"لغة الخطاب (الدعاية الانتخابية) في انتخابات مجالس المحافظات اختلفت كثيراً عن السابق، إذ تحولت من الجانب القومي والطائفي إلى الجانب العشائري والمناطقي"، يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأنبار العراقية، محمد دحام.
ويبيّن ، لـ "ارفع صوتك": "بدلاً من الاعتماد على المنافسة نرى اعتماداً على التسقيط والتشهير، حتى بات الخطاب غوغائياً شعبوياً. بعض الجهات استخدمت ألفاظاً نابية ولغة تخوين لتحفيز بعض العشائر على المشاركة بشكل أكبر".
مشكلة هذا الخطاب، بحسب دحام، أنه "لا يبني قضية وطنية أو يقدم خدمة عامة، إنما يكرس لغة الصراع العشائري والمناطقي"، مؤكداً أن ذلك "مرفوض"، لأنه سيؤثر سلباً على العملية الانتخابية والنتائج التي ستفضي إليها.
وكان التصويت لانتخابات المجالس المحلية، بدأ اليوم السبت، عبر التصويت الخاص، الذي يتضمن مشاركة الناخبين من القوات الأمنية والنازحين في المخيمات.
وستفتح مراكز الاقتراع أبوابها للتصويت العام أمام بقية المواطنين، الاثنين المقبل، حيث يختار الناخبون مرشحيهم من بين 6 آلاف مرشح، للفوز بـ275 مقعداً، منها 75 مخصصة لكوتا النساء، وعشرة مقاعد للمكونات: 4 للمسيحيين و2 للكرد الفيلية والصابئة المندائيين، ومقعد واحد لكل من الأيزيديين والشبك.
ويحق لقرابة 23 مليون عراقي التصويت لانتخابات المجالس المحلية هذا العام، التي تقام لأول مرة منذ سنة 2013، وهي الثالثة بعد سقوط النظام البعثي سنة 2003.
"مباريات كرة قدم"
يرى دحام، أن "أغلب الطبقة السياسية الحالية تدرك أن نسبة المشاركة ستكون متدنية بسبب الإحباط الذي يعيشه المواطن. لذلك، تم استخدام لغة خطاب يعتقدون أنها قادرة على جذب الناخب للمشاركة".
"بالتالي، أصبحت التجمعات الانتخابية تشبه مباريات الفرق الشعبية بكرة القدم، وليس تجمعات انتخابية للتعريف بالبرامج الانتخابية لأحزاب تطمح إلى تقديم خدمة عامة للمواطنين".
ويحذر دحام من أن هذا الأسلوب في التنافس الانتخابي "إذا لم يتم تداركه فسيؤثر سلباً على حجم المشاركة في الانتخابات، وعلى اللحمة الاجتماعية والنسيج الاجتماعي العراقي".
من جهته، يقول المحلل السياسي أحمد الشريفي، إن الخطاب الانتخابي "اختلف كثيراً في الدورة الانتخابية الجديدة لمجالس المحافظات عن الانتخابات السابقة التي كان يستخدم فيها البعد الطائفي والديني بشكل أساسي، حيث تحوّل إلى البعد الوطني والبناء وتقديم الخدمات، بهدف جذب الناخبين".
لكن احتمال جذبهم "بعيد"، يضيف الشريفي لـ"ارفع صوتك"، مبيناً أن "التجربة القاسية التي مر بها الشعب العراقي، شكلت لديه نقمة جماهيرية غير مسبوقة ضد الطبقة السياسية، بدت واضحة من خلال تمزيق صور المرشحين التي نراها في الشوارع، أو دعوات المقاطعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي".
"كما أن هناك فرقاً بين الخطاب الإعلامي للمرشحين وما يراه المواطن متحققاً على أرض الواقع. فالمشروع الذي جاء بالأحزاب الحاكمة في الأصل كان طائفياً، بينما يتحدثون اليوم عن بناء وإعمار العراق، في حين أن الكل يدرك أن المال والمشاريع مرهونة بأيدي الأحزاب والمليشيات، أي أن جدوى الخطاب غير متحققة"، يتابع الشريفي.
ويضرب مثالا على ذلك: "يرفع الكثير من المرشحين شعار الاستقلالية، إلا أنهم أجزاء من تحالفات أو مدعومون من أحزاب. هم يعلنون الاستقلالية لكنهم بالباطن أذرع للأحزاب والحركات التقليدية، فلا الاستقلال متحقق ولا الخطاب الوطني كذلك".
"برامج مكررة"
في السياق ذاته، يقول الصحافي والناشط السياسي محمد الجابري، لـ "ارفع صوتك"، إن "الخطاب الانتخابي غير مقنع بالنسبة للمواطن؛ لأنه يطرح برامج مكررة بعضها يتعلق بتقديم الخدمات أو تنفيذ المشاريع".
هذه الوعود التي تتضمنها البرامج الانتخابية "بالأساس خدمات تقدم من قبل الحكومة المحلية ودوائر الدولة المختلفة. لكن، البعض يحاول استغلال مشاعر المواطنين عبر نقص الخدمات المزمن الذي يعاني منه"، بحسب الجابري.
يشرح: "يتعارض هذا التوجه لدى الكتل السياسية مع مطالب الشارع العراقي واهتماماته. فالطبقات المسحوقة اهتماماتها مختلفة تماماً وتتعلق بقضايا رفع مستوى المعيشة وتحسين رواتب الموظفين والمتقاعدين والرعاية الاجتماعية وتوفير فرص العمل للشباب العاطل".
ويلفت الجابري إلى أن الخطاب الانتخابي في البصرة، حيث يعيش، يسعى لجذب الناخبين عن طريق "التسقيط السياسي واستخدام العشائرية".
يتابع: "يتمثل التسقيط السياسي بالبحث في الملفات القديمة للمنافسين بحجة أن الجهات الأخرى غير قادرة على تولي ملف الإعمار والبناء، وأن الحزب أو الكتلة التي ينتمون إليها وحدها قادرة على تولي ملف الخدمات".
فيما يتمثل الخطاب العشائري، كما يقول الجابري، بـ"استغلال القيم الاجتماعية التي تركز على إسناد المنتمين للعشيرة في الانتخابات مستخدمين ألفاظاً تحفيزية".
ويؤكد أن هذه العملية بكل معانيها "غير صحيحة وستنعكس سلبياً على المواطن، لأنها ستنتج طبقة سياسية غير قادرة على بناء دولة، فالأسس التي تم انتخاب أعضاء مجالس المحافظات بموجبها غير صحيحة".
