صورة أرشيفية لفاضل المرسومي من صفحته الرسمية على فيسبوك
صورة أرشيفية لفاضل المرسومي من صفحته الرسمية على فيسبوك

وسط الشارع وفي وضح النهار، اغتال مسلحان يستقلان دراجة نارية، رجل الدين الشيعي المثير للجدل ومؤسس حزب "الداعي الرباني" فاضل المرسومي، المشارك في انتخابات مجالس المحافظات بقائمة تحمل اسم "وطنيون"، وله سبعة مرشحين في بغداد وديالى.

وقعت الحادثة بعد ظهر يوم أمس الخميس، في منطقة "التاجيات" بجانب الكرخ من بغداد. تداولت مواقع التواصل مقطعاً مصوراً بدا من خلال انعكاس على ما تبقى من زجاج السيارة، أن أحد رجال الأمن صوّر الفيديو، الذي ظهر فيه جثة المرسومي مضرجاً بالدماء.

ونعاه بيان للأمانة العامة لحزبه، قائلا إن "المرسومي طالته أيادي الغدر والخيانة والإرهاب، خلال توجهه إلى منطقة التاجيات شمالي بغداد صحبة سائقه ومرافقه".

وطالبت "الأجهزة الأمنية القيام بواجبها في القبض على الجناة وتسليمهم إلى القضاء لينالوا جزاءهم العادل".

ولم يتمكن كادر "ارفع صوتك" من الحصول على ردود أفعال حزب "الداعي" ومرشحيه لـ"انشغالهم بالجنازة".

يرى الخبير الأمني أحمد الشريفي، أن "اغتيال مؤسس حزب مشارك في الانتخابات وباسلوب ميسر وفي وضح النهار وأمام الرأي العام، رسالة تدل من جهة على أن الأحزاب الماضية باتجاه إحكام قبضتها على السلطة لا تقبل بشريك على مستوى الوطن".

ويقول لـ"ارفع صوتك"، إن "بعدين لاغتيال المرسومي، الأول، عملية تصفية سياسية تهدف إلى إسكات الأصوات المعارضة، والثاني، أمني يشير إلى أن الحكومة ومؤسساتها غير قادرة على إدارة العملية الانتخابية ضمن الأسس الديمقراطية عبر ضمان التداول السلمي للسلطة".

ويستبعد الشريفي وجود أسباب دينية للاغتيال، لأن المرسومي، على حد قوله "اتخذ مساراً دينياً خاصاً به، ولم يزاحم ضمن العناوين الحوزوية، فهو طرح رؤية تيار إسلامي يكون ذا مذهب سياسي أكثر مما هو ديني، وبدأ يعالج القضاسا على هذا الأساس، ويتخطى في بعض الأحيان القيم والعادات والتقاليد الدينية في العراق، ولم يكن يمتلك جناحاً مسلحاً".

يقول أحد اتباع المرسومي الذي فضل الاكتفاء بذكر اسمه الأول، جعفر، لـ"ارفع صوتك"، إنه "يتبع المرسومي منذ 13 عاماً، لأن أساس فكرته تعتمد على تحرير الإنسان من العبودية، وجعل فكره متحرراً وغير مقيد بالماضي والموروث، وجعل الحاضر هو أساس العيش مع كافة الأديان والأعراق تحت سيادة القانون".

ولم يتعرض المرسومي كما يقول جعفر "لتهديدات مباشرة، لكنه تعرض إلى تهديدات مبطنة من خلال رفض طرحه وفكره التحرري". ويضيف أن "قتلته، يريدون قتل الإنسانية والحرية".

 

مَن هو المرسومي؟

 

يُلقب المرسومي نفسه بـ"الإمام الرباني" ويتزعم حركة تتبنى التوطئة لظهور الإمام المهدي المنتظر (الإمام الثاني عشر لدى المسلمين الشيعة).

بدأت الحركة بالظهور أوائل تسعينيات القرن الماضي حين "بدأت الأشياء تتحدث إليه" كما قال في أحد لقاءاته، ما دفعه للتوجه إلى النجف للدراسة في الحوزة العلمية.

حصل ذلك بعد تخرجه من قسم اللغة العربية بجامعة بغداد وتدرجه في مهنة التدريس بمحافظة ديالى التي ولد فيها عام 1967 لأسرة بسيطة تعمل في الزراعة.

يتحدث المرسومي في لقاءاته العديدة عن تعرضه للاضطهاد والمراقبة من قبل نظام البعث في التسعينيات، ولتجنب الاحتكاك بقي في قريته ملتزماً بمسجد صغير بناه هو وأنصاره، حيث كان يلقي عليهم محاضراته وأفكاره حتى سقوط النظام عام 2003، و حينها، بدأ بالإعلان عن دعوته الفكرية.

واجه المرسومي كما تقول سيرته الذاتية المنشورة على موقع الحزب، معارضة شديدة من قبل الجماعات السياسية الطائفية "بسبب مشروعه الفكري الإصلاحي الذي رفض من خلاله الطائفية والاقتتال الداخلي، ليؤسس ومجموعة من أنصاره حزب الداعي عام 2008"، وهو العام ذاته الذي ألقي فيه القبض عليه مع مجموعة من أتباعه بسبب عدم امتثالهم لأوامر التوقف قرب نقطة تفتيش، ما أثار الشبهات حولهم.

وخلال تفتيش السيارة عُثر على منشورات "تزعزع الأمن والاستقرار" بحسب ما تناقلته وسائل إعلام محلية آنذاك، التي نقلت عن قائم مقام قضاء الخالص عدي الخدران، قوله، إن "المرسومي يتزعم تياراً غريباً، ويدعي بأنه الإمام الرباني، وأن العلم الإلهي انتقل إليه".

وتعرض المرسومي لاتهامات بتشويه صورة المرجعية فهو لا يقلد أيا من المراجع كما أنه لم يتدرج في الدراسة الحوزوية.

على الرغم من الاعتراضات الكثيرة التي جوبه بها المرسومي، إلا أن حركته توسعت بحسب الموقع الإلكتروني للحزب، وبدأت بفتح المكاتب في المحافظات العراقية التي يتواجد فيها أتباعه، معتمداً على التمويل الذاتي ورافضاً للتمويل الخارجي، كما شارك حزب "الداعي" في جميع الانتخابات البرلمانية دون تحقيق نتائج.

ويمتلك المرسومي عدة مؤسسات إعلامية وبحثية ونسوية لها نشاطات اجتماعية وسياسية تُنشر دورياً على مواقعها وصفحاتها.

وامتد نشاط المرسومي إلى لندن،  ففي يونيو الماضي، زار مؤسسة المعهد الملكي للشؤون الدولية والمعروفة باسم "تشاثام هاوس"، ولاقت هذه الزيارد انتقادات آنذاك.
 

جدل

 

أثار اغتيال المرسومي الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، ولوحظ تبادل اتهامات مباشرة وغير مباشرة تتعلق بالجهة المسؤولة عن عملية الاغتيال.

كتب الباحث في شؤون إيران والخليج العربي الدكتور سالم الدليمي، على موقع "إكس"، أن "المرسومي كان منبوذاً من طائفة كبيرة من المكون الشيعي، على اعتبار أنه أتى بمنهج منحرف لا يتماشى بالمطلق مع المرجعيات الكبيرة في العراق وإيران".

فيما أشار البعض إلى احتمال وجود أصابع إيرانية في عملية الاغتيال. قال جعفر الطيب على "إكس"، إن "جماعة الإمام الرباني تدعو لترك التقليد وعدم طاعة المراجع الدينية، وتصفها وسائل الإعلام الإيرانية عادة بالجماعة المحظورة".

وعلى نطاق واسع تداول البعض صورة عن إجابة لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر لاستفتاء من أحد اتباعه يسأله فيها عن حركة "الداعي الرباني"، وأجاب عنها باقتضاب "بسمه تعالى... كثرت في الآونة الأخيرة مثل هذه الادعاءات والمهازل... فاحذروها وقاطعوها".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

جانب من سوق الأنتيكات في العاصمة العراقية بغداد (خان المدلل)- ارفع صوتك
جانب من سوق الأنتيكات في العاصمة العراقية بغداد (خان المدلل)- ارفع صوتك

ما إن وقعت عينا الستينية أم أيمن على مدفأة "علاء الدين" النفطية في سوق الأنتيكات والتحف في خان المدلل، حتى عاد بها الحنين إلى طفولتها حين كانت تجلس في حضن والدتها عندما يشتد برد الشتاء في بغداد القديمة.

مدفأة "علاء الدين"

سألت بلهفة عن ثمن المدفأة ثم نادت صديقة كانت ترافقها، وبنبرة حنين قالت "تتذكرينها؟" قبل أن تروي حكايات عن والدتها التي غيبها الموت منذ عشرين عاماً، وكيف كانت مدفأة "علاء الدين" رفيقة لها في المطبخ والصالة وحتى في طقوس الاستحمام  خلال طفولتها.

خرجت أم أيمن من محل رضا الساري للأنتيكات دون أن تتمكن من شراء المدفأة. تقول وهي تخرج من المكان: "لم أتصور أن سعر المستعملة يمكن أن يكون أعلى  من الجديدة بكثير".

بائع الأنتيكات في خان المدلل رضا الساري

يتجاوز سعر المدفأة غير المستعملة من مدفأة "علاء الدين" الإنجليزية مليون دينار عراقي (نحو 750 دولاراً)، بحسب الساري.

يقول لـ"ارفع صوتك" إن سر هذه المدفأة "ارتباطها بوجدان العراقيين، فهي تذكر أجيال الخمسينات والستينات بأمهاتهم، حيث لم يخلُ أي بيت عراقي منها".

ولهذا السبب، "يتصرف الكثير من المتبضعين بعاطفة وحنين للماضي حين يتم عرض أنواع معينة من التحف والأنتيكات في خان المدلل، فهي تذكرنا بزمن كانت العلاقات الاجتماعية فيه أكثر عمقاً وألفة مما هي عليه اليوم"، يضيف الساري.

 

خان المدلل

يتألف خان المدلل من مبني على الطراز البغدادي القديم من طابقين على شكل غرف متقابلة مع حديقة واسعة في الوسط تحولت بمرور الوقت إلى ساحة لعرض البضائع والسلع المختلفة.

ويقع الخان الذي بني قبل أكثر من مئة عام في ساحة الميدان، التي كانت يوماً تمثل قلب بغداد النابض بالحياة والمحرك الرئيس للحياة الثقافية والسياسية.

صوت الغرامافون في إحدى زوايا المبنى يجذب الأذن لأسطوانة تصدح بأغنية لأم كلثوم  تعود إلى الثلاثينات، وبينما يجذب لمعان النحاس النظر تتدلى ثريات الكريستال من سقوف المحال لتعكس ألوان قوس قزح على الجدران.

يروي بائع الأنتيكات الستيني أبو محمد: "بُني الخان قبل أكثر من مائة عام مع بداية بناء الخانات في بغداد لاستقبال المسافرين من خارج العراق وبقية المحافظات، وكانت ملكيته تعود إلى عائلة المدلل التي اكتسب اسمه منها".

بمرور الوقت تحول إلى فندق ومسرح وملتقى ثقافي، وفي الثمانينيات تحولت ملكية الخان إلى أمانة بغداد التي رممته وحولته إلى سوق تجاري، ومع التسعينيات بسبب تراجع الإمكانات المادية إثر الحصار الاقتصادي، أصبح الخان والمنطقة المحيطة مكاناً لبيع وشراء الأثاث القديم حيث تأتي أغلب البضائع منذ ذلك الوقت وحتى الآن من البيوت البغدادية القديمة، بحسب أبو محمد، الذي يعمل في الخان منذ أربعين عاماً.

أما أكثر أيام الأسبوع في العمل فهي أيام الجمعة والسبت حيث يكتظ الخان بالرواد، بعضهم جزء من التقليد الأسبوعي لشارع المتنبي القريب حيث الندوات الثقافية والفنية.

وينقسم رواد خان المدلل، بحسب أبو محمد، إلى الشباب الذين يجذبهم رونق التحف والأنتيكات ولديهم شغف بالماضي، وإلى كبار السن والسائحين الذين يزورون بغداد حيث لعبت مواقع التواصل دوراً في تعريف الزوار من خارج العراق بالسوق وأكسبته شهرة، فصار مقصد الكثير من السياح لشراء مقتنيات وتحف خصوصاً أعمال النحاس العراقية القديمة المصنوعة يدوياً.

"الرشيد".. شارع يروي تاريخ بغداد الاجتماعي والسياسي والفني
متوازياً مع نهر دجلة، وبخط متعرج يمتد شارع الرشيد التراثي، ليحكي تاريخ العاصمة العراقية بغداد منذ أوج ازدهارها في العهد العباسي، وصولاً إلى آخر الولاة العثمانيين الذي شق الطريق لأهداف حربية، ليتحول إلى أيقونة الثورات وواحداً من أهم شوارع المدينة.

روّاد الخان

تأتي الشابة دعاء إلى شارع المتنبي لاقتناء ما تحتاجه من كتب فهي طالبة في كلية الهندسة بجامعة بغداد، وهي حريصة  على المرور بخان المدلل، تقول لـ"ارفع صوتك": "أنا مولعة بالإكسسوارات القديمة والحلي الفضية والأحجار التي يتم عرضها  في محال خان المدلل التي لا يوجد لها شبيه في أي مكان آخر".

على العكس منها، كان الشاب الثلاثيني خلدون وسام، يبحث عن مسدس قديم الطراز وللحظة علت الابتسامة وجهته حين لمح مسدساً شبيهاً بما يحاول اقتناءه، لكنه بعد تفحصه أعاده للبائع لوجود خلل في الزناد كان من شأنه تقليل قيمته.

بداية ولعه بالأنتيكات كما يوضح لـ "ارفع صوتك"، منذ سن السابعة حين بدأ بجمع الطوابع، ثم كبر وصار زبوناً دائماً في خان المدلل، إذ يهوى جمع الأسلحة القديمة.

ويشير خلدون إلى أن أهم مقتنياته التي يفتخر بها "مسدس من الحرب العالمية الأولى".

"أنا مولع بالأسلحة القديمة وتستهويني أسلحة الحرب العالمية الأولى كما أجمع نياشين الحقبة النازية وعملاتها".

ويعتقد أن الأنتيكات عكس كل ما هو استهلاكي، إذ تزيد قيمتها مع الزمن ولا تنقص، ولا يتوقف الطلب عليها أبداً.