المرجع الديني أبو القاسم الخوئي
المرجع الديني الأعلى السابق أبو القاسم الخوئي - مصدر الصور: مؤسسة الخوئي

في التاسع عشر من نوفمبر 1899م، ولد المرجع الشيعي الأعلى السابق أبو القاسم الخوئي، وتوفى في الثامن من أغسطس 1992م عن عمر ناهز 92 عاماً. عاصر الخوئي العديد من الأحداث المهمة في العراق وإيران، كما تزامنت مرجعيته مع فترة حكم النظام البعثي.

من هو الخوئي؟ وكيف تعامل مع نظام حكم صدام حسين؟ وما هو رأيه في الخميني والثورة الإيرانية ونظرية ولاية الفقيه؟

 

الخوئي طالبا

 

ولد الخوئي في بلدة خوي التابعة لأذربيجان حاليا. يعود نسبه إلى الإمام موسى الكاظم، سابع أئمة الشيعة الإمامية الإثني عشرية.

في بلدة خوي، نشأ أبو القاسم مع والده وإخوانه وأتقن القراءة والكتابة وحفظ القرآن. وعندما هاجر والده إلى مدينة النجف في العراق حيث مرقد الإمام علي وعلماء الشيعة، التحق به الخوئي برفقة أخيه الأكبر سنة 1911م. وكان حينها في الثانية عشر من عمره.

بين النجف وقم.. قصة الحوزات العلمية عبر التاريخ
يشير مصطلح الحوزة في الثقافة الشيعية الإمامية الإثني عشرية إلى المكان الذي تُدرس فيه العلوم الدينية، والذي يجتمع فيه طلاب العلم الديني مع أساتذتهم وشيوخهم. تُعدّ حوزتا النجف في العراق، وقم في إيران أهم الحوزات العلمية على الإطلاق. ما هي المراحل التعليمية المختلفة في الحوزات العلمية؟ وما قصة حوزتي النجف وقم؟ وماذا عن التنافس بين الحوزتين؟

بمجرد وصوله إلى النجف، التحق أبو القاسم بالمدارس الدينية المنتشرة في المدينة والمعروفة باسم "الحوزة العلمية". وتدرج في المراحل التعليمية الثلاثة في الحوزات الشيعية، وهي المقدمات، والسطوح، والبحث الخارج.

في النجف، درس الخوئي على يد كبار علماء الحوزة، مثل آية الله الشيخ فتح الله المعروف بشيخ الشريعة، وآية الله الشيخ مهدي المازندراني، وآية الله الشيخ ضياء الدين العراقي، وآية الله الشيخ محمد حسين الغروي، وآية الله الشيخ محمد حسين النائيني.

 

الخوئي مرجعا

 

حصل أبو القاسم الخوئي على الإجازة في الاجتهاد سنة 1935. واشتغل بعدها مدرسا في الحوزة. في الوقت ذاته، ألف العديد من الكتب في ميادين التفسير والفقه والأصول وعلم الرجال. من أشهر مؤلفاته: "البيان في تفسير القرآن"، و"معجم رجال الحديث"، و"التنقيح في شرح العروة الوثقى".

في سنة 1946م، أصبح الخوئي واحداً من مراجع التقليد المعروفين في النجف وذلك عقب وفاة المرجع أبي الحسن الأصفهاني. وفي سنة 1970م، خلف المرجع الأعلى محسن الحكيم.

اهتم الخوئي بالأعمال الخيرية داخل العراق وخارجه. واستعان بالأموال التي توافرت عنده من الأخماس -نوع من الفرائض المالية الدينية التي يدفعها قسم كبير من الشيعة لمراجع التقليد لتمويل الفقراء والمحتاجين وتموّل الحوزة العلمية مؤسساتها منها- لإقامة عدد كبير من المشروعات.

أسس مؤسسة الخوئي الخيرية التي عملت على تشييد المدارس الدينية والمساجد والمؤسسات التكافلية في العديد من الدول والمناطق، كباكستان، وإيران، وبنجلاديش، والهند، ولبنان، ودول شرق إفريقيا، والولايات المتحد الأميركية.

وتخرج العشرات من كبار علماء الشيعة في العراق وإيران ولبنان اليوم على يد الخوئي. منهم علي البهشتي، وعلي السيستاني (المرجع الأعلى حالياً)، ومحمد إسحاق الفياض، وميرزا جواد التبريزي، وحسين وحيد الخراساني، ومحمد حسين فضل الله، ومحمد باقر الصدر.

 

علاقته مع حزب البعث

 

تزامنت مرجعية الخوئي الدينية مع تصاعد نفوذ حزب البعث العراقي ووصوله إلى السلطة نهاية ستينيات القرن الماضي. وكان من الطبيعي أن تشهد تلك الفترة تضارباً وصداماً بين الجهتين، وهو الأمر الذي أسهم في ابتعاد المرجعية الدينية عن أمور السياسة والحكم في العراق من جهة، ومحاولتها الاكتفاء بالحفاظ على الدور العلمي للحوزة من جهة أخرى.

حاول الخوئي أن يعقد علاقات متوازنة مع النظام البعثي. فعندما سُئل في سنة 1971م "هل رأيتم من حكومة البعث في العراق ما ينافي الدين أو الإنسانية بالنسبة إلى شخصكم الكريم أو إلى الحوزة العلمية أو إلى الإيرانيين؟" أجاب: "لم أر من الحكومة الموقرة إلا خيراً. أما بالنسبة إلى الحوزة العلمية والإيرانيين فقد سمعت من بعض الثقات أن الحكومة تعاملهم معاملة حسنة"، بحسب ما يذكر محمد حسن الكشميري في كتابه "جولة في دهاليز مظلمة".

وكذلك، نجده يسارع إلى إرسال برقية تأييد إلى الرئيس العراقي -وقتها- أحمد حسن البكر، وذلك عندما قام النظام بالإعلان عن تأميم النفط العراقي سنة 1972. جاء في تلك البرقية: "إن الدفاع عن مواطن المسلمين وثروات أرضهم، وفي مقدمتها حماية نفطهم، من أهم الواجبات الشرعية وأخطرها وأن الوقوف عند هذا الحق بصلابة وإيمان ضد الأعداء من أفضل الرعاية لمصالح المسلمين وأمانيهم".

في بعض الأحيان، استغل الخوئي منزلته في المجتمع العراقي في عقد بعض المهادنات مع النظام البعثي. على سبيل المثال، يذكر محمد جواد جاسم الجزائري في كتابه "السيد أبو القاسم الخوئي: رؤاه ومواقفه السياسية" أن الخوئي سافر إلى إنجلترا لإجراء عملية جراحية في سنة 1972م، وفي نفس الوقت قام النظام البعثي بحملة عنيفة ضد رجال الدين في النجف قاصداً تهجيرهم وتخريب الحوزة العلمية.

وبحسب الجزائري، فإن مبعوثاً من قِبل الشاه الإيراني زار الخوئي وطلب منه القدوم إلى إيران. وبعدها، زاره مبعوث عراقي وطلب منه الرجوع إلى العراق. وافق الخوئي على الرجوع للنجف بعدما تحصل على وعد بإيقاف جميع الأعمال ضد الحوزة.

تكرر هذا الموقف بعد خمس سنوات بالتزامن مع وقوع انتفاضة سنة 1977. فعندما حدثت هذه الانتفاضة قام الخوئي بإرسال وفد لمقابلة أحمد حسن البكر رئيس الجمهورية، لغرض إطلاق سراح المعتقلين أو تخفيف الحكم عنهم. ونجح الوفد في مهمته بعدما ألغيت بعض أحكام الإعدام.

في الثمانينات، ومع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، حاول صدام حسين إرغام الخوئي على إصدار بيان لدعم النظام العراقي ومهاجمة الحكومة الإيرانية. يذكر الجزائري أن الخوئي رفض هذا الطلب. الأمر الذي أغضب صدام حسين وقتها، وحدا بالسلطات العراقية إلى التحرش بالخوئي وبعدد كبير من مساعديه في أوقات متفرقة.

على سبيل المثال، قامت السلطة بالاعتداء على منزل أكبر أبناء الخوئي -جمال الدين- في محاولة لقتله في سنة 1979م، حسب ما يذكر موقع مركز الخوئي نفسه على الإنترنت. اضطر جمال الدين إثر تلك المحاولة لمغادرة العراق إلى سوريا. وفي سنة 1980، قامت السلطات بتفجير سيارة الخوئي وهو في طريقه لأداء صلاة الظهر. وكذلك تم إعدام المرجع محمد تقي الجلالي، معاون الخوئي الخاص سنة 1982. وصلت تلك التحرشات إلى ذروتها في سنة 1984م، عندما قامت السلطات العراقية باعتقال مجموعات كبيرة من رجال الدين وتلاميذ الخوئي في الحوزة العلمية وأعدمت مجموعة منهم، وفي مقدمتهم المرجع محمد باقر الصدر (مارس 1935 - أبريل 1980).

 

الخوئي والخميني والثورة

 

عُرف عن الخوئي انتقاده الصريح للمحاولات التحديثية التي دعا إليها الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي في ستينيات القرن الماضي، فيما اشتهر وقتها باسم "الثورة البيضاء". في هذا السياق، أرسل الخوئي العديد من الرسائل الداعمة للمظاهرات التي قام بها طلبة المدراس الدينية في إيران في 1963م، كما كان من الداعمين لقائد الثورة الإسلامية في إيران روح الله الخميني، الذي قاد الاحتجاجات ضد الشاه في تلك الفترة.

بعد صدور قرار نفي الخميني إلى العراق، انعقدت علاقات وطيدة بين الرجلين. في كتابه "جرعة من البحر" أشار آية الله شبيري زنجاني إلى العلاقات التي ربطت الخوئي بالخميني أثناء إقامة الأخير في مدينة النجف. ذكر الزنجاني أن المرجعين كانا كثيري التردد على بعضهما البعض، كما اعتادا تبادل الهدايا.

في سنة 1979م، اندلعت الثورة الإيرانية على يد الخميني. لاقت الثورة في بدايتها دعما من الخوئي الذي كان يشغل منصب المرجع الأعلى في النجف في تلك الفترة. رغم ذلك، لم يتمكن الخوئي من التصريح بهذا الدعم على نحو ظاهر بسبب التضييق المفروض عليه من قِبل السلطات العراقية خلال فترة حكم حزب البعث. رغم هذا التوافق بين الخوئي والخميني، إلا أن نظرية ولاية الفقيه التي دعا إليها الخميني كانت واحدة من أهم الخلافات بينهما.

 اعتقد الخميني أنه من الواجب إقامة دولة شيعية يقودها رجل الدين (الفقيه) في زمن الغيبة، أي غيبة الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري. أوضح الخميني هذا الرأي في كتابه "الحكومة الإسلامية"، قائلا: "إذا نهض بأمر تشكيل الحكومة فقيه عالم عادل، فإنه يلي من أمور المجتمع ما كان يليه النبي منهم، ووجب على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا، ويملك هذا الحاكم من أمر الإدارة والرعاية والسياسة للناس ما كان يملكه الرسول وأمير المؤمنين".

اعترض الكثير من علماء النجف على هذا الطرح، وعلى رأسهم المرجع الأعلى أبو القاسم الخوئي. رفض الخوئي الإقرار بولاية الفقيه على الصورة التي دعا إليها الخميني. في كتابه "التنقيح في شرح العروة الوثقى" فرّق الخوئي بين الولاية المطلقة الممنوحة للنبي والأئمة من جهة، والولاية التي يجوز للفقهاء أن يدَّعوها في زمن الغيبة من جهة أخرى.

يقول الخوئي إن "الولاية لم تثبت للفقيه في عصر الغيبة بدليل، وإنما هي مختصة بالنبي والأئمة، بل الثابت حسبما يستفاد من الروايات أمران: نفوذ قضائه وحجية فتواه، وليس له التصرف في مال القصّر أو غيره مما هو من شؤون الولاية إلاّ في الأمر الحِسبي".

ومن هنا، فإن ولاية الفقيه المُطلقة التي دعا إليها الخميني ليست أمراً فقهياً صحيحاً بحسب وجهة نظر الخوئي.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة مركبة للكاتب اللبناني حازم صاغية- ارفع صوتك
صورة مركبة للكاتب اللبناني حازم صاغية- ارفع صوتك

في طفولته، تسلّل العراق إلى الكاتب والمثقف اللبناني حازم صاغية من باب "العروبة ووحدة العرب" وبسبب علاقة البيت الذي تربّى فيه بحزب البعث.

صاغية المولود عام 1951 في لبنان، حمل العراق في انشغالاته الثقافية والسياسية ما يقارب السبعين عاماً، وأسَالَ في الكتابة عن العراق وأحواله حبراً كثيراً، ترجمه في مقالات وتحليلات نقدية وكتب خصصها للعراق وتاريخه ومآلات مستقبله.

في  2003 بعد سقوط نظام صدّام حسين، أصدر صاغية كتابه "بعث العراق: سلطة صدّام قياماً وحطاماً"، الذي عرض حكاية حزب البعث في العراق منذ بداياته الأولى عام 1949 حتى سقوط النظام.

كما عرض تحليلاً لسياسات البعث ودوره في إحكام قبضته على الحكم في العراق وتأثيره "الكارثي" بحسب وصف صاغية، على حياة ملايين العراقيين.

"العراق أبعد من العراق في أسئلته وتحدياته، كما انطوت عليها قصة البعث- قصتنا جميعاً بمعنى من المعاني"، يكتب صاغية في مقدمة كتابه. حول هذا العراق، الأبعد من نفسه، يحلّ صاغية ضيفاً على "ارفع صوتك" في حوار موسّع، يتخلله قراءة نقدية لماضي العراق وحاضره، ومحاولة استشراف للتحديات المستقبلية التي تنتظره.

 

من أين حضر "الهمّ العراقي" إلى حازم صاغية، ولماذا يشغل حيزاً ليس بقليل من كتاباته؟

جاءني العراق من أمكنة كثيرة. أمّا المكان الأوّل فتلك القصص التي كانت تُروى في بيتنا عن قريب لنا، هو الكاتب الناصريّ اللاحق والراحل نديم البيطار. فهو سافر إلى العراق، ولم أكن قد وُلدت، طلباً للدراسة والعيش في ظلال الملك غازي بن فيصل الأوّل الذي شبّهتْه الخفّة والحماسة العربيّتان بغاريبالدي، وقيل إنّه سيوحّد "أمّتنا" على النحو الذي وُحّدت فيه إيطاليا.

فإبّان عهد غازي القصير وُصف العراق بأنّه "بيادمونت العرب"، من قبيل القياس على تلك الإمارة الشماليّة التي حكمها "بيت سافوي"، ومنها انطلقت حركة التحرير من النمسويّين تمهيداً للوحدة القوميّة الإيطاليّة. ويبدو أنّ نديم، الشابّ والقوميّ العربيّ المتحمّس، أصرّ بعد عودته على اعتمار "الفيصليّة" التي درج على لبسها حينذاك شبّان قوميّون عرب، وذلك وسط اندهاش أهل القرية ممّن لم يكونوا قد سمعوا بفيصل وغازي ولا لبسوا قبّعات من أيّ نوع.

كان لتلك المرويّات عن نديم ورحلته ممّا تداوله كثيراً أهل بيتنا، أن وسّعت مخيّلتي لبلد اسمه العراق يضجّ بصُورٍ ومعانٍ غائمة الدلالة إلاّ أنّها واضحة الوجهة، وما الوجهةُ تلك إلاّ العروبة ووحدة العرب التي يُحجّ إليهما هناك.

وبسبب علاقة بيتنا بالبعث، باتت أسماء نوري السعيد وعبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف أسماء بيتيّة: الأوّل شتمناه، والثاني والثالث أحببناهما قبل أن نكرههما. والمشاعر حيال العراقيّين مشاعر عراقيّةٌ، بمعنى أنّها قويّة وحادّة ومتقلّبة، تماماً كما المشاعر الرومنطيقيّة.

وبشيء من التعميم أسمح لنفسي بالقول إنّ العراقيّ أشدّ العرب رومنطيقيّةً، وهو ما نلمسه في قسوته ورقّته، وفي أغانيه وأشعاره، وفي تديّنه إذا تديّن وإلحاده متى ألحد. وهكذا، حين حصل انقلاب 14 تمّوز الجمهوريّ في 1958، شعرت بفرح في بيتنا مردّه إلى أنّ أصدقاء جمال عبد الناصر أطاحوا نوري السعيد، صديق كميل شمعون. وحين حصل انقلاب 14 رمضان 1963، وكان لي من العمر ما يتيح لفرحي أن يستقلّ عن فرح أهلي، أحسست أنّ العراق مصدرُ ثأرنا من الانفصال السوريّ وممّا اعتبرناه خيانة الشيوعيّين وقاسم للقوميّة والوحدة العربيّتين.

وجاء اهتمامي بالعراق من تعرّفي إلى عراقيّين كثيرين في بريطانيا، كان أوّلهم الصديق الراحل فالح عبد الرحمن، ولم يكن آخرهم الصديق كنعان مكيّة. ومن خلالهم  تحوّلت المعرفة بالعراق إلى أشباح وكوابيس تُروى عن حكم البعث وعن أفعال صدّام حسين – "السيّد النائب" ثمّ "السيّد الرئيس" ثمّ "السيّد الله".

ومن خلال تجارب سياسيّين وحزبيّين أتيح لي أن أعرفهم عن كثب، كالصديقين الراحلين هاني الفكيكي، وهو بعثيّ سابق، وعامر عبد الله، وهو شيوعيّ سابق، بتُّ أملك ما يشبه توثيق الفظاعات التي يرويها عراقيّون آخرون أقلّ ضلوعاً منهما في السياسة. فهنا يعثر السامع والناظر على تجارب شاملة تتعدّى السياسة والعقائد إلى آلام البشر الشخصيّة ومآسيهم.

والشمول المذكور مرآةٌ تعكس حقيقة نظام صدّام بوصفه أقرب نماذجنا العربيّة إلى التوتاليتاريّة. ففي ذاك اللامعقول بدا مشروعاً أن يسأل المرء نفسه (هل يوجد فعلاً هذا الكائن المدعو صدّام حسين أم أنّ الإرث الميثولوجيّ لما بين النهرين هو ما يحضّ العراقيّين على اختراعه كيما يؤسطروا حياتهم؟).

وجاءني العراق أيضاً من شعر كثير، تقاسمَ أبياته شعراء انجذبت إلى قصائدهم في هذه المرحلة من حياتي أو تلك، لكنّ المؤكّد أنّ أشدّهم أثراً كان بدر شاكر السيّاب الذي لا يزال الحبّ لعراقه ولجيكوره يلازمني حتّى اللحظة.

من أرشيف وكالة رويترز- عام 1998
"كيف تطعم الديكتاتور؟".. طباخ صدام حسين يتحدث
لحظات رعب انتهت بـ50 دينار عراقي (ما يعادل 150 دولاراً في حينه)، وصدام حسين الذي يضحك ويبكي ويحاول إثبات ألا شبيه له، وصدام "الأفضل في عائلة التكريتي"، وحساء اللصوص أو "شوربة الحرامية" التكريتية، وقصة سميرة التي تركت زوجها لأجل صدام، والرجل الذي ظل واقفاً حين هرب الجميع، وغير ذلك.

"بعث العراق" ربما يكون الكتاب الأكثر تخصصاً في تأريخ ظاهرة البعث العراقي، وقد خصصت كتاباً آخر للبعث السوري. ما الذي يمكن أن يتعلمه قارئ من جيل الألفية الجديدة حول هذا التاريخ؟

 ما يمكنني التحدّث عنه هو ما تعلّمته أنا، وهو أنّ البعث كان أقوى جسورنا في المشرق العربيّ الآسيويّ إلى الكارثة التي لا نزال نرزح تحتها، كما كان، عربيّاً، ثاني أقوى جسورنا إليها بعد الناصريّة.

لقد جمع البعث بين حداثة الحزب والعقيدة وقدامة القبيلة والخرافة، ما جعله يُطبق علينا من جهات كثيرة. لكن ما يرعبني أنّ الدور الفظيع للبعث، بوصفه الطرف الذي صادر تاريخ العراق وسوريا، وأفسد البلدين وألغى احتمالاتهما، لا يستوقف الكثيرين بوصفه هذا، بل في أحيان كثيرة لا يستوقف بعض معارضي البعث وضحاياه ممّن لا زالوا يرونه حركة تحرّر أخطأت الوسيلة لكنّها لم تخطىء الهدف، أو يرونه قاطرة لهيمنة طائفيّة يُردّ عليها بهيمنة طائفيّة معاكسة.

 

هل خرج العراق من تداعيات حزب البعث، أم لا يزال يعاني؟

هذه أنظمة تدمّر الماضي والحاضر والمستقبل بيد واحدة: الماضي بكتابتها للتاريخ، والحاضر بقمعها وقهرها السكّان المواطنين، والمستقبل بتفتيتها المجتمع وسدّها باب الاحتمالات.

بهذا المعنى، لا أظنّ أنّ العراق يخرج "من تداعيات البعث" إلاّ بمباشرة واحدٍ من اثنين: إمّا مراجعة وطنيّة راديكاليّة صارمة تطال القواسم المشتركة بين البعث وخصومه، لا سيّما الأطراف الراديكاليّة الشيعيّة الموالية لإيران، أو تطوير الفيدراليّة العراقيّة وإكسابها مزيداً من الصدقيّة والجديّة، بحيث تبدأ كلّ واحدة من الجماعات حياتها السياسيّة في مواجهة أبناء جلدتها من قامعيها ومُضطهِديها بعيداً من التذرّع بالآخر الطائفيّ والإثنيّ. والخياران، للأسف، ضعيفان جدّاً.

 

هل كان يمكن لنظام البعث أن يسقط من دون غزو عسكري أميركي؟ هل كانت هناك طرق أخرى لإسقاطه؟

لا أظنّ ذلك، بدليل أنّ ذاك النظام عاش ما بين 1968 و2003، وخاض خلال تلك المرحلة عديد الحروب ولم يسقط. لكنّ هذا الواقع، على ما فيه من مأسويّة، لا يكفي لتبرير مبدأ التدخّل لإسقاط النظام، ولا يكفي خصوصاً لتبرير الأخطاء والحماقات الهائلة التي رافقت ذاك التدخّل.

 

 هل كان خاطئاً قرار "اجتثاث حزب البعث" الذي أصدره الحاكم الأميركي بول بريمر بعد سقوط النظام؟ وكيف يجب على العراقيين التعامل مع التركة الثقيلة للحزب؟

يصعب على من يسمّي نفسه ديمقراطيّاً أن يوافق على سلوكٍ أو إجراء اسمه "اجتثاث"، وبالنظر إلى تاريخ الأحقاد الطائفيّة التي رسّخها نظام صدّام، لم يكن من الصعب توقّع انقلاب ذاك الاجتثاث اجتثاثاً للسنّيّة السياسيّة في العراق.

فليكن بعثيّاً من يؤمن بـ"الوحدة والحريّة والاشتراكيّة"، ولا تكون يداه ملوّثتين بالدم والفساد. أمّا الحياة السياسيّة نفسها فتستطيع أن تتولّى تنظيف نفسها بنفسها. غير أنّ مبدأ كهذا يبدو اليوم بعيداً جداً بسبب التعفّن الذي يضرب الحياة السياسيّة والوطنيّة والإدارة الإيرانيّة النشطة لهذا التعفّن.

"غلاف كتاب "قرن من الإفلاس من عام 1921 إلى اليوم
المؤرخ العراقي عادل بكوان: الميليشيات والفساد يهددان العراق
صدرت حديثاً عن دار "هاشيت أنطوان/ نوفل" النسخة المترجمة إلى العربية من كتاب المؤرخ وعالم الاجتماع العراقي-الفرنسي عادل بكوان. الكتاب صادر أساساً باللغة الفرنسية، وحمل بالعربية عنوان "العراق: قرن من الإفلاس من عام 1921 إلى اليوم"، وهو يوثق لمئة عام من تاريخ العراق الحديث. هنا حوار مع الكاتب.

 بعد أكثر من عشرين عاماً على سقوط البعث العراقي، لا يزال حضوره في الشارع العربي لافتاً، خصوصاً في الأردن ولبنان، حيث يمكن رؤية صور صدام حسين في كثير من الأماكن، كما أن "الترحم" على زمن صدام شائع على مواقع التواصل الاجتماعي. ما تفسيرك لهذه الظاهرة؟

لا أظنّ أنّ حضور البعث، كحزب وكأيديولوجيا هو الظاهرة اللافتة. اللافت أمران كثيراً ما يتقاطعان، أوّلهما شعور بالمظلوميّة السنيّة المحتقنة، وهو ما تتقاسمه الصداميّة مع الحركات الأصوليّة والراديكاليّة السنيّة على أنواعها. ومن هذه المظلوميّة تأتي فكرة التحدي ورد التحدي بوصفها "ديانة" أنتجها موت صدام وظروف إعدامه، بوصفه "مشروع حسين بن علي سني". وتزدهر نظرة كهذه على ضوء قراءة البعض مآسي سوريا ومآسي غزة بوصفها مآسي سنية لا يوجد طرف سني قويّ يرفعها عن كاهل السنّة.

أمّا الأمر الثاني فتلخّصه النتائج البائسة لتجربة العراق بعد تحريره من صدّام وحكمه، ما يرى البعض فيه سبباً وجيهاً للترحّم عليهما، إذ هل يُعقل احتمال كلّ تلك المآسي وبذل كلّ تلك الأكلاف للوصول إلى بلد على هذا النحو؟

 

يُعتبر العراق اليوم في أكثر فتراته السياسية ما بعد ٢٠٠٣ "استقراراً"، بعد سنوات من العنف والفوضى. ما التوازنات التي أرست هذا "الاستقرار" النسبي برأيك، وهل يمكن البناء عليه؟

لا أظنّ ذلك لأنّ هذا "الاستقرار" تعبير عن تجميد للحياة السياسيّة، وهو مقرون بجعل طهران مصدر التحكيم الأخير في الشأن الشيعيّ. أمّا عنصر الإزعاج الذي مثّلته انتفاضة أواخر 2019 فعُطّل بالقوّة، فيما المكوّنان الآخران، الكرديّ والعربيّ السنّي، يلزمان الحدود التي أملاها تقسيم العمل القائم.

 

تحضر في العراق أزمة إنتاج النخب السياسية السنية، في وقت يبدو أن التطرف والإرهاب يملآن، في أحيان كثيرة، الفراغ الذي يتركه غياب هذه النخب. ما سبب عدم قدرة العراق على إنتاج زعامة سنية منذ سقوط صدام، وهل الخيارات محدودة إلى هذه الدرجة؟

يشبه وضع السنية السياسيّة العراقيّة وضع المسيحية السياسية اللبنانية قبل خروج الأمن والجيش السوريين من لبنان سنة 2005، أي التهميش الذي يبتر العلاقة بالسياسة كما يبتر الحراك السياسيّ في داخل الجماعة المهمّشة.

وأظنّ، مع توسّع حالة المَيْلَشَة في العراق كما في عموم المشرق العربي، أن السياسة تغدو أقرب إلى الاستحالة، ولا يتسع المجال، إذا اتسع، إلاّ للمداخلات المتطرفة الإرهابية وشبه الإرهابية.

لقطة من الوثائقي
"مسرحة الرعب" لدى صدام حسين.. صناعة الديكتاتورية بأعواد المشانق
أثر هذه الاعدامات ترك صداه على أجيال عراقية لسنوات قادمة، اذا تكتب هاديا سعيد في كتابها "سنوات مع الخوف العراقي" أنها كانت تسمع كلمة الإعدام "تتكرر مع رشفة استكان الشاي ومجة السيجارة وأمام صواني الطعام وبين سطور ما نقرأ أو نكتب". وتتابع أن الخوف "التحم بالنبضة والنظرة"،

 تحل في العراق هذه الأيام الذكرى العاشرة على اجتياح داعش، والذكرى السابعة على تحرير مدينة الموصل. هنا تحضر إشكالية الأقليات ومصائرها، هل يمكن للعراق أن يتعافى ويستعيد تنوعه الإثني والطائفي. أم أن المسألة أبعد من داعش؟

كانت "داعش" تعبيراً مكثفاً وحاداً وشديد البدائية عن انسداد أبواب السياسة، وعن اتخاذ المنازعات شكلاً يجمع بين العنفية وتعدي الإطار الوطني. وواقع كهذا يُستأنف بأشكال ألطف، والجميع يدفعون أكلاف ذلك، لا سيما الأقليات الأضعف والأصغر، خصوصاً في ظل تماسك جماعة الأكثرية (الشيعيّة) وتسلحها وتواصلها المباشر مع إيران، فضلاً عن الوعي الطائفي النضالي لفصائلها.

 

في المسألة الكردية، كيف تقيم تجربة الحكم الذاتي وعلاقة أربيل بالحكومة الاتحادية في بغداد. وهل يشكل العنصر الاقتصادي مأزقاً لفكرة الاستقلال الكردي؟

هناك سياسة من التحايُل على الحقوق الفيدراليّة للكرد، والمالُ بعض أشكال هذا التحايُل الذي يستكمله الابتزاز الآيل إلى استضعاف الكرد عبر تعييرهم بعلاقاتهم مع الولايات المتّحدة واتّهامهم الذي لا يكلّ بعلاقات مع إسرائيل.

في الوقت ذاته، وهو مصدر لارتفاع أسهم التشاؤم، لم ينجح الكرد في بناء تجربة أرقى من تجارب العرب، تجربة تكون أقلّ قرابية واعتماداً على الرابط الدموي مع ما يتأدى عن ذلك من إضعاف للشفافيّة، أو أقدر على توحيدهم من السليمانيّة إلى أربيل في نموذج بديل واعد.

هذه حال مدعاة للأسى، لكن ليس لليأس، لظنّي أنها قابلة للإصلاح والاستدراك في زمن لا يطول كثيراً، أو أن هذا ما آمله وأرجوه.

 

كيف تقرأ الدور الإيراني في العراق؟ وهل ترى أن العراق يشكل جبهة جدية من جبهات محور الممانعة؟

لا نبالغ إذا قلنا إنّ الدور الإيرانيّ في العراق يعادل منع العراق من التشكّل. أما جرّه لأن يصير جبهة من جبهات الممانعة فجديته الأكبر تكمن في هذا الهدف بالضبط، أي في إبقائه بلداً متعثّراً ومتنازعاً داخلياً ومرتَهَناً لطهران، أمّا إذا كان المقصود بالجدية فعاليته العسكرية كجبهة ممانعة فهذا ما تحيط به شكوك كثيرة.

وفي هذا لا تُلام إيران بل يُلام العراقيّون الذين تسلّموا في 2003 بلداً كبيراً يملك شروط القوّة والغنى، فأهدوه إلى جيرانهم. وهي واقعة تنبّه مرة أخرى إلى مدى تغلّب الرابط المذهبيّ العابر للحدود في منطقة المشرق على الرابط الوطنيّ.

 

هل من دور تلعبه دول الخليج العربي في العراق لموازنة الحضور الإيراني؟

لا أعرف. أظن أنها، من خلال متابعة إعلامها وفي حدود ما هو متاح لها دبلوماسياً، تحاول ذلك.

العراق و5 قضايا عالقة منذ تحرير الموصل
لا تقتصر تركة التنظيم الإرهابي داخل العراق، على العبوات الناسفة والذخائر، بل تتجاوز ذلك إلى ملفات عالقة كثيرة، بينها ملف إعادة الإعمار وعودة النازحين وإنهاء محاكمة مقاتلي التنظيم، وحلّ معضلة مخيم "الهول" الذي يضم عائلات وأبناء وزوجات "داعش"، من دون أن ننسى خطر الخلايا النائمة للتنظيم التي لا تزال تشكّل تهديداً لأمن العراق والأمن العالمي.

بعد هجوم السابع من أكتوبر في إسرائيل، عاد إلى الواجهة الحديث عن الإخوان المسلمين في العراق، واتصالهم بالقضية الفلسطينية. هنا يحضرني سؤالان: الأول عن علاقة العراق بالقضية الفلسطينية وهل هي في صلب اهتمامات الشارع العراقي أم أنها مادة للاسثمار السياسي؟ والسؤال الثاني: هل ترى أن تجربة "الإخوان" ممكنة في عراق اليوم؟

بطبيعة الحال يتفاعل العراقيّون بقوّة، شأنهم شأن باقي المشارقة، مع القضية الفلسطينية. لكنني أظن، وفي البال تاريخ الحقبة الصدامية وما تلاها من أعمال ثأرية وعنصرية نزلت بفلسطينيي العراق، أنّ المسألة الطائفية هي التي تقرر اليوم هذا التفاعل، وهي التي توظفه بما يلائمها.

أليس من المريب أن البيئة التي هاجمت الفلسطينيّين في 2003 و2004 واتهمتهم بالصدامية كما أخذت على صدام إهداره أموال العراقيين على فلسطين والفلسطينيّين، هي التي تخوض اليوم معركة غزّة!؟ أمّا الإخوان المسلمون العراقيون فلا أملك اليوم ما يكفي من معلومات عن أحوالهم بما يتيح لي الرد على السؤال، لكنّني أظن أن فرصة لعب الإخوان دوراً أكبر متاحة وممكنة مبدئياً في ظل غياب قوى سياسية سنية منظمة وفي المناخات التي تطلقها حرب غزة ودور حركة حماس ذات الأصل الإخواني فيها.

إذا أجريتَ مراجعة نقدية لرؤيتك السياسية حول العراق، هل ترى أنك اخطأت في مكان ما؟ أين؟

بطبيعة الحال أخطأت كثيراً. فإذا كان المقصود أطوار الماضي، حين كنت متعاطفاً مع الناصرية والبعث ثم إبان ماركسيتي، فكلّ ما فعلته وقلته كان خطأ. وأمّا إذا كان القياس على وعيي الراهن، أي ما يعود إلى قرابة 45 عاماً إلى الوراء، فأظن أن الأخطاء لم تكن من نوع "إستراتيجيّ" إذا صحّ التعبير، بل طالت درجات الحماسة والاندفاع وسوء التقدير في بعض الأحيان.

 

برأيك هل يمكن للعراق أن يستقر ويأخذ سيادته الكاملة في ظل تجربة ديمقراطية رائدة، أم أن الأوان قد فات على ذلك؟

ليس هناك ما "يفوت" في ما أظن، لكن الحديث في المستقبل هو ما تعلمنا التجارب أن نتروى ونتردد كثيراً فيه. ما يمكن قوله إن تجارب كبرى فاتت وتعويضها يستلزم جهوداً جبارة لا يبدو لي أن ثمة ما يشير إليها أو يوحي بها راهناً.