صورة أرشيفية من مناطق الأهوار في جنوب العراق (فرانس برس، 1992)
صورة أرشيفية من مناطق الأهوار في جنوب العراق (فرانس برس، 1992)

عندما لاح الفجر للرحالة الإنجليزي ويلفريد ثيسيجر، وهو يقف على حافة الأهوار العراقية في فبراير عام 1951، لمح على سطح المياه ظلال أرض بعيدة، بدت له داكنة وخلفها أشعة الشمس، تساءل حينها باندهاش إن كان أمام جزيرة "حفيظ" الأسطورية.

تسمّر ثيسجر في مكانه بعض الوقت مترقباً، لتأتي الإجابة عن سؤاله حين علا قرص الشمس، ليتبين  أن ما رآه، ليس إلا حقل قصب كبير على ساحل الماء.

لم يكن وحده المشغول بحكاية "حفيظ"، إذ احتلت خيال كل من وطأت قدماه أراضي الأهوار الممتدة على مساحات واسعة جنوبي العراق. هناك حيث يعتاش السكان على تربية الجاموس وصيد السمك، ويتسامرون في الليل حول دِلال القهوة وأباريق الشاي، فيروي كل منهم قصصاً متوارثة من أساطير يصل عمرها آلاف السنين.

تلك القصص كانت وما زالت تسيل لعاب الباحثين عن الذهب والثروة، وتثير مخاوف سكان الأهوار الذين يتجنبون العبث مع التلال الأثرية؛ خشية "لعنة" العمى أو الجنون.

شكلّت المرويّات بحقائقها وخُرافاتها، التراث الشفوي المتناقل بين سكان الأهوار، والتقطها الرحالة والمستكشفون المهتمون بتاريخ المنطقة منذ أواخر القرن التاسع عشر، حتى سبعينيات القرن الماضي.

وحتى أواسط ثمانينيات القرن الماضي، كانت الأهوار تغطي قرابة 15 ألف كيلومتر مربع حول الجزء الجنوبي من نهري دجلة والفرات، لكنها انحسرت إلى عُشر هذه المساحة، نتيجة عوامل سياسية وبيئية واقتصادية عديدة.

 

ماذا تقول الأسطورة؟

 

كان هناك ثلاثة إخوة، "عكر" و"أبو شذر" و"حفيظ"، كلٌ يُدير مملكة غنية مزدهرة بالمعابد والبيوت المزخرفة، والحدائق العامرة ببساتين الفاكهة والنخيل، تحيطها أسوار لحمايتها من الفيضان. اهتموا  بممالكهم فصارت تسمى بـ"الجِنان" لشدة جمالها وخصبها.

كل ذلك، أصابهم بالغرور، فتجبرّوا وكفروا وخرجوا عن طاعة "الإله"، الذي أنزل غضبه عليهم، فخسف ممالكهم بالزلزال وأغرقهم بالمياه، هكذا تقول الأسطورة المتداولة على مجالس سمر الأهواريين، الذين توارثوها جيلاً بعد جيل.

مع مرور الزمن، أصبحت تلك الممالك ركاماً أثرياً يطلق عليه اسم "الأشن"، وأُنزل "الجن" و"الطناطل" لحراسة كنوزها. 

بعكس الكثير من الأساطير التي طواها الزمن، عاشت "حفيظ" لأجيال، خصوصاً أنها تربط الواقع بالخيال، في سرد يوحي بأن تلك الأحداث وقعت فعلاً. فمنطقتي "العكر" و"أبو شذر" موجودتان في الأهوار، وعثرت فيهما فرق التنقيب على لقى أثرية متنوعة وكثيرة.

أما منطقة "حفيظ"، فتقول المرويات إنها "أشن" أو "تل"، وربما "جزيرة" في عمق الأهوار الوسطى ما تزال موجودة حتى الآن، إلا أنها مخفية بالسحر عن عيون البشر، وتحتوي الكثير من الكنوز والأحجار الكريمة، وفيها أشجار مثمرة تحمل ما لذّ وطاب من الثمار، تحرسها مخلوقات مرعبة لها القدرة على الظهور بهيئة الإنسان أو أي مخلوق آخر.

تظهر منطقة "الأشن" أحيانا وتختفي أحياناً أخرى بحسب الأسطورة، ولا يمكن إيجادها بسهولة، وكلّ باحث عنها يضلّ طريقه رغم وجودها أمام عينيه، وكلما اقترب منها يجدها ابتعدت من جديد.

وتختلف تفاصيل سردية "حفيظ" من منطقة لأخرى داخل الأهوار، على الرغم من اشتراكها في النقاط الأساسية، فهناك رواية تقول إن حفيظ هو الملك في القصة، لكنه يتحوّل إلى "كبير الجن" الذي يحرس "كنز سليمان" في تلك البقعة التي نزل بها "غضب الله" وطوفانه.

 

جغرافية الأسطورة

 

تقع الممالك الثلاث المذكورة في الأسطورة ضمن الأهوار الوسطى جنوب شرقي العراق، وهي منطقة مشتركة بين المحافظات الثلاث: ميسان وذي قار والبصرة، تبلغ مساحتها 8000 كم²، ضمن قضاء المجر وناحيتي العدل والخير، التي تم تجفيفها بشكل شبه كامل.

أما "حفيظ" نفسها، فتقع ضمن محافظة ميسان في منطقة تحتوي على بقايا مدن غمرتها المياه يُعثر فيها بين الحين والآخر على لقى أثرية متنوعة وآثار طرق ممهدة تظهر كلما انحسرت المياه وتعود للاختفاء تحت مياه الفيضانات الموسمية، ما يشكل أحياناً إثباتاً لقصة الكنز المفقود بالنسبة للسكان والزوّار.

يعتقد حسين الطائي، الذي كان من سكان ميسان قبل أن يجبره الجفاف والبطالة على تركها والعمل في العاصمة بغداد، إن "تل حفيظ موجود بالفعل، لكن لا يمكن الوصول إليه إلا بشروط محددة، تنفذ جميعها دون ترك أي منها".

تتلخص الشروط كما يشرح الطائي لـ"ارفع صوتك"، بـ"عدم حمل أي معدن حتى لو كان جزءاً من الملابس، فحامل المعادن لن يتمكن من رؤية التل ولو كان شاخصاً أمامه. ويتم البحث في ساعات معينة عند الفجر أو خلال فترة غروب الشمس فقط، ويجب أن يكون الباحث قادراً على أن يذهب منفرداً دون اصطحاب أي شخص آخر معه، ولديه إمكانية التعامل مع الجن لأنهم سيرافقونه في رحلته، وربما يعمدون إلى ثنيه عن المضيّ قدماً".

يتابع: "حين تعثر على تل حفيظ، عليك الخروج منه خلال ساعتين فقط لأنك لو بقيت أكثر من ذلك لن تخرج منه أبداً ويتم حبسك في باطن الأرض".

 

حارس الكنز: "الطنطل"

 

يقول الرحالة البريطاني كافن يونغ، الذي زار الأهوار لفترات متقطعة من الخمسينيات حتى أواخر السبعينيات، في كتابه "العودة إلى الأهوار"، إن "هناك قصصاً كثيرة تُروى عن الطناطل حول مواقد الليل، فهي تحرس كنزا ملغزاً مدفوناً في جزيرة ما مخفية عن عيون الناس بفعل نوع من السحر".

تحرس الطناطل جزيرة كنز "حفيظ"، وهي مخلوقات خرافية ذات قدرات خارقة يمكنها أن تتسبب بالعاهات أو الإعاقات أو الجنون عند رؤيتها أو عند اصطدامها بالبشر.

بعض "الطناطل" أليفة وقادرة على بناء علاقات مع البشر، إذا ما قدموا لها خبز الأرز المشوي دون ملح أو "ماصخ" كما يُسمى باللهجة العراقية. ومن ضمن ما يروى أيضاً، أنها رغم قوتها الخارقة، تفرّ ما أن يُشهر بوجهها أي شيء مصنوع من الحديد.

ويتناقل سكان الهور قصة بلا تاريخ محدد فلا أحد يعرف مع من حصلت أو في أي قرية، تتحدث عن واحد من سكنة الأهوار وجد قطعة من الذهب على الأرض في منطقة قريبة من حفيظ، فأخذها وعاد إلى قاربه، إلا إنه لم يتمكن من تحريكه سنتمتراً واحداً وبدا له كأن قوة خفيّة تثبت القارب في مكانه.

بعد محاولات فاشلة عديدة لاكتشاف العلّة، تذكر قطعة الذهب التي وجدها على الأرض، فقام برميها في الماء ليتحرك القارب من جديد بعد لحظات.

يُروى أيضاً، أن صياداً ضلّ طريقه ذات مرة في متاهات القصب، حتى وجد نفسه فجأة في جزيرة ذات أشجار مثمرة ونخيل وتحتوي على الكثير من الكنوز الملقاة على الأرض. ففرح وملأ قاربه منها، إلا أن الزورق ثبت في مكانه ولم يتحرك حتى أعاد كل ما أخذه من المجوهرات.

حين وصل إلى منزله أبلغ أهالي القرية بما حصل معه فخرج معه عشرات الرجال في زوارقهم طمعاً في الكنوز الملقاة على الأرض، وما إن لاحت لهم الجزيرة المسحورة من بعيد، حتى أشار الرجل بيده إلى المكان ففقد البصر على الفور.

ارتعب الرجال الذين كانوا معه في الزوارق وقرروا العودة إلى قريتهم، وعند وصولهم مات الرجل وبقي مكان الجزيرة مخفياً حتى اليوم.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

مجلس القضاء الأعلى في العراق
مجلس القضاء الأعلى في العراق- أرشيفية

"يحق لكل محافظة أو أكثر تكوين إقليم بناء على طلب بالاستفتاء عليه"، بحسب نص المادة ١١٩ من الدستور العراقي، الذي صادق عليه العراقيون في استفتاء شعبي عام 2005. لكن رئيس مجلس القضاء الأعلى، فائق زيدان، قال خلال استقباله الإدارة الجديدة لمحافظة الأنبار في 18 فبراير الحالي إن "فكرة إنشاء أقاليم أخرى مرفوضة".

وقال زيدان إنه يدعم إدارة محافظة الأنبار في الوقوف ضد أي أفكار "تهدد وحدة وسلامة أمن العراق"، معتبرا أن الواقع الجغرافي والقومي لإقليم كردستان موجود قبل نفاذ دستور جمهورية العراق سنة 2005 وتحديداً سنة 1991 إثر غزو الكويت.

وفي بيان صادر عن مجلس القضاء الأعلى، أضاف زيدان أن "الدستور تضمن الأحكام الخاصة بتنظيم الأقاليم، إلا أن ظروف صياغة الدستور  تغيرت الآن ومعظم من كانت لديه القناعة بهذه الأحكام مقتنع الآن بضرورة تغييرها قدر تعلق الأمر ببقية المحافظات عدا إقليم كردستان".

من جهته، يعتبر الناشط السياسي، برهان النجرس، وهو من دعاة تشكيل إقليم الأنبار، تصريحات زيدان بمثابة "خطوة لإنهاء النظام الفيدرالي في البلاد والعودة إلى المركزية".

ويقول لـ"ارفع صوتك" إن الأنبار لن تتنازل عن حقها الدستوري والقانوني بتشكيل إقليم فيدرالي.

ويضيف: "في الأيام المقبلة سنمارس ضغطاً جماهيرياً على مجلس المحافظة من أجل المضيّ بالفدرالية، لكن في حال عدم مضيّ مجلس المحافظة سوف تكون هناك تظاهرات سلمية".

ووفق الدستور العراقي، يحق لأي محافظة التقدم بإنشاء إقليم عبر طريقتين: طلب من ثلث الأعضاء في كل مجلس من مجالس المحافظات التي تروم تكوين الإقليم أو طلب من عُشر الناخبين في كل محافظة من المحافظات الساعية لتشكيل إقليم.

وتعتبر محافظة البصرة من أولى المحافظات العراقية التي تطالب منذ سنوات بإنشاء إقليم البصرة، وقدم البصريون عام 2015 طلباً للمفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق، لإجراء استفتاء عام كخطوة أولى لتأسيس الإقليم، لكن الطلب لم يلق استجابة من قبل الحكومة الاتحادية في بغداد، بينما لا يزال سكان المحافظة متمسكين بمطلبهم.

في السياق نفسه، ترى الناشطة المدنية زهراء حاتم الخفاجي، وهي عضوة منظمة "بصرياثا للثقافة الاتحادية"، أن تصريحات زيدان "لن تؤثر على مطالبات البصريين بإنشاء إقليمهم الفيدرالي".

وتضيف لـ"ارفع صوتك": "الآن أصبحت لدينا أحزاب تطالب بالفيدرالية، ومجرد وقت ستصل هذه الأحزاب لمجلس المحافظة وتصوت للإقليم".

وتتوقع الخفاجي أن تؤثر تصريحات زيدان على منصبه، باعتباره رئيسا للمجلس الأعلى للقضاء، وقد "يتم انتخاب رئيس جديد لمجلس القضاء بدلا منه من أجل حماية الدستور"، على حد قولها.

وطالما كان مطلب إنشاء الأقاليم الفيدرالية حاضرا في غالبية الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها عدد من المحافظات خلال السنوات الماضية، لكن الاستجابة لهذه المطالب أجلت خلال السنوات الماضية من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة لأسباب منها الحرب ضد داعش والأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد منذ سنوات. 

يشرح المحلل السياسي رمضان البدران أن "الأقاليم تعني إعادة بناء نظام الإدارة وإعادة نظام توزيع المال والحقوق والتصرفات، وهذا كله مهم جدا في إعادة بناء الدولة العراقية، الدولة التي تعثرت بسبب المركزية والشمولية لمدة قرن كامل، وقد آن الأوان أن يُعاد النظر في أسلوب إدارتها وأسلوب حكمها".

ويستبعد أن تمضي المحكمة الاتحادية في تبني أو قبول أي مشروع له علاقة بإلغاء أحقية المحافظات في إنشاء أقاليم، وإن حدث ذلك، يعني أن "العراق سيكون في مشكلة حقيقية والدستور في مشكلة حقيقية، وستدخل الدولة العراقية مرحلة اللاهوية لنضالها السياسي ونظامها الإداري والاقتصادي"، وفق تعبيره.

بالنسبة للبدران، فإن الأقاليم تحصيل حاصل، وما المحافظات سوى "حالة مؤقتة لن يُبقي عليها العراق مستقبلاً".