سجل العراق خلال العام 2022، بحسب بيانات نشرتها وزارة التخطيط نسبة فقر وصلت إلى 25 % من إجمالي السكان- تعبيرية
سجل العراق خلال العام 2022، بحسب بيانات نشرتها وزارة التخطيط نسبة فقر وصلت إلى 25 % من إجمالي السكان- تعبيرية

في الوقت الذي تُشيد فيه وزارة التجارة بإنجازاتها في توزيع "السلة الغذائية" باعتبارها النظام الذي ساهم في تخفيف أثر ارتفاع أسعار الغذاء العالمية على المواطن، تدور في أروقة البرلمان العراقي اتهامات للوزارة بهدر المال العام من خلال إبرام عقد مع شركة خاصة لتجهيز المواد الغذائية.

شبهات الهدر التي أحاطت بتعاقدات وزارة التجارة قدّمتها في نوفمبر 2022 دائرة البحوث في البرلمان العراقي في ورقة إحاطة تضمنت ملاحظات تتعلق بشبهات فساد وهدر للمال العام في عقد "السلة الغذائية" بوزارة التجارة.

تقول الإحاطة إن مجلس الوزراء (خلال حكومة مصطفى الكاظمي) وافق في أيار 2021 على مقترحات وزارة التجارة بشأن تجهيز سلة غذائية مكونة من خمس مواد هي الأرز والسكر والزيت ومعجون الطماطم والبقوليات.

اختارت الشركة العامة لتجارة المواد الغذائية شركة "الأويس"، وهي شركة خاصة، وتعاقدت معها لخمس سنوات. وبحسب ورقة الإحاطة فإنه تم تقديم خطاب ضمان من قبل مصرف الجنوب الإسلامي (تأسس العام 2016 وتعود ملكيته إلى الشركة نفسها) بمبلغ 3 ملايين دولار، فيما العقد المبرم هو بمبلغ 6.85 دولارات للسلة الواحدة للفرد الواحد (274 مليون دولار للسلة الواحدة لأربعين مليون فرد)، من دون احتساب إجمالي مبلغ العقد والذي على أساسه يتم تحديد مبلغ خطاب الضمان الواجب.

تحديد سعر السلة للفرد الواحد بالدولار الأميركي جاء، بحسب ورقة الإحاطة، خلافاً لقرار المجلس الوزاري للاقتصاد في أيلول 2020 الذي تضمن التعامل بالدينار العراقي لكافة العقود الموقعة مع الشركات المحلية ولكل المواد مع إلغاء الاستثناءات الممنوحة سابقاً.

العقد تم إبرامه أيضاً، حسب الإحاطة، دون تضمينه مناشئ بنوده، كما لم يتم تضمين جدول ملحق بالمواصفات والنوعيات. وفي مارس 2022 ارتفع سعر تجهيز حصة الفرد الواحد إلى 9.95 دولارات (398 مليون دولار للسلة الواحدة ولأربعين مليون فرد). وأرجعت الشركة العامة لتجارة المواد الغذائية السبب في ذلك إلى ارتفاع الأسعار نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية.

حاولت مراسلة "ارفع صوتك" الحصول على تعليق من لجنة النزاهة البرلمانية على مدى أيام دون جدوى. وكانت النزاهة البرلمانية أثارت القضية من خلال النائب هادي السلامي الذي قال في تصريحات صحفية إن حجم الفساد في برنامج السلة الغذائية يصل إلى 151 مليون دولار شهرياً.

 

نظام "السلة الغذائية"

 

ينفي المتحدث باسم وزارة التجارة مثنى جبّار أي شبهات فساد تحيط بعقد السلة الغذائية ويقول لـ"ارفع صوتك" إن جميع الانتقادات التي وجهت إلى الوزارة بخصوص العقد "جرت الإجابة عليها والتحقق منها وهو ما أعطى قوةً للعقد ولم تتم التوصية بفسخه من قبل الجهات الرقابية".

وتدافع وزارة التجارة عن نفسها، على لسان جبّار، بإجراء مقارنة بين نظام البطاقة التموينية الذي أنهت العمل به مع بداية العام 2022: "كان يعاني من التلكؤ في وصول المواد الغذائية إلى المواطنين عندما كان العمل يتم وفق نظام الاستيراد والإرساليات من قبل شركات متعددة في وزارة التجارة".

ونتيجة للعمل بالطريقة السابقة، يقول المسؤول الحكومي: "كان المواطن يعاني من تأخير المواد أو عدم استلامها لأشهر أو يتم استلام جزء منها دون توفير المواد المتبقية".

ونظام البطاقة التموينية، أو "الحصة" كما يطلق عليها شعبياً، عبارة حزمة من المواد الغذائية بدأ العمل على توزيعها في سبتمبر 1990 على السكان تخفيفاً لعواقب الحصار الاقتصادي الذي فُرض على العراق بعد غزوه الكويت، ويتم توزيعها عبر أكثر من 50 ألف وكيل.

وبعد سقوط النظام البعثي، عام 2003، تراجع الدعم المقدّم من الحكومة لنظام البطاقة التموينية. ولعب الفساد المالي والإداري دوره في خفض كمية ونوعية المواد الموزعة على المواطنين بشكل كبير.

وحول الفرق بين "البطاقة التموينية" و"السلة الغذائية"، يوضح جبار أن "البطاقة التموينية كنظام كانت بعهدة ثلاث شركات في وزارة التجارة وهي تجارة المواد الغذائية وتجارة الحبوب وتصنيع الحبوب". وهذه الشركات "كانت تقوم بإعلان المناقصات أو الشراء بشكل مباشر، فكان قسم كبير من العقود لا يتم تنفيذه بسبب عدم قدرة التجار على الإيفاء بالعقود". وفي المقابل "كانت الإجراءات القانونية المتخذة من الوزارة كمصادرة خطابات الضمان غير مجدية".

ولهذه الأسباب مجتمعة، "تم التحول من نظام البطاقة التموينية إلى نظام السلة الغذائية الذي يعتمد على شركة واحدة من شركات القطاع الخاص (الاويس) لاستيراد المواد وإيصالها إلى مخازن الوزارة التي تقوم بتوزيعها ضمن نظام الوكلاء فيما عهد بتوريد السكر إلى معمل الاتحاد بشكل كامل" بحسب الجبّار.

"الاويس" و "الاتحاد"

تضم شركة " الاويس " بحسب موقعها الإلكتروني 15 شركة تتنوع نشاطاتها بين تجارة المواد الغذائية والإنتاج الزراعي والحيواني والمقاولات، بالإضافة إلى الطباعة والحماية الأمنية والإلكترونيات والنفط دون ذكر صاحب الشركة أو سنة التأسيس.

وتشير معلومات دائرة التسجيل العقاري إلى أن الشركة تأسست في العام 2007 ثم تمّ شطبها وتحويلها إلى شركة مساهمة خاصة برأسمال 99 مليار دينار (نحو 75 مليون دولار)، كما تم تأسيس شركة للخدمات النفطية في العام 2018 برأسمال بلغ ملياري دينار.

ويشير الموقع الإلكتروني لسوق العراق للأوراق المالية إلى العام 2016 حين جرى تأسيس مصرف الجنوب الإسلامي مع شركة للتحويلات المالية برأسمال بلغ 250 مليار دينار عراقي (نحو 191 مليون دولار) وهو ما يعني أن رأسمال المصرف بأكمله أقل من سعر سلة غذائية واحدة.

ويشير الموقع الإلكتروني للشركة إلى أن استثماراتها الإجمالية بلغت 500 مليون دولار، وهي مسؤولة عن عقود تزويد وزارة التجارة بالسلة الغذائية، بالإضافة إلى عقود وزارة الدفاع لتوريد الأغذية لـ300 ألف جندي يومياً، كما افتتحت العام الماضي جامعة خاصة تحمل اسم "الشعب".

أما شركة الاتحاد للصناعات الغذائية فتأسست العام 2012 برأسمال بلغ مليار دينار عراقي (765 ألف دولار) بحسب موقع دائرة تسجيل الشركات.

حصلت الشركة بموجب الموقع الإلكتروني لهيئة الاستثمار على إجازتها في العام 2006 إلا أنها لم تبدأ العمل إلا في العام 2015 عندما بدأت بإنشاء مصنع تكرير السكر. وبدأت إنتاجها من السكر الأبيض المكرر في مطلع عام 2015 وكانت عندها تسوّق نصف إنتاجها لصالح البطاقة التموينية.

وقامت الشركة بتأسيس مصنع تكرير الزيوت النباتية في سنة 2016 بكلفة تجاوزت 12 مليون دولار بجوار مصنع تكرير السكر، حيث بدأ الإنتاج من الزيت النباتي المكرر مطلع عام 2017 والذي حمل اسم الدار وكان يتم تسويقه لصالح وزارة التجارة. وفي 2021 قامت شركة الاتحاد بإنشاء شركة الريان لاستخلاص الزيوت والأعلاف النباتية.

وهي الشركة ذاتها التي افتتح رئيس الوزراء محمد السوداني مشروعها الجديد لإنتاج البيض والدواجن قبل أيام في محافظة كربلاء والذي يعتبر الأكبر في العراق.

 

"سلة الرعاية"

 

يشدد المتحدث باسم الوزارة مثنى جبّار أنه بفضل إجراءات وزارة التجارة في التعاقد "تم تجاوز جميع العراقيل التي كانت تحول دون وصول المواد إلى المواطنين".

ويضيف أن المواطن "لم يتأثر بشكل كبير بأزمة الغذاء العالمية وارتفاع أسعار المواد الأساسية بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، بفضل انتظام حركة المواد الغذائية وانتظام وصولها إلى المواطنين".

وبالإضافة إلى السلة الغذائية لعموم العراقيين تقوم وزارة التجارة، بحسب جبّار، "بتوفير مفردات تموينية إضافية تحت عنوان سلة الرعاية الاجتماعية". وهي حصص غذائية "للمشمولين برواتب الرعاية الاجتماعية بموجب قرارات وزارة العمل بعد فحص حالتهم الاجتماعية كونهم دون خط الفقر".

وسجل العراق خلال العام 2022، بحسب بيانات نشرتها وزارة التخطيط نسبة فقر وصلت إلى 25 % من إجمالي السكان. وقالت الوزارة حينها إنها نسب "مرتفعة مقارنة بعامي 2019 و2020 حيث كانت النسبة لا تتجاوز 20 %".

وأوضحت أن هذا الارتفاع نجم عن أسباب عديدة، بينها تداعيات جائحة كورونا (2020 و2021) التي رافقها توقف الأنشطة الاقتصادية، بالإضافة إلى الأزمة الاقتصادية نتيجة انخفاض أسعار النفط وتوقف المشاريع.

وبحسب مثنى جبار،  فإن: "عدد المشمولين بالسلة الغذائية يبلغ 42 مليون عراقي، يضاف إليهم أكثر من ستة ملايين شخص يستلمون سلة الرعاية، وهذا معناه أن وزارة التجارة تقوم بتوزيع 48 مليون سلة إلى عموم المواطنين". أما عدد السلال سنوياً، "فيبلغ عشر سلال غذائية و12 سلة رعاية".

وتختلف سلة الرعاية عن السلة الغذائية بإضافة مادة الشاي وحليب الكبار والطحين الصفر والزيت والمعجون والسكر. أما مفردات السلة الغذائية فتتضمن بحسب إعلان وزارة التجارة (سكر 1 كغم، زيت الطعام 1 لتر، رز مستورد 3 كغم، معجون طماطم مستورد 0.400 كغم، عدس مستورد 0.500 كغم، وحمص مجروش مستورد 0.500 كغم).

"وفرة" النفط

يقول الباحث الاقتصادي الدكتور خطاب الضامن في حديثه لـ "ارفع صوتك" إن نظام السلة الغذائية وسلة الرعاية الاجتماعية جاء نتيجة لـ "الوفرة المالية بعد ارتفاع أسعار النفط للأعوام 2021 وما تلاها، وهو ما وفر للمستفيدين الحصول على هذه المواد وأغناهم عن التوجه للسوق المحلية التي ارتفعت فيها أسعار المواد الأساسية بشكل كبير تحت تأثير الأزمة العالمية".

ساعد البرنامج، كما يقول الباحث، "فئة محددة من العراقيين وهم الواقعون تحت خط الفقر على توفير تكاليف مالية إضافية نتيجة لحصولهم على تلك المواد بأسعار مدعومة أو مجاناً". وبالتالي "حسّن من حالتهم الاقتصادية وأبعدهم عن حالة معينة من الفقر وتوفير الحد الأدنى من العناية لهم".

أما قدرة الدولة على توفير الدعم بشكل مستمر فأوضح الباحث أنه "أمر يعتمد على استمرار الوفرة المالية التي تتمتع بها الدولة العراقية اليوم". فأسعار النفط كما يشير الضامن "قد لا تستمر على الوتيرة نفسها من الارتفاع كونها تتعرض إلى تقلبات وانتكاسات لخضوعها لعوامل اقتصادية وسياسية تؤثر على أسعارها".

وذلك بالإضافة إلى "الضغوط التي تتعرض لها الموازنة التي تجاوز العجز فيها نسبة 30 %. ومع تعيين مليون موظف جديد العام الحالي أصبح العبء كبيراً جداً". ولهذه الأسباب "إدامة مثل هكذا برامج قد لا يكون ممكناً لفترات طويلة" وفقاً للضامن.

وفي رده على سؤال لـ"ارفع صوتك" حول استمرار أو إيقاف سلة الرعاية يوضح جبّار أن الأمر "يعود إلى قرار الشمول الذي يخرج من وزارة العمل. فمتى ما أصبح ذلك المواطن ميسوراً وقررت وزارة العمل حجب السلة عنه فإننا سنطبق القرار"، مبيناً أنه "ما دام المواطن متعسراً ومشمولاً بقرار الرعاية فإن الوزارة ستستمر في إيصال سلة الرعاية إليه".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.
فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.

يبدو تنظيم داعش، عندما يتعلق الأمر بالتمويل والبحث عن مصادر دخل تنعش موارده المتدهورة، أشبه بكيان متمرس في عالم المافيا والجريمة المنظمة. الكثيرون، بمن فيهم أمراء كبار، انشقوا عنه حينما صدمتهم هذه الحقيقة. 

قيادة التنظيم نفسها تدرك جيدا أن تسليط الضوء على هذا الجانب من نشاطات التنظيم يقوض الصورة التي رسمها لنفسه أمام أتباعه وأنصاره. لذلك لم يتبنَّ يوما أي عملية قتل أو تخريب قام بها باسم جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية" رغم أن جزءا من جهوده، لا سيما في شرق سوريا، مكرس لهذا النشاط الشنيع.

 

الكلفة السلطانية

 

منذ خسارة التنظيم للمساحات الشاسعة التي كان يسيطر عليها في سوريا والعراق، وما نجم عن ذلك من فقدانه لما تدره عليه المعابر وحقول النفط من موارد مالية كبيرة، فَعّل التنظيم عددا من "الخطط الاقتصادية" البديلة كان من بينها جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية".

تعد " الكلفة السلطانية" نشاطا مدرا للدخل إلى جانب نشاطات أخرى ضمن "اقتصاد الحرب" تضخ في خزينة التنظيم أموالا طائلة، مثل التهريب، والاختطاف، وتجارة الآثار، والسطو على البنوك ومحلات الصرافة، واستحواذه على احتياطات العملة الصعبة والذهب في المدن التي اجتاحها، ونهب ممتلكات الطوائف الأخرى وغيرها.

تزامنت ثورة مواقع التواصل الاجتماعي مع الصعود السريع لتنظيم داعش عام 2013.
"داعش".. خلافة رقمية يطوقها مارد الذكاء الاصطناعي
الشركات التكنولوجية الكبيرة شرعت منذ 2017 في الاعتماد كليا على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لرصد وحذف المواد التي تروج للتطرف العنيف على منصاتها، بينما اقتصر دورها في السابق على تكميل جهود فرق بشرية يقع على عاتقها عبء هذه العملية برمتها.

لعدة سنوات ظل التنظيم يجمع " الكلفة السلطانية" لاسيما في مناطق الشرق السوري، حيث تنتشر حقول النفط، والمساحات الزراعية، وممرات التهريب، والمتاجر ومحلات الصرافة. لكنه لم يكن يتحدث عن ذلك لا في إعلامه الرسمي ولا الرديف، بل وتحاشى الاشارة إليها حتى في مراسلاته الداخلية، لأنه يدرك أن جدلا محموما سينتج عن ذلك، وسيحتاج إلى فتاوى دينية وجهود دعائية كبيرة لإقناع أتباعه بـ"وجاهة" أفعاله، وقد خرج أعضاء سابقون في التنظيم ونشروا على قنواتهم الرقمية "أن إرغام المسلمين غصبا وبحد السيف على إعطاء جزء من حلالِهم لثلة من المفسدين في الأرض هو عمل عدواني لا يقوم به إلا أهل البغي وقطاع الطرق".

 

ضريبة على رعايا الخليفة!

 

ينبغي التفريق هنا بين ما ينهبه التنظيم ممن يعتبرهم "كفارا ومرتدين" والذي يسميه ب"الفيء" و"الغنيمة" وبين ما يجبيه باسم "الكلفة السلطانية". فالكلفة السلطانية هي ضريبة يؤديها "المسلمون ورعايا الخليفة" بالقوة والإكراه، أي أن المستهدفين بها هم في عرف التنظيم من المسلمين الذين "لا تحل أموالهم ودماؤهم" ولا تدخل "الكلفة السلطانية" أيضا ضمن الزكاة الواجبة التي تتم جبايتها قسرا من المسلمين من طرف أمنيي التنظيم.

وبعد انكشاف أمر عمليات السطو والنهب هذه لم يجد التنظيم بدا من الحديث عنها في مراسلاته الداخلية، وانتداب أحد شرعييه لصياغة فتوى لتسويغها من الناحية الدينية.

صاغ أبو المعتصم القرشي، وهو أحد كوادر "المكتب الشرعي" لـ"ولاية الشام" فتوى مطولة في 12 صفحة، وحشد فيها مجموعة من النصوص الدينية والقواعد الأصولية التي اعتبرها "أدلة شرعية" على جواز نهب أموال المسلمين بالقوة والإكراه!.

عَرّف القرشي الكلفة السلطانية بأنها " الأموال التي يطلبها الإمام من الناس لأجل مصلحة شرعية". ولعجزه عن إيجاد نصوص قطعية من الكتاب والسنة لتبرير هذه "البدعة الداعشية"، فقد لجأ إلى القواعد الأصولية من قبيل" يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام" و" درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، و" تفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما"، و"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

يعني هذا ببساطة أن مصلحة استمرار عمليات التنظيم والحفاظ على قوته ومقدراته مقدمة على مصالح الناس الأخرى، وأن تواصل عمليات التنظيم باعتبارها "جهادا مقدسا"  إذا لم يتم إلا بالسطو على أموال الناس فيجب السطو عليها.

أكد القرشي في نص فتواه جواز استخدام العنف والقوة لجباية الأموال، قائلا: "لا شك أن المال عصب الجهاد، والإعداد لا يكون إلا به، فتحصيله وتوفيره واجب على الإمام ولو بالقوة والإكراه"، ومن امتنع عن أداء "الكلف السلطانية جاز للإمام أو من ينوب عنه أن يعزره بشكل يكون رادعا له ولغيره حتى يؤدي ما عليه من الحقوق المالية في هذا الشأن".

أما الفئات الاجتماعية المستهدفة بهذه الضريبة، فقد قدم أبو المعتصم سردا طويلا بأصحاب المهن والمحلات التجارية والأطباء والصرافين والفلاحين والمدارس والكليات وتجار الدجاج والبيض وتجار المواشي والمستشفيات. ولم يترك أي نشاط مدر للدخل إلا وأشار إليه ضمن الذين فرض عليهم دفع "الكلف السلطانية"، ولم يستثن سوى أصحاب البسْطات على الأرصفة.

أخطر ما في الفتوى هو أن الممتنع عن أداء ما يطلبه التنظيم من أموال سيكون مصيره القتل والحكم عليه بالردة، و" طريقة استخدام القوة تتفاوت حسب المعاندة والممانعة بين التهديد، والإتلاف لبعض المال، أو التعزير، أو التغريم المالي وحتى الجسدي، ثم القتل إذا استعان الممتنع بشوكة الكفار والمرتدين على المجاهدين فعندها يُطبق عليه حكم الردة" حسب تعبير أبي المعتصم القرشي.

 

معاناة الناس في شرق سوريا

 

في شرق سوريا، يتم استخلاص هذه الضريبة بعد توجيه رسائل تهديد بأرقام دولية عبر تطبيق واتساب إلى المعنيين، وتخييرهم بين دفع "السلطانية" أو مواجهة خلايا الاغتيال، بعد تخريب ممتلكاتهم وتقويض مشاريعهم التجارية والاستثمارية.

وحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد ارتفعت هذا العام نسبة تلك الضرائب إلى حد كبير جداً مقارنة بالسنوات الفائتة، حتى بلغت نحو 616 ألف دولار من تجار النفط والمستثمرين.

وحصل المرصد على إفادة من أحد العاملين في شركة مستثمرة في قطاع النفط في المنطقة الشرقية (دير الزور) تقول بأن الشركة رفضت دفع كامل المبلغ المطلوب منها تحت مسمى "الكلفة السلطانية"، والتي قدرها التنظيم بنصف مليون دولار أميركي، ودفعت بدلها 300 ألف دولار، لكن التنظيم هدد سائقي صهاريج المحروقات التي تعمل لصالح الشركة بالاستهداف إذا لم يتم دفع المبلغ كاملا في غضون أسابيع، ولم يعد لدى الشركة خيار آخر سوى تدبير ما تبقى من المبلغ.

مستثمر آخر في قطاع النفط توصل برسالة عبر تطبيق الواتساب من رقم دولي مفادها بأن عليه دفع "الكلفة السلطانية" البالغ قدرها 75 ألف دولار، وعدم إخبار أي جهة تابعة لقسد أو التحالف الدولي بذلك ووجهت له تهديدات في حال التبليغ أو عدم دفع المبلغ خلال أسبوع، وأن خلايا التنظيم ستقوم بزرع عبوة في سيارته أو حرق بئر النفط الذي يعود له.

ولفت المرصد إلى أن خلايا داعش في بادية ريف دير الزور الشرقي تفرض ضرائب تتراوح بين 1000 و3500 دولار، في مناطق ذيبان وحوايج ذيبان وجديد بكارة، على المستثمرين الذين يعملون على توريد المحروقات إلى "سادكوبى" التابعة للإدارة الذاتية في دير الزور.

يعمد التنظيم أيضا إلى حرق المحاصيل الزراعية التي تعود للفلاحين الذين رفضوا الرضوخ لابتزازه ودفع الأموال التي يطلبها منهم، ورمي القنابل اليدوية على منازل الأثرياء، وعيادات الأطباء، وقد هرب عدد من الأطباء من المنطقة الشرقية بعدما أثقل التنظيم كاهلهم بالضرائب و"المكوس"، ولا سيما وقد وضعهم في رأس قائمة أهدافه لأنهم -حسب اعتقاده- يجنون الأموال أكثر من غيرهم.