لقطة لجزء من ميناء الفاو الكبير، المشروع الذي ما زال في طور البناء ويكلف العراق 6 مليارات دولار- أرشيف
لقطة لجزء من ميناء الفاو الكبير، المشروع الذي ما زال في طور البناء ويكلف العراق 6 مليارات دولار- أرشيف

طغى الشأن الاقتصادي على أحداث العراق خلال عام 2023، الذي شهد الإعلان عن مشاريع "كبيرة" أحيت الأمل في تنويع الاقتصاد الأحادي المعتمد على البترول، فيما شغلت الرأي العام تقلبات أسعار الصرف والعقوبات الأميركية على طيف واسع من المصارف.

وفي ديسمبر الحالي، التقى فريق من خبراء صندوق النقد الدولي، بممثلي السلطات العراقية، بهدف مناقشة أحدث التطورات والمستجدات وآفاق التوقّعات الاقتصادية، إلى جانب مناقشة الخطط المتعلقة بالسياسات في الفترة القادمة.

أسفر عن هذه النقاشات، بيان لصندوق النقد، توقع فيه الخبراء نمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بنسبة 5% في 2023، على ضوء التوسع الكبير في المالية العامة في إطار قانون موازنة الثلاث سنوات النافذ.

وقال إنه ينبغي للاستمرار في تطبيق الموازنة، أن تتم المساعدة باستمرار النمو غير النفطي القوي في عام 2024.

ورغم تفاؤل الخبراء، إلا أنهم توقعوا أيضاً خفض نمو الناتج المحلي الكلي في عامي 2023 و2024، نتيجة لهبوط الإنتاج النفطي بعد إغلاق خط أنابيب النفط الواصل بين العراق وتركيا، وخفض الإنتاج بناء على طلب مجموعة "أوبيك بلس".

كما تراجعت نسبة التضخم عن الذروة التي بلغتها بمقدار 7% في يناير 2023، بحسب البيان، وتوقع الخبراء استقرار التضخم خلال الأشهر القادمة بفضل اتباع البنك المركزي العراقي سياسة نقدية أكثر تشدداً، إضافة إلى الأثر المتأتي من رفع سعر صرف الدينار العراقي، وانخفاض الأسعار العالمية للأغذية، وعودة عمليات تمويل التجارة لطبيعتها مع تحسن الامتثال لإطار مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

احتجاجات أمام البنك المركزي في بغداد- أسوشيتد برس
"احتيال ودول محظورة".. ما سبب تراجع سعر صرف الدينار العراقي؟
يرى خبراء ومختصون عراقيون أن سبب تراجع أسعار صرف الدينار العراقي مقابل الدولار في السوق المحلي الموازي، هو التعاملات "غير الرسمية" لتجار عراقيين مع دول فرضت عليها الولايات المتحدة الأميركية عقوبات اقتصادية، بالإضافة لاستخدام محتالين البطاقات الائتمانية كطريقة جديدة لتهريب العملة.

الموازنة الأضخم

أقر العراق منتصف 2023 الموازنة الأضخم في تاريخ البلاد بحوالي 153 مليار دولار (2023-2025)، وعجز مالي وصل إلى 48 مليار دولار سنوياً يعد الأعلى ويزيد بأكثر من الضعف عن العجز المسجل في موازنة 2021 الذي بلغ 19.7 مليار دولار.

وشهدت الموازنة تضخماً كبيراً في النفقات التشغيلية بنحو 75%، جزء منه جاء نتيجة لزيادة أعداد موظفي الدولة وزيادة عدد المستحقين لرواتب الرعاية الاجتماعية ومدفوعات شركات التمويل الذاتي، وعدد غير معروف من المتعاقدين.

ثبتت أسعار برميل النفط عند 70 دولاراً للبرميل الواحد، كما اعتمدت الموازنة تصدير 3.5 ملايين برميل نفط يومياً من ضمنها نحو 400 ألف برميل من حقول كردستان، بينما تم تثبيت سعر صرف العملة الأميركية رسمياً عند 1300 دينار للدولار الواحد وللسنوات الثلاث القادمة.

وسُجلت للموازنة الثلاثية إيجابيات، منها إطلاق الصرف الحكومي وهو الممول الرئيسي للاقتصاد، الذي يسبب غيابه ركوداً في القطاع الخاص؛ فعشرات المشاريع الاستثمارية يرتبط تنفيذها بإقرار الموازنة التي خصصت فيها العديد من الصناديق التنموية للمحافظات الفقيرة والمحررة من داعش.

كما سُجلت سلبيات، على رأسها حجم العجز الكبير المتوقع تمويله من الاقتراض الداخلي والخارجي، ما يعني زيادة المديونية والاعتماد الكبير على النفط في تمويل الموازنة، بالتالي مواجهة خطر تقلبات أسعار النفط وتراجع الإيرادات، مع عدم القدرة على تمويل التزامات الموازنة في ظل عدم القدرة على زيادة الإنتاج وفق الاتفاقيات المبرمة مع "أوبك بلس".

تبلغ حصّة الإقليم 12,67 بالمئة من الموازنة.
"خط الموت".. إقرار الموازنة يفجر خلافاً بين بغداد وإقليم كردستان
أقرّ مجلس الوزراء العراقي، فجر اليوم الأثنين، أضخم الموازنة المالية للسنوات 2023 و2024 و2015، بعد أربع جلسات متتالية "لتفكيك" الخلافات بين القوى السياسية خاصة تلك المتعلقة بإقليم كردستان وايراداته النفطية، لكن الخلافات عادت لتنفجر بعد تمرير الموازنة.

تقلبات أسعار الصرف

شهدت أسعار صرف الدينار العراقي مقابل الدولار الأميركي خلال 2023 تقلبات كبيرة أثرت سلباً على الأسواق المحلية.

وعلى الرغم من أن تقلبات أسعار الصرف بدأت منذ قرار الحكومة العراقية رفعها من 1250 ديناراً لكل دولار إلى 1450 أواخر 2022 ، إلا أن العام الحالي شهد التقلبات الأكثر درامية في تأثيرها، حيث دفع المواطن ثمنها من محفظته بعد ارتفاع أسعار السلع والخدمات.

وعلى أثر الغضب الشعبي وبعد عدة احتجاجات أمام البنك المركزي، قررت الحكومة تخفيض سعر صرف الدولار من جديد ليكون 1300 دينار عراقي مقابل كل دولار أميركي.

هذا القرار لم يلق أذناً مصغية في السوق الموازي حيث ارتفعت أسعار الصرف، لتزامن القرار مع بدء العمل بالمنصة الإلكترونية لتمويل التجارة الخارجية، بغية السيطرة على تهريب العملة الأجنبية، بالإضافة لفرض عقوبات أميركية على 18 مصرفاً عراقياً، بينها أربعة مصارف تستحوذ على نسبة تتجاوز 40% من مبيعات البنك المركزي العراقي لأغراض التحويلات لتمويل التجارة الخارجية.

بالنتيجة، توجه التجار في تمويل تجارتهم إلى السوق المحلية وتسببوا بارتفاع جنوني بأسعار الصرف حتى تجاوز عتبة الـ1600 دينار مقابل كل دولار، وما زال تذبذب أسعار الصرف مستمراً.

طريق التنمية وميناء الفاو

كشف العراق خلال عام 2023 عن خطة طموحة لتطوير بنيته التحتية للسكك الحديدية والطرق ليصبح مركز نقل إقليمي يربط بين أوروبا والخليج.

جاء ذلك على لسان رئيس الوزراء محمد السوداني، الذي أعلن خلال كلمته في افتتاح مؤتمر "طريق التنمية"، بحضور ممثلين عن إيران والمملكة العربية السعودية وتركيا وسوريا والأردن والكويت والبحرين وقطر والإمارات وعمان.

يربط طريق التنمية ميناء الفاو الكبير بتركيا وصولاً إلى أوروبا، ويبلغ طوله 1200 كيلومتر، ممتداً من الحدود مع تركيا في الشمال إلى الخليج العربي جنوباً. من المؤمل أن يكون الطريق حجر الزاوية لاقتصاد مستدام يقلل من الاعتماد المفرط على النفط ويسهم في التكامل الإقليمي.

وفق المشروع، تخطط الحكومة العراقية لإنشاء قطارات عالية السرعة لنقل البضائع بسرعة تبلغ 140 كيلومترا في الساعة. وتقدر التكلفة الأولية للمشروع بـ17 مليار دولار.

صورة من المؤتمر الذي عقد السبت بخصوص طريق التنمية
آمال "كبرى" يعقدها العراق على "طريق التنمية"... ولكن؟
النهوض بالاقتصاد الوطني ولعب دور الشريان الاقتصادي الإقليمي والعالمي، والتحول إلى الطريق الأساسي لنقل البضائع بين الشرق والغرب، هذا أبرز ما يسعى لتحقيقه العراق عبر مشروع "طريق التنمية" الذي تتواصل الخطوات لبدء تنفيذه انطلاقا من العام المقبل، وينتهي عام 2028. 

ويعتبر طريق التنمية مكملاً لمشروع ميناء الفاو الكبير المؤمل الانتهاء من مرحلته الأولى وتشغيلها في 2025، لذلك عملت الحكومة العراقية على تسريع العمل به خلال 2023، بعد تعثره منذ عام 2010 حين وضع حجر أساسه، بسبب خلافات سياسية داخلية وإقليمية.

وشُيد الميناء الجديد في شبه جزيرة الفاو بمساحة 54 كلم مربع بتكلفة تتجاوز 5 مليارات دولار، وله القدرة على استقبال سفن بغاطس 19 متراً، ويمكن أن يزيد معدل تصدير النفط بواقع 20% وتنشيط التجارة البحرية للعراق.

من المتوقع أيضاً، أن يجني العراق بحلول عام 2038، أربعة مليارات دولار عن نشاط الميناء الجديد، تضاف لها الإيرادات غير المباشرة كخدمات العبور في طريق التنمية، الذي ينافس خطوطاً تجارية عالمية عدة بفضل اختزال الوقت.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.