ينص الدستور العراقي في المادة (92) على أن "المحكمة الاتحادية العليا هيئة قضائية مستقلة ماليا وإداريا. تتكون من عدد من القضاة وخبراء في الفقه الإسلامي وفقهاء القانون، يحدد عددهم وتنظم طريقة اختيارهم، وعمل المحكمة، بقانون يسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب".
وأنشئت المحكمة بالقانون رقم (30 لسنة 2005)، واستنادا إلى المادة (44) من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية، قرر مجلس الوزراء إنشاءها على أن يكون مقرها في بغداد وتمارس مهامها بشكل مستقل.
ويحدد الدستور في المادة (93) اختصاصات المحكمة الاتحادية بـ"الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة وتفسير نصوص الدستور، والفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية والقرارات والأنظمة والتعليمات والإجراءات الصادرة عن السلطة الاتحادية".
وتشمل اختصاصاتها أيضا الفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة الاتحادية، وحكومات الأقاليم والمحافظات والبلديات والإدارات المحلية، والفصل في المنازعات التي تحصل بين حكومات الأقاليم أو المحافظات، والفصل في الاتهامات الموجهة إلى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء، وينظم ذلك بقانون، إلى جانب المصادقة على نتائج الانتخابات.
لم يكن دور المحكمة الاتحادية بارزاً في السنوات الأولى، لكنها أسهمت في تغيير المشهد السياسي عام 2010، من خلال تفسيرها للكتلة الأكبر التي أناط الدستور العراق بها مهمة تشكيل الحكومة، على أنها الكتلة البرلمانية الأكبر التي تتشكل داخل البرلمان وليس الحائزة على المرتبة الأولى في الانتخابات.
ومنح هذا التفسير رئيس الوزراء العراقي الأسبق، نوري المالكي، ولاية ثانية رغم أن قائمته جاءت في المرتبة الثانية في الانتخابات.
قضايا جدلية
قرارات وأحكام المحكمة لم تلاق قبولاً وإجماعاً دائماً، حيث اعترضت طريقها العديد من القضايا الجدلية، التي أثارت الرأي العام، حتى أن البعض عدّها أداة لتصفية الحسابات السياسية.
ومن أبرز القرارات التي أثارت الجدل خلال العامين الماضيين حكم المحكمة برد الطعن، الذي قدمه الإطار التنسيقي في الانتخابات البرلمانية 2021 والمطالبة بإلغاء نتائجها، وقرار رد طعن في انتخاب هيئة رئاسة البرلمان، بالإضافة إلى الحكم الصادر في 15 فبراير 2022، ويقضي بعدم دستورية قانون النفط والغاز الصادر عن حكومة إقليم كردستان، وإلزام حكومة الإقليم بتسليم النفط إلى الحكومة الاتحادية.
أيضاً، الحكم الصادر بإلغاء كافة قرارات الحكومة العراقية الخاصة بتحويل الأموال الشهرية إلى إقليم كردستان، لغرض تمويل رواتب موظفي الإقليم. وهذا أثار أزمة بين الحكومتين الاتحادية والإقليم، خاصة أن الجانبين كانا يقتربان من التوصل لاتفاق حول المشاكل العالقة بينهما.
كما ردت المحكمة دعوى لحل البرلمان تقدم بها التيار الصدري في سبتمبر 2022، مشيرة إلى أن حل البرلمان ليس من اختصاصها. وأصدرت مؤخراً قرار إبعاد رئيس مجلس النواب السابق محمد الحلبوسي من رئاسة المجلس وإنهاء عضويته في 14 نوفمبر الحالي.
تعليقاً على ذلك، يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة "جيهان"، معتز النجم، إن "السياسة والضغوطات التي تمارسها الأحزاب في ظل غياب الأمن وفوضوية السلطة وانتشار السلاح، أدخلت القضاء في بعض الأحيان مرحلة مداهنة، لا سيما عند ذكر قضايا فساد كبرى تتعلق بكتل سياسية متنفذة".
"لذلك يمكن القول إن القضاء أصبح أداة بيد السلطة القابضة على السلاح المنتشر، الذي بدأ يفعّله بشكل كبير تجاه عدة قضايا"، يضيف النجم لـ"ارفع صوتك".
ويرى أن المحكمة الاتحادية كان من المفروض أن تكون "أكثر حديّة في صلاحياتها وقرارتها وتلتزم باختصاصها المحدد في الدستور"، معتبرا أن قضية الحلبوسي "خير دليل على ذلك، لأن المحكمة أصدرت قرارها بالأغلبية وليس بالإجماع".
يؤكد النجم "هذا دليل على أن هناك اجتهاداً والقاعدة القانونية تنص على أنه لا اجتهاد في مورد النص".
من جهته، يقول الناشط السياسي، حسين العبيدي، إن قرارات المحكمة الاتحادية "أضرت بكافة الأطراف، بالأخص بعد انتخابات 2021، سواء الإطار التنسيقي أو التيار الصدري أو الكُرد أو المكون السُنيّ".
ما يعني أن "قراراتها لم تستهدف مصلحة جهة معينة دون أخرى، وهذا دليل واضح على أن المحكمة الاتحادية تعمل وفق صلاحياتها القانونية والدستورية"، بحسب العبيدي.
في السياق، يقول الخبير في القانون الدستوري، وائل البياتي، إن المحكمة الاتحادية والقضاء الدستوري بشكل عام "دائما ما يشهدا تغييرا في توجهاتها وقراراتها مع تغيير هيئاتها".
ويوضح لـ"ارفع صوتك": "بعد تغيير كافة أعضاء المحكمة وإحالة القضاة السابقين على التقاعد وتشكيل هيئة قضائية جديدة، وجدنا أن هناك اختلافاً في منهج المحكمة الجديد وما يتعلق بتوجهات المحكمة السابقة، ما أدى إلى تباين القرارات التي أصدرتها المحكمة الحالية عن التوجهات السابقة، وتصدي المحكمة للعديد من القضايا والأمور والفصل بها، بينما كانت سابقاً تمتنع عن الفصل بها".
وفي مقارنة التجربة العراقية مع دول أخرى، يعتقد البياتي أن القضاء الدستوري "في كل دول العالم في العقدين الأولين من نشأته يكون دائما محل جدل، على اعتبار أنه سيكون تجربة مختلفة عن التطبيقات السابقة خلال وجود جهة معينة تقوم بالولاية على إرادة الجهات المنتخبة".
"بالتالي فإنه يحتاج للاستمرارية من أجل تقبل مثل هكذا قرارات، خصوصاً عندما تكون صادرة خلافا للمزاج العام، ويعود ذلك الى أن المحكمة مازالت بتشكيلة قضائية فقط، بينما الدستور ينص على أنها يجب أن تكون بتشكيلة قضائية من فقهاء مختصين في مجال القانون الدستوري وخبراء في الشريعة الإسلامية"، يتابع البياتي.
