على مدى العقود الأربعة الماضية لم تتوقف تركيا عن إنشاء السدود على نهري دجلة والفرات، اللذين ينبعان من أراضيها قبل مرورهما بالعراق وسوريا. وبلغ عددها أكثر من 22 سداً و 19 محطة طاقة كهرومائية، ضمن مشروع "جنوب شرقي الأناضول الكبير- GAP" الذي أعلنته أنقرة سنة 1980.
ويعتبر سد "إليسو" الذي بدأ العمل بإنشائه سنة 2006 وافتتح في 2018، أكبر مشروع مائي في تركيا، وثالث أكبر مشروع من هذا النوع في العالم. وهو من السدود الإملائية الركامية، تصل مساحة بحيرته 300 كم٢، ويخزن أكثر من 11 مليار متر مكعب من المياه.
بحسب خبراء مختصين بالمياه والسدود، فإن وجود هذا السد، سيخفض من حصة العراق من مياه دجلة بنسبة 50% خلال السنوات القليلة المقبلة، مما يعني أن العراق سيفقد مساحة واسعة من أراضيه الزراعية، وبالنتيجة سيزيد من مساحات التصحر فيه.
يقول خبير الإستراتيجيات والسياسات المائية، عضو التدريس في جامعة دهوك، رمضان حمزة، إن "منظومة السدود التركية ومن ضمنها سدا إليسو والجزرة، منظومة خانقة للعراق".
ويوضح لـ"ارفع صوتك": أن "السدود التركية، خاصة التي أنشأت على نهر دجلة، ستؤدي في نهاية المطاف إلى انخفاض الإطلاقات المائية للنهر نحو 60 مترا مكعبا لكل ثانية كحد أعلى، وهذا قليل جدا، وسيؤثر على مستقبل العراق وعلى مستقبل سد الموصل".
ويصف حمزة الإجراءات التي اتخذها العراق خلال السنوات الماضية للحد من تأثيرات هذه السدود والمطالبة بحصصه المائية من تركيا أو إيران، بأنها "لم تتجاوز المجاملات".
ويبين أن "الإجراءات في مجال توقيع البروتوكولات بين العراق وتركيا بطيئة، وهناك تأخر في توقيعها. وقع الجانبان عام 2009 بروتوكولاً بشأن تحديد الإطار العام لضمان تقسيم المياه بين البلدين، وجُدد البروتوكول ووقِع عام 2014، وتمت المصادقة عليه من كلا البلدين في 2021، لكن حتى الآن لم يُطبق".
ويرى حمزة أن "حسم ملف المياه مع تركيا وإيران يتطلب اتفاقية ملزِمة للجانبين، تحتاج إلى حكومة عراقية جريئة وتمتلك إرادة سياسية.الوضع المائي للعراق قد يذهب إلى الأسوأ في العام المقبل".
وحتى عام 2002، وصل إجمالي عدد السدود في تركيا بحسب إحصائيات رسمية إلى 276 سدا في كافة أنحاء البلاد، لكن هذا العدد قفز خلال العقدين الماضيين إلى 930 سدا، تقع كبرياتها على نهري دجلة والفرات، حيث تتحكم تركيا جغرافياً بنحو 40% من مياه دجلة وقرابة %90 من مياه الفرات.
في أغسطس ٢٠٢٣، قال وزير الموارد المائية العراقي، عون ذياب، خلال مقابلة خاصة مع قناة "العراقية" شبه الرسمية، إن "وفداً فنياً عراقياً توجه في يونيو الماضي إلى تركيا والتقى مع فنيين أتراك، وكان هناك تفاهماً واضحاً وخطة لإطلاق كميات محددة".
الخطة، بحسب الوزير "دخول 370 مترا مكعبا بالثانية من سد إليسو إلى سد الموصل، و350 مترا مكعبا بالثانية من سد أتاتورك لنهر الفرات، تصل إلى الحدود السورية التركية، وتبدأ المباشرة بها مع بداية يوليو الماضي، لكن للأسف لم يطبق هذا الاتفاق".
تواصل مراسل "ارفع صوتك" مع المتحدث باسم وزارة الموارد المائية العراقية، حاتم حميد، لكنه اعتذر عن الإدلاء بأي شيء لأنه "ليس مخولاً بالتصريح حالياً"، وفق تعبيره.
وتزامنا مع استمرارها في ملء خزان سد "إليسو"، أعلنت أنقرة في أغسطس الماضي، عن موافقة وزارة البيئة والتخطيط العمراني والتغير المناخي التركية على إنشاء سد "الجزرة"، المعروف أيضا بـ"الجزيرة"، على نهر دجلة في محافظة شرناق جنوب شرق تركيا، قبل دخول دجلة الأراضي العراقية.
و"الجزرة" هو السد رقم 22 في مشروع "GAP"، ويبعد 35 كيلومترا عن الحدود العراقية، ويقع خلف سد "إليسو" بنحو 30 كيلومترا.
وفي 14 أغسطس الماضي، قال أرسلان تتار، النائب عن حزب العدالة والتنمية الحاكم، في تغريدة على صفحته في شبكة "X"، إن "مشروع سد الجزيرة ومشروع الطاقة الكهرومائية هو آخر مشروع على مجرى نهر دجلة قبل مغادرته بلادنا".
وأشار إلى أن "سد "الجزيرة يعيد تنظيم التدفقات المنطلقة عن طريق أخذ الطاقة من سد إليسو، وري إجمالي 76591 هكتارًا من الأراضي في سهول نصيبين والجزيرة وإديل، وتلبية متوسط احتياجات مياه الشرب السنوية في مقاطعتي الجزيرة وإديل البالغ 1.1 متر مكعب في الثانية، والحصول على الاستفادة من انخفاض منسوب نهر دجلة بعد إليسو".
من جهته، يعتبر خبير الموارد المائية، عادل المختار، "الجزرة" بأنه "السد القاتل للمياه في حوض نهر دجلة". وتساءل عن أسباب غياب ردة فعل الحكومة العراقية أمام الأضرار التي سيلحقها السد بالعراق.
ويقول لـ"ارفع صوتك": "في ظل وجود هذه السدود كان من المفروض على العراق التأقلم منذ سنوات معها ومع الوضع المائي، من خلال ترشيد استهلاك المياه وإعادة النظر بالسياسة الزراعية وزيادة الإنتاج الزراعي وتطوير المنظومات الزراعية".
"كل هذه الأمور يجب على العراق أن يبدأ بمناقشتها، لكن مع الأسف، فحتى الآن، نحن في طور الكلام، ولا توجد أفعال، وهي المشكلة الأساسية في الموضوع"، يتابع المختار.
وتضم هذه المنطقة مدن أور وأوروك وإريدو السومرية القديمة، التي أُنشئت في بلاد ما بين النهرين بين الألفيتين الرابعة والثالثة قبل
