقليم وليس للمركز". وهو ما سوف "ينهي الربط الجغرافي بين سوريا ولبنان وحتى فلسطين والعراق وإيران حيث ستكون هناك منطقة عازلة".

 في السياق ذاته، يتحدث الغضبان عن وجود "بوادر لدعم الإقليم في المناطق الغربية من العراق عربياً وإقليمياً ودولياً، إذا ما تم الاتفاق بين المكونات السنية والشيعية خصوصاً التي فازت بزمام السلطة الحقيقية".

 الصراع الإقليمي الذي يتحدث عنه الشريفي، يرى فيه الغضبان امتداداً ليس فقط للأحزاب والجمهور في مناطق وسط وجنوب العراق، بل في داخل القوى السنية نفسها ويتساءل :"إذا كان السياسيون الُسنة إلى حدّ الآن غير متفقين على اختيار رئيس للبرلمان، فكيف يتفقون على إنشاء إقليم؟".

 يتحدث الغضبان عن صراع كبير يدور في المحافظات الخمس التي تمت الإشارة إليها خلال الأسابيع الماضية (الأنبار ونينوى وصلاح الدين وديالى وكركوك).

"اثنتان من تلك المحافظات من المستحيل عملياً أن تعلنا الانضمام إلى الإقليم وهي ديالى (حدودية مع إيران) كونها ذات أغلبية شيعية، وكركوك الغنية بالنفط والصراعات القومية بين مكوناتها (أكراد وتركمان وعرب)"، بحسب الغضبان. الأمر ذاته ينطبق على محافظات أخرى "مثل نينوى التي عانت بعض مكوناتها من التهجير على يد داعش كالإيزيدين والمسيح والمناطق الشيعية فيها".

 

ورقة ضغط سياسي

 منذ الإطاحة بنظام البعث في العام 2003، حرصت الكتل السياسية على تضمين مبدأ اللامركزية وإقامة الأقاليم، بهدف توزيع السلطات وضمان عدم الاستئثار بالسلطة وإنشاء دكتاتورية جديدة.

 ويقول رئيس مؤسسة بصرياثا للثقافة الفيدرالية عمار سرحان لـ "ارفع صوتك" أن محافظة البصرة كانت من أوائل المحافظات التي طالبت بتشكيل الأقاليم الإدارية في العراق منذ العام 2008، على أساس أن تكون كل محافظة إقليم بحد ذاته".

 ويتهم سرحان قوى الإطار التنسيقي بالدفع باتجاه المطالبة بتشكيل إقليم في المنطقة الغربية، "بهدف تحويلها إلى ورقة ضغط سياسي تحت عنوان الإقليم السني، وهو أمر لم يتم طرحه بشكل رسمي حتى الآن، إنما يتم تداوله إعلامياً بين مدة وأخرى، دون تقديم طلب رسمي كما حصل في البصرة".

 ويرى أن الهدف من هذه الضجة الإعلامية هو "تشويه المعنى الأصلي الذي من أجله تم إقرار عملية تشكيل الأقاليم دستورياً، ووضع حجر عثرة أمام تشكيل الأقاليم عموماً والبصرة خصوصاً، كونه الأكثر نضجاً لوجود تجمعات سياسية ومنظمات مجتمع مدني وثقل جماهيري".

 ويعتبر سرحان أن موضوع تكوين الأقاليم بحد ذاتها "مهم جداً لحل مشاكل العراق، لأنه يسحب البساط من تحت أقدام قادة السلطة الحاليين وينقل الصلاحيات إلى جميع الأجنحة وكل المحافظات". في الوقت نفسه، يعتبر سرحان أن التوقيت الذي حملته المطالبات الأخيرة والشكل العام "يشيان بأنها مجرد ورقة ضغط سياسية بسبب المشاكل التي يواجهها البرلمان. فالأمر بالنسبة لنا لا يتعلق بردود الأفعال على أزمة ما إنما هو حل لجميع مشاكل العراق".

 بدوره يرى رئيس حركة "نازل آخذ حقي" مشرق الفريجي أن "طرح موضوع الإقليم بالطريقة التي يتم تداولها حالياً من شأنه إبعاد المواطن العراقي عن هويته الوطنية. ولذلك هو مرفوضة ما دامت متبنياته طائفية وتعتمد على الهويات الجانبية وهي عكس متبنيات حركتنا وأهدافها".

 ويضيف لـ "ارفع صوتك" أنه لاحظ في الآونة الأخيرة "حالة من الشحن الطائفي، وعودة بعض الأحزاب إلى التخندق الطائفي، وهي أمور لن تجعلنا نعيش في وطن نتأمل أن نعيش تحت ظله".