طمر العراق قبل خمس سنوات آخر ما تبقى من أسلحته الكيماوية ليطوي صفحة ترسانة مثيرة للجدل، استخدمها في "حرق" أبنائه من الجنود أو معارضيه شمال وجنوب البلاد، تماما كما فعل بأعدائه خلال حربه الطويلة مع إيران.
عملية الطمر تلك جرت أمام أعين الصحفيين ووثقتها كاميراتهم على مشارف محافظة صلاح الدين في منشاة أطلق عليها اسم "المثنى" التي كانت تحتوي على أطنان من حاويات تم تجميعها بعد انتهاء حرب الخليج الثانية تنفيذاً لقرارات مجلس الأمن من أجل إتلافها.
وهي الترسانة نفسها التي تباهى بامتلاكها الرئيس العراقي السابق صدام حسين في خطاب متلفز تلا تكريم مجموعة من قادة الجيش العراقي، تحدث فيه لأول مرة عن امتلاك العراق "السلاح الكيميائي المزدوج الذي لا يمتلك مثله سوى أميركا والاتحاد السوفياتي".
كان هذا قبيل اجتياح الكويت، نهاية 1990، وهبوب رياح "عاصفة الصحراء" في حرب الخليج الثانية.
في تلك التصريحات، يقول الخبير الاستراتيجي علاء النشوع لـ"ارفع صوتك"، لم يكن صدام "يفكر بالتبعات الدولية لأقواله، فقد كان تركيزه منصباً على النتائج الإقليمية فقط في محاولة لردع القوى المحيطة عن التدخل".
ويضيف: "بالنتيجة قصفت منشأة المثنى خلال ذلك العام".
بداية بطيئة
بحسب الوثائق العراقية المقدمة إلى لجنة الأمم المتحدة للرصد والتحقيق المكلفة بنزع أسلحة العراق، فإن الاهتمام العراقي بالأسلحة الكيماوية بدأ في ستينات القرن الماضي عبر إرسال عدد من الضباط إلى الدول المتقدمة للحصول على التدريب اللازم.
وفي السبعينات، تصاعد القلق العراقي من التهديدات الإيرانية والإسرائيلية. نتيجة لذلك، بدأ البلد في بناء مختبرات في منطقة الرشاد بالقرب من بغداد، إلا أن هذه الجهود باءت بالفشل. وبناء على ذلك، تم تأسيس مركز للدراسات تابع لوزارة التعليم العالي أطلق عليه اسم "الحسن ابن الهيثم" لإجراء الأبحاث الخاصة بالأسلحة الكيماوية.
حتى أواخر السبعينات، كانت المهمة تتعلق بالبحث في تركيب وإنتاج عوامل الأسلحة الكيماوية، ولم تحقق سوى نجاح محدود جداً في إنتاج كميات تقاس بالغرامات من الخردل والتابون والمبيدات الفوسفاتية فتقرر إغلاق المركز.
لم يبدأ الإنتاج الفعلي إلا بعد اندلاع الحرب العراقية الإيرانية العام 1980. فقد دفع الفشل في تحقيق نصر سريع، وزارة الدفاع العراقية إلى إطلاق برنامجها الاستراتيجي الشامل للأسلحة الكيماوية على نطاق صناعي.
وخلال أوائل الثمانينات، أدار العراق برنامج الأسلحة الكيماوية، والذي عرف بمشروع رقم 922، تحت اسم "المنشاة العامة لإنتاج مبيدات الآفات الزراعية" من أجل التمويه. وأصبح البرنامج من الأولويات القصوى لدى المؤسسة العامة للصناعات الفنية. وبموجب قرار صادر عن مجلس قيادة الثورة مُنحت المؤسسة سلطات استثنائية في تنفيذ البرنامج.
وفي العام 1985، تم إنشاء مركز البحوث الفنية في سلمان باك، جنوب بغداد، كبديل لمركز البحوث العلمية والفنية الذي أنشئ قبله باعتباره فرعاً معنياً بالبحث والتنمية لجهاز المخابرات والأمن. وأصبح البرنامج تحت الإشراف المباشر لحسين كامل (صهر صدام حسين الذي هرب في التسعينات إلى الأردن وهدد بإفشاء أسرار حول الأسلحة الكيماوية).
السرعة القصوى
يقول الخبير الاستراتيجي علاء النشوع إن الفترة القصيرة، خلال الثمانينات، التي تمكن العراق خلالها من إنتاج واستخدام الأسلحة الكيماوية، بعد فشل طويل طيلة السبعينات، تشي بأنه "إما حصل على آلات جاهزة للصناعة، أو حصل على مواد أولية من دول متقدمة بهدف استخدامها في المعارك" ضد إيران.
ويوضح النشوع أن سبب استخدام العراق للأسلحة الكيماوية "كان يتعلق باستخدام الجيش الإيراني طريقة الموجات البشرية في حربه على العراق. وهذا يعني أن الجيش العراقي كان يواجه أعداداً كبيرة لا قدرة له عليها". وعلى هذا الأساس، "استخدم الأسلحة التي نطلق عليها حربياً اسم الأسلحة الكتلوية، أي التي تواجه كتلاً بشرية كبيرة".
وبحسب المحلل الأمني العراقي عقيل الطائي، فإن "52 % من معدات العراق الدولية للأسلحة الكيميائية كانت من أصل ألماني، كما تم تسجيل وصول علماء وخبراء من ألمانيا إلى العراق مع مواد أولية تمكن العراق من خلالهم من البدء بصنع أسلحة كيميائية".
بالإضافة إلى ذلك، يقول الطائي، "اشترك في تجهيز منشأة المثنى مقاولون عراقيون وأجانب. وكان العمل يجري تحت عنوان مدني يتعلق بإنتاج المبيدات الحشرية والصيدلانية".
وكانت النتيجة هي بناء خمسة مختبرات بحثية كبيرة، ومبنى إداري، وثمانية مخابئ كبيرة تحت الأرض لتخزين الذخائر الكيماوية، بحسب وثائق مجلس الأمن.
حصاد الأرواح
يصعب استخدام الأسلحة الكيماوية على نطاق واسع في الحروب، إذ من الصعب التحكم فيها. "هناك حسابات كثيرة يجب أخذها بنظر الاعتبار منها اتجاه الريح، التي يمكن أن تتسبب بمقتل مطلق الأسلحة عند تغيير اتجاهها بشكل مفاجئ، كما لا يمكن استخدامها في حالات الهجوم بهدف احتلال منطقة معينة"، يقول الشيوع.
ويوضح الخبير الاستراتيجي أن طرق استخدام ونقل الجيش العراقي للأسلحة الكيماوية كانت متعددة. "واعتمدت على حشو ذخائر تقليدية (مدافع، قاذفات صواريخ، طائرات) لنشر العوامل الكيميائية".
وفي بعض الأحيان، يتابع الشيوع، "كان يتم توزيع براميل تحتوي أسلحة كيميائية في مناطق مختلفة، وحين تأتي موجة بشرية إيرانية يتم قصفها بالطائرات لتنفجر بعد انسحاب الجيش العراقي منها".
وفي معرض رده عن سؤال يتعلق بعدد المرات التي استخدم فيها العراق أسلحته الكيماوية، يقول النشوع إنه "لا أحد يمتلك المعلومات المحددة عن تلك العمليات، حتى الجيش العراقي نفسه. ولكن، كانت هناك حالات واضحة تم تسجيلها خلال حالات معينة منها معركة الحصاد الأكبر (يناير وفبراير 1987)، التي كانت نقطة تحول في الحرب، وحصل فيها قتال شرس وكانت من أكثر المعارك بعدد الضحايا من الجانبين".
يتطابق كلام النشوع مع ما ذهب إليه السياسي العراقي عبد الرزاق العيسي في كتابه "تحد وإنجاز: ملف الأسلحة الكيميائية في العراق" من أنه "لا يمكن معرفة العدد الكلي للضحايا الإيرانيين والعراقيين".
لكن بحسب العيسي يمكن "اعتماد ضحايا الأسلحة الكيميائية من الإيرانيين بالحوادث الرئيسية للفترة ما بين 1983 و1988"، حيث تم "استخدام كميات كبيرة من غازات الأعصاب كغاز السارين عام 1987 على مدينة خرمشهر (مدينة عربية في جنوب غرب إيران يطلق عليها عربيا اسم المحمرة) عن طريق صواريخ مزودة بأنظمة تمتاز بسرعة انفجارها وانتشار الغازات السامة بشكل كبير".
ويضيف العيسي أنه تم "تكرار القصف في يونيو 1987، حين قصفت مدينة ساردشت الإيرانية بغاز الخردل وأصيب أكثر من 4500 مواطن بإصابات خفيفة و5000 مواطن بإصابات متوسطة، وتوفي 30 مواطناً بعد الهجوم مباشرة".
أما استخدام العراق للأسلحة الكيماوية ضد مواطنيه، فيبدأه العيسي بقصف مدينة حلبجة الكردية في مارس 1988، والذي كان استمراراً لحملة الأنفال الواسعة التي قادها النظام آنذاك ضد أكراد العراق بعد اتهامهم بالتعاون مع إيران.
وبحسب العيسي، فإن المدينة "قصفت بالطائرات، واستخدم في القصف غازات الخردل والسارين والتابون". وكانت النتيجة "مقتل ما بين خمسة إلى ستة آلاف مواطن".
ويشير السياسي العراقي أيضا إلى استهداف "منطقة الأهوار والمناطق الحدودية في الوسط والجنوب ولأكثر من مرة في المدة (1983–1991) ولم توثق، ولا توجد إحصائيات دقيقة لعدد الضحايا نتيجة تعتيم النظام البائد وقسوته عليها وبمساعدة دول الجوار".
ويتابع: "الكثير من منتسبي الجيش العراقي طالتهم تأثيرات الأسلحة الكيميائية التي كانت تقذف على القطعات الإيرانية لتصل إليهم"، موضحا أن سبب ذلك هو "قرب القطعات من بعضها".
التدمير
بحسب وثائق مجلس الأمن أنتج العراق في الفترة بين 1981 و1991 ما يقرب من 3850 طناً مترياً من غاز الخردل والتابون والسارين وغاز الأعصاب. تمت تعبئة 3300 طن منها في 130 ألف قطعة سلاح، استخدم منها 101 ألف.
في العام 1991، صدر قرار مجلس الأمن 687 الخاص بتدمير الأسلحة الكيماوية العراقية ومرافق إنتاجها.
ويذكر العيسي في كتابه أن مجموعة التدمير الكيميائي التابعة للأمم المتحدة قامت في المدة بين عامي 1992 و1994 بتدمير جزء من ترسانة العراق الكيماوية بعد إنشاء محرقة لتدمير الخردل ووحدة التحلل المائي لتدمير عوامل الأعصاب.
وفي عام 1996، تم تدمير 30 ألف قطعة مختلفة (بحدود 480 ألف لتر من العوامل الكيماوية ومليوني لتر من السلائف). وقد تعرض ما تبقى من المنشأة للتفكيك من قبل لجان التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل بين عامي 1992 و1994، بحسب العيسي.
بعد العام 2003، انضم العراق إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية، ليلتزم بتدمير ما تبقى من الأسلحة والمرافق والمخازن والمواد والمعدات التي استخدمت في تصنيع الأسلحة الكيماوية العراقية.
وقد وضعت الحكومة العراقية بداية خطة لتصفية محتويات مخزنين من بقايا ملوثة من البرنامج الكيماوي السابق، واللذين تم إغلاقهما من قبل اللجنة الخاصة التابعة للأمم المتحدة عام 1994 دون أن يتم طمرهما، وخصص مبلغ 69 مليار دينار لإنجاز العمل. وفق ما ورد في كتاب العيسي.
وفي مارس 2018، صادقت منظمة حظر الأسلحة الكيماوية على اكتمال برنامج تدمير الأسلحة الكيماوية في العراق. وجرى طمر المخزن رقم 13 والمخزن رقم 41 أمام شاشات التلفزيون عبر ملء مستودع الموقع بخرسانة سائلة ذاتية التصلب لإغلاق أي منافذ محتملة لبقايا الأسلحة.
ومنذ ذلك الحين، قام فريق مكون من 26 عالماً ومهندساً بترشيح ومعالجة النفايات المتبقية تحت إشراف وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ليطوي العراق ملف أسلحته الكيماوية التي لم يسلم منها أبناؤه ولا أعداؤه.
