يعيش ناصر جبار منذ عشر سنوات مع أولاده العشرة في حيّ سكني عشوائي يضم منازل خرسانية رمادية متواضعة في مدينة الناصرية في العراق.
يعيش ناصر جبار منذ عشر سنوات مع أولاده العشرة في حيّ سكني عشوائي يضم منازل خرسانية رمادية متواضعة في مدينة الناصرية في العراق.

يعيش ناصر جبار منذ عشر سنوات مع أولاده العشرة في حيّ سكني عشوائي يضم منازل خرسانية رمادية متواضعة، بعدما حمله الجفاف على مغادرة أرضه الزراعية، ليواجه بؤس حياة المدن.

ويروي الرجل الأربعيني الذي استقرّ في حيّ على أطراف مدينة الناصرية مركز محافظة ذي قار في جنوب العراق: "لقد خسرنا الأرض، لقد خسرنا المياه"، مضيفاً: "انظروا إلى حالتنا، لا عمل لدينا، لا شيء".

ويعكس الحيّ الذي يقطنه جبار الفقر المدقع الذي ينتظر عادةً النازحين بسبب التغير المناخي في وسط العراق وجنوبه، حينما يتركون قراهم وحياةً أمضوها في الزراعة.

بين مساكن بنتها العائلات بأيديها، تمتدّ الأزقة المتعرّجة والوعرة التي تنتشر فيها الحجارة والنفايات والأنقاض. وفي أرض خلاء محاطة بمنازل، تصب مجاري المياه المبتذلة فيما ترقد على مسافة قريبة بضعة بقرات في ظلّ جدار.

في قريته الكطيعة في ذي قار، كان جبار يزرع مع أشقائه أرضا تملكها العائلة مساحتها خمسة هكتارات،  شعيرا في الشتاء وخضارا في الصيف.

قاسم جبار، محاطا بأطفاله، في منزله على أطراف الناصرية، عاصمة محافظة ذي قار، في 25 سبتمبر 2023.

قاوم أربع سنوات قبل أن يترك حقله. وقام بحفر بئر مياه "انخفضت مياهها شيئاً فشيئاً". واحدةً تلو الأخرى، باع ماعزه الخمسين.

حينما وصل إلى المدينة، بدأ العمل في ورش البناء، ينقل قطع الطوب أو يمزج الاسمنت. لكن مشاكل في الظهر اضطرته إلى وقف العمل منذ ثلاث سنوات.

اليوم، يعمل نجلاه المراهقان البالغان 17 و18 عاماً بنقل بضائع إلى السوق بجرّ عربات، من أجل إعالة العائلة، ويكسبان أقل من أربعة 4 دولارات في اليوم.

 

بطالة

 

هذه القصة البائسة ليست جديدة في العراق الغني بالنفط.

فمع انحسار التساقطات، يعاني البلد جفافا للسنة الرابعة على التوالي. وتندّد السلطات العراقية بسدود تبنيها تركيا وإيران على نهري دجلة والفرات، تتسبب بانخفاض منسوب النهرين وروافدهما حينما يصلان إلى العراق، الأرض التي غذيانها لآلاف السنين.

تعتبر تركيا أن نهري دجلة والفرات نهران تركيان  وليس دوليين.
أزمة المياه العراقية التركية.. تاريخ طويل من المفاوضات والجفاف
ترى تركيا أن نهري دجلة والفرات نهران تركيان بناء على نظرية السيادة المطلقة. وعلى هذا الأساس، من حقها إقامة ما تشاء من مشاريع وتغييرات، بما في ذلك تغيير مجرى النهرين، حتى لو أضرت بمصالح العراق. فماذا تقول الحكومة العراقية؟

وبحسب المنظمة الدولية للهجرة، لغاية منتصف سبتمبر الماضي "ما زالت هناك 21798 عائلةً -أي 130788 شخصا- نازحين بسبب ظروف الجفاف في 12 محافظات" في وسط العراق وجنوبه.

وتوضح المنظمة أنّ 74% من النازحين بسبب المناخ يذهبون إلى المدن. أما أبرز المحافظات التي يطالها هذا النزوح فهي ذي قار وميسان والديوانية والمثنى.

ويتحدّث معاون محافظ ذي قار لشؤون التخطيط غسان الخفاجي عن "هجرة داخلية" سببها "الجفاف وعدم توفر كميات كافية من المياه".

ويضيف أنه خلال خمس سنوات بنيت "بحدود 3500 وحدة سكنية" في "محيط مدينة" الناصرية، نتيجة للنزوح من الأهوار وهي مساحات رطبة في جنوب العراق، صنّفتها  منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) في 2016، تراثا عالميا، وتعاني حالياً من الجفاف.

ويمثل ذلك وفق المسؤول "20 إلى 25 ألف" شخص، مضيفاً أن هذه الهجرة الداخلية شكّلت "ضغطاً على فرص العمل المتوفرة"، فيما "لدينا أصلاً عاطلون كثر عن العمل".

ويضيف المسؤول أن الشباب الوافدين المعتادين على العمل في زراعة الحقول وصيد السمك وتربية الماشية يتحولون إلى "أعمال يومية بسيطة كالبناء والنقل على عربات".

 

تهميش

 

في بلد أنهكته نزاعات وحروب استمرت لعقود، وحيث ينهش الفساد المؤسسات العامة، لا تبدو مراكز المدن أفضل حالاً من القرى. ويقول توماس ويلسون من منظمة المجلس النرويجي للاجئين، لوكالة فرانس برس، إن المدن "لديها أصلاً قدرة محدودةً على توفير الخدمات الأساسية لسكانها بسبب البنى التحتية المتهالكة ونقص التمويل".

ويضيف أن "النزوح من الأرياف إلى المدن هو عبء إضافي على البنى التحتية المتردّية".

ويدعو إلى "خطط لإدارة الموارد، وحوكمة فعّالة واستثمارات" في المناطق التي يأتي منها النازحون، ضمن "سياسة تهدف إلى التخفيف من الهجرة القسرية".

وفي العراق، الذي يبلغ عدد سكانه 43 مليون نسمة، يعيش شخص واحد من كل خمسة أشخاص في منطقة تعاني من نقص في المياه. ويشير تقرير للأمم المتحدة نشر في أبريل إلى خطر "الاضطرابات الاجتماعية" الناجمة عن العوامل المناخية.

ويشرح التقرير أن "الفرص الاقتصادية المحدودة المخصصة للشباب في المناطق الحضرية المكتظة، تزيد من خطر تفاقم الشعور بالتهميش والعزلة".

ويضيف أن "ذلك من شأنه تعزيز التوترات بين المجموعات المختلفة الإثنية والدينية وزيادة الأعباء على الدولة". 

انضمّ قاسم إلى شقيقه ناصر في الناصرية قبل ثلاث سنوات بسبب شح المياه أيضا.

ويقول قاسم البالغ من العمر 47 عاماً: "منذ تهجرنا، لا أعمل"، فيما خضع لعملية جراحية في الصدر لم تكن ممكنة من دون أموال متبرعين.

من بين أولاده العشرة، يرتاد اثنان فقط المدرسة، فهو لا يملك الموارد المالية ليعلّم الآخرين.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.
فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.

يبدو تنظيم داعش، عندما يتعلق الأمر بالتمويل والبحث عن مصادر دخل تنعش موارده المتدهورة، أشبه بكيان متمرس في عالم المافيا والجريمة المنظمة. الكثيرون، بمن فيهم أمراء كبار، انشقوا عنه حينما صدمتهم هذه الحقيقة. 

قيادة التنظيم نفسها تدرك جيدا أن تسليط الضوء على هذا الجانب من نشاطات التنظيم يقوض الصورة التي رسمها لنفسه أمام أتباعه وأنصاره. لذلك لم يتبنَّ يوما أي عملية قتل أو تخريب قام بها باسم جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية" رغم أن جزءا من جهوده، لا سيما في شرق سوريا، مكرس لهذا النشاط الشنيع.

 

الكلفة السلطانية

 

منذ خسارة التنظيم للمساحات الشاسعة التي كان يسيطر عليها في سوريا والعراق، وما نجم عن ذلك من فقدانه لما تدره عليه المعابر وحقول النفط من موارد مالية كبيرة، فَعّل التنظيم عددا من "الخطط الاقتصادية" البديلة كان من بينها جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية".

تعد " الكلفة السلطانية" نشاطا مدرا للدخل إلى جانب نشاطات أخرى ضمن "اقتصاد الحرب" تضخ في خزينة التنظيم أموالا طائلة، مثل التهريب، والاختطاف، وتجارة الآثار، والسطو على البنوك ومحلات الصرافة، واستحواذه على احتياطات العملة الصعبة والذهب في المدن التي اجتاحها، ونهب ممتلكات الطوائف الأخرى وغيرها.

تزامنت ثورة مواقع التواصل الاجتماعي مع الصعود السريع لتنظيم داعش عام 2013.
"داعش".. خلافة رقمية يطوقها مارد الذكاء الاصطناعي
الشركات التكنولوجية الكبيرة شرعت منذ 2017 في الاعتماد كليا على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لرصد وحذف المواد التي تروج للتطرف العنيف على منصاتها، بينما اقتصر دورها في السابق على تكميل جهود فرق بشرية يقع على عاتقها عبء هذه العملية برمتها.

لعدة سنوات ظل التنظيم يجمع " الكلفة السلطانية" لاسيما في مناطق الشرق السوري، حيث تنتشر حقول النفط، والمساحات الزراعية، وممرات التهريب، والمتاجر ومحلات الصرافة. لكنه لم يكن يتحدث عن ذلك لا في إعلامه الرسمي ولا الرديف، بل وتحاشى الاشارة إليها حتى في مراسلاته الداخلية، لأنه يدرك أن جدلا محموما سينتج عن ذلك، وسيحتاج إلى فتاوى دينية وجهود دعائية كبيرة لإقناع أتباعه بـ"وجاهة" أفعاله، وقد خرج أعضاء سابقون في التنظيم ونشروا على قنواتهم الرقمية "أن إرغام المسلمين غصبا وبحد السيف على إعطاء جزء من حلالِهم لثلة من المفسدين في الأرض هو عمل عدواني لا يقوم به إلا أهل البغي وقطاع الطرق".

 

ضريبة على رعايا الخليفة!

 

ينبغي التفريق هنا بين ما ينهبه التنظيم ممن يعتبرهم "كفارا ومرتدين" والذي يسميه ب"الفيء" و"الغنيمة" وبين ما يجبيه باسم "الكلفة السلطانية". فالكلفة السلطانية هي ضريبة يؤديها "المسلمون ورعايا الخليفة" بالقوة والإكراه، أي أن المستهدفين بها هم في عرف التنظيم من المسلمين الذين "لا تحل أموالهم ودماؤهم" ولا تدخل "الكلفة السلطانية" أيضا ضمن الزكاة الواجبة التي تتم جبايتها قسرا من المسلمين من طرف أمنيي التنظيم.

وبعد انكشاف أمر عمليات السطو والنهب هذه لم يجد التنظيم بدا من الحديث عنها في مراسلاته الداخلية، وانتداب أحد شرعييه لصياغة فتوى لتسويغها من الناحية الدينية.

صاغ أبو المعتصم القرشي، وهو أحد كوادر "المكتب الشرعي" لـ"ولاية الشام" فتوى مطولة في 12 صفحة، وحشد فيها مجموعة من النصوص الدينية والقواعد الأصولية التي اعتبرها "أدلة شرعية" على جواز نهب أموال المسلمين بالقوة والإكراه!.

عَرّف القرشي الكلفة السلطانية بأنها " الأموال التي يطلبها الإمام من الناس لأجل مصلحة شرعية". ولعجزه عن إيجاد نصوص قطعية من الكتاب والسنة لتبرير هذه "البدعة الداعشية"، فقد لجأ إلى القواعد الأصولية من قبيل" يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام" و" درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، و" تفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما"، و"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

يعني هذا ببساطة أن مصلحة استمرار عمليات التنظيم والحفاظ على قوته ومقدراته مقدمة على مصالح الناس الأخرى، وأن تواصل عمليات التنظيم باعتبارها "جهادا مقدسا"  إذا لم يتم إلا بالسطو على أموال الناس فيجب السطو عليها.

أكد القرشي في نص فتواه جواز استخدام العنف والقوة لجباية الأموال، قائلا: "لا شك أن المال عصب الجهاد، والإعداد لا يكون إلا به، فتحصيله وتوفيره واجب على الإمام ولو بالقوة والإكراه"، ومن امتنع عن أداء "الكلف السلطانية جاز للإمام أو من ينوب عنه أن يعزره بشكل يكون رادعا له ولغيره حتى يؤدي ما عليه من الحقوق المالية في هذا الشأن".

أما الفئات الاجتماعية المستهدفة بهذه الضريبة، فقد قدم أبو المعتصم سردا طويلا بأصحاب المهن والمحلات التجارية والأطباء والصرافين والفلاحين والمدارس والكليات وتجار الدجاج والبيض وتجار المواشي والمستشفيات. ولم يترك أي نشاط مدر للدخل إلا وأشار إليه ضمن الذين فرض عليهم دفع "الكلف السلطانية"، ولم يستثن سوى أصحاب البسْطات على الأرصفة.

أخطر ما في الفتوى هو أن الممتنع عن أداء ما يطلبه التنظيم من أموال سيكون مصيره القتل والحكم عليه بالردة، و" طريقة استخدام القوة تتفاوت حسب المعاندة والممانعة بين التهديد، والإتلاف لبعض المال، أو التعزير، أو التغريم المالي وحتى الجسدي، ثم القتل إذا استعان الممتنع بشوكة الكفار والمرتدين على المجاهدين فعندها يُطبق عليه حكم الردة" حسب تعبير أبي المعتصم القرشي.

 

معاناة الناس في شرق سوريا

 

في شرق سوريا، يتم استخلاص هذه الضريبة بعد توجيه رسائل تهديد بأرقام دولية عبر تطبيق واتساب إلى المعنيين، وتخييرهم بين دفع "السلطانية" أو مواجهة خلايا الاغتيال، بعد تخريب ممتلكاتهم وتقويض مشاريعهم التجارية والاستثمارية.

وحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد ارتفعت هذا العام نسبة تلك الضرائب إلى حد كبير جداً مقارنة بالسنوات الفائتة، حتى بلغت نحو 616 ألف دولار من تجار النفط والمستثمرين.

وحصل المرصد على إفادة من أحد العاملين في شركة مستثمرة في قطاع النفط في المنطقة الشرقية (دير الزور) تقول بأن الشركة رفضت دفع كامل المبلغ المطلوب منها تحت مسمى "الكلفة السلطانية"، والتي قدرها التنظيم بنصف مليون دولار أميركي، ودفعت بدلها 300 ألف دولار، لكن التنظيم هدد سائقي صهاريج المحروقات التي تعمل لصالح الشركة بالاستهداف إذا لم يتم دفع المبلغ كاملا في غضون أسابيع، ولم يعد لدى الشركة خيار آخر سوى تدبير ما تبقى من المبلغ.

مستثمر آخر في قطاع النفط توصل برسالة عبر تطبيق الواتساب من رقم دولي مفادها بأن عليه دفع "الكلفة السلطانية" البالغ قدرها 75 ألف دولار، وعدم إخبار أي جهة تابعة لقسد أو التحالف الدولي بذلك ووجهت له تهديدات في حال التبليغ أو عدم دفع المبلغ خلال أسبوع، وأن خلايا التنظيم ستقوم بزرع عبوة في سيارته أو حرق بئر النفط الذي يعود له.

ولفت المرصد إلى أن خلايا داعش في بادية ريف دير الزور الشرقي تفرض ضرائب تتراوح بين 1000 و3500 دولار، في مناطق ذيبان وحوايج ذيبان وجديد بكارة، على المستثمرين الذين يعملون على توريد المحروقات إلى "سادكوبى" التابعة للإدارة الذاتية في دير الزور.

يعمد التنظيم أيضا إلى حرق المحاصيل الزراعية التي تعود للفلاحين الذين رفضوا الرضوخ لابتزازه ودفع الأموال التي يطلبها منهم، ورمي القنابل اليدوية على منازل الأثرياء، وعيادات الأطباء، وقد هرب عدد من الأطباء من المنطقة الشرقية بعدما أثقل التنظيم كاهلهم بالضرائب و"المكوس"، ولا سيما وقد وضعهم في رأس قائمة أهدافه لأنهم -حسب اعتقاده- يجنون الأموال أكثر من غيرهم.