تركز القِوى السياسية العراقية بشكل كبير على العاصمة بغداد في الانتخابات التشريعية والمحلية، وتشتد المنافسة في المناطق المختلطة التي يقطنها السُنة والشيعة.
تنقسم العاصمة العراقية إلى قسمين، هما الكرخ والرصافة، وتنشط القِوى السُنية في جانب الكرخ بشكل كبير، والشيعية في الرصافة، لكنها ذات نفوذ أيضاً في جانب الكرخ.
الأحياء المختلطة بين المذهبين الشيعي والسني، لا تكاد تتجاوز نسبتها 20% من أحياء العاصمة، التي تضم معظم أحيائها غالبية خالصة إما شيعية وإما سنية من دون اختلاط يذكر.
فكيف هي أجواء الإنتخابات في هذه الأحياء المختلطة، وهل تلعب دوراً في ترجيح الكفة لمرشح على حساب آخر؟
يشرح الناشط المدني أيوب الحسن لـ"ارفع صوتك" تركيبة هذه الأحياء وطبيعة مكوّناتها السياسية، فيقول إنها "تميل دائما نحو المرشح الأقوى، ويكون فيها عنصر المنافسة أقوى مما هو عليه في المناطق السنية أو الشيعية الخالصة".
يتابع الحسن: "بشكل عام، المنافسة بين مرشحي العاصمة بغداد كانت حادة جداً، بسبب كثرة أعدادهم مقارنة بالمحافظات الأخرى"، مشيراً إلى أنه وبرغم الاختلاط بين مكوناتها الا أن هذه الأحياء لم تشهد خلال الحملة الانتخابية ويوم التصويت أية اضطرابات أمنية أو أعمال عنف أو تخريب.
تاريخ من الصراعات الطائفية
خلال السنوات التي أعقبت تغيير النظام السياسي في البلاد عام 2003 وأثناء موجات العنف الطائفي التي شهدها العراق في العام 2006، شكلت الأحياء المختلطة من بغداد بؤرا للصراع الطائفي والتغيير الديمغرافي مارسته القوى المتصارعة فيما بينها. لكن هذا الصراع لم يعد موجوداً الآن خاصة خلال الأعوام القليلة الماضية، رغم أن غالبية الأطراف السياسية، خصوصاً التقليدية منها، مازالت متمسكة بانتماءاتها الطائفية وتضغط كل واحدة منها على أتباعها في الأحياء المختلطة من أجل دعم مرشحيها وفرض هويتها على المنطقة.
ويعتبر الخبير القانوني وائل البياتي، أستاذ القانون الدستوري في جامعة المستنصرية في بغداد، التنافس السياسي بين القوائم الانتخابية مختلفاً في الأحياء المختلطة من بغداد عن الاحياء التي تكون مغلقة على طائفة أو مذهب معين.
ويوضح البياتي لـ"ارفع صوتك"، أن التنافس السياسي "يخضع أحيانا لأساليب التذكير باحتماليات عودة العنف الطائفي وبالتالي ترغيب المنتمين طائفياً أو القريبين طائفياً إلى هذه القوائم باعتبارها ضامنة لوجودهم في هذه المناطق".
ويؤكد البياتي أن الطبيعة الديمغرافية للأحياء المختلطة تلعب دوراً أساسياً في عملية الترجيح خلال الانتخابات، باعتبار أنها إذا ما شهدت مشاركة كبيرة على غير العادة، فإن هذا التصويت سيصب في مصلحة الجهات والقوائم التي تصوت لها، باعتبار أن الأحياء المغلقة في الغالب يكون التصويت فيها لصالح قوائم محددة حسب الانتماء الطائفي.
ويضيف: "إذا ما شهدنا نسبة تصويت أكثر من المتوقع في هذه المناطق، فإنها ستكون لها الدور الأساسي في ترجيح توافر الأغلبية لدى مجلس المحافظة".
وتعتبر انتخابات مجالس المحافظات التي شهدتها العراق، الاثنين، الأولى منذ آخر انتخابات مجالس محافظات نظمتها البلاد قبل 10 سنوات، لكن تختلف عن السابقة في كونها تجرى في غياب التيار الصدري الذي أعلن مقاطعته لها.
لذلك ستكون الخارطة السياسية أمام تغيير في المشهد، فالصدر الذي كان مسيطراً على عدد من مجالس محافظات الجنوب، ويحظى بنفوذ كبير فيها وفي مجلس محافظة بغداد، أصبح تياره غائباً اليوم. في المقابل ينتظر الشارع العراقي دخول التيارات المدنية والأحزاب الناشئة المنبثقة من احتجاجات تشرين إلى هذه المجالس.
تأثيرات خارجية؟
يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة "نولج" في أربيل معتز النجم أن المناطق والأحياء المختلطة تشكّل عقدة أمنية وسياسية للحكومة. بالتالي يكون التعامل معها بحذر جداً ولا سيّما في ظل وجود تدخّل خارجي.
ويرفض النجم التكهن بمخرجات الانتخابات في الأحياء المختلطة، مضيفاً أن هذا لا يحدث إلا في حالة الاستقرار الأمني الذي يفرض التمتع بالحرية في الاختيار، مبيناً أنه "في ظل عدم الاستقرار، السطوة تكون لقوة السلاح والسلطة".
ويشرح النجم لـ"ارفع صوتك" أن "ما يتعلق ببغداد كنموذج لتنوع ثقافي ومذهبي وإثني، وراءه آراء متعددة بعضها يرغب بالمحافظة على القوى التقليدية للمحافظة على وضعها ومكتسباتها والبعض الاخر ينادي بضرورة التغيير، ولكن هذا الأخير أسير القوة والسلطة والمال السياسي. أما الطرف الثالث، فيبدو بحسب النجم، "غير مقتنع بالعملية السياسة لما انتجته من تجارب فاشلة مبنية على الفساد".
ويشكل غياب التيار الصدري، بحسب النجم، المتغير الوحيد في هذه الانتخابات. وهو ما جعل بغداد مقسّمة بين مكون سني غير مؤدلج وآخر شيعي مؤدلج تحت اسم "الإطار التنسيقي" الذي لم يعد له منافس شيعي في مناطقه المذهبية، لذلك سيستخدم المناخ السياسي المربك المدعوم من قوة إقليمية (يقصد إيران) ترى ضرورة استقرار العملية السياسية واستمرار هذا النموذج من النظام السياسي بشكله الحالي.
