لاجئات عراقيات داخل إحدى الكنائس اللبنانية في تأبين لضحايا هجوم للقاعدة في العراق- أرشيفية
لاجئات عراقيات داخل إحدى الكنائس اللبنانية في تأبين لضحايا هجوم للقاعدة في العراق- أرشيفية

"لبنان سجن كبير"، يقول العراقي إحسان عبد الرحمن البدري، الذي يعيش هناك منذ عام 2013، ويشكو معاناته من البطالة، وعدم امتلاكه التأمين الصحي لتلقي أي علاج، بالإضافة لعدم حصوله على أوراق إقامة حتى اللحظة.

البدري من أب عراقي وأم لبنانية، لكنه بحكم القانون اللبناني عراقي فقط، إذ لا يحق له الحصول على الجنسية اللبنانية. جواز سفره العراقي منتهي الصلاحية، وتجديده يتطلب السفر إلى العراق، الذي هرب منه نتيجة أوضاعه التي تدهورت في أوقات سابقة.

هيومان رايتس ووتش (2014): عام 2013 هو الأكثر دموية في العراق على مدار السنوات الخمس الماضية. أصبحت الهجمات الانتحارية والسيارات المفخخة والاغتيالات أكثر حصاداً للأرواح وأكثر عدداً، فقتلت أكثر من 3000 شخص وأصابت أكثر من 7 آلاف آخرين بين مايو وأغسطس.

على الرغم مما يعانيه بشأن وضعه القانوني داخل لبنان منذ 10 سنوات، إلا أنه يقول لـ" ارفع صوت" إن "العودة إلى العراق مستحيلة".

ويشرح: "ذهبتُ للأمن العام اللبناني لأنجز طلب إقامتي لكن الأمر أخذ مني نحو عام ونيف. بعد ذلك، انتهت مدة صلاحية جواز سفري وما عدت قادرا على تجديده. طرقتُ كل الأبواب من سفارات وقنصليات ومنظمات دولية، دون جدوى".

شيرين بلاني، هي الأخرى من أم لبنانية وأب عراقي كردي، عالقة اليوم في لبنان، دون القدرة على الخروج منه، بعد أن سافر والدها إلى أستراليا.

تقول لـ"ارفع صوتك": "لا أستطيع إنجاز معاملاتي أو السفر أو حتى العمل في الوظيفة التي أريد، لذلك أعمل في تنظيف المنازل ومساعدة كبار السن. أعمل ساعات طويلة من أجل تأمين ربطة خبز".

الحل القانوني المتوفر حالياً، هو "إقامة المجاملة" التي تواظب شيرين على تجديدها كلما انتهت صلاحيتها. تؤكد: "الواقع مرير فلا الدولة تساعدنا ولا الأمم المتحدة، ويبدو أن الأولوية هي للإخوة السوريين على مستوى المساعدات المادية والطبابة والتعليم".

وإقامة المجاملة في لبنان، هي وثيقة تُمنح لكل لبناني يحمل جنسية ثانية، أو أجنبي من أصل لبناني (مولود لأب لبناني لكنه غير مسجل في لبنان)، أو ابن/ ابنة اللبنانية (شرعياً كان أو بالتبني)، أو ابن/ ابنة اللبناني (شرعي أو متبنى أو قيد الدرس).

ويتطلب الحصول على هذه الإقامة، بحسب مديرية الأمن العام اللبناني، تقديم العديد من الأوراق والوثائق الرسمية التي تختلف حسب كل حالة.

 

"وضع مادي تعيس بلا مساعدات"

بحسب الباحث في "الدولية للمعلومات" محمد شمس الدين، يوجد في لبنان نحو 32 ألف لاجئ عراقي، وصلوا البلاد خلال حقبة صدام حسين وبعد سقوط النظام البعثي عام 2003.

كان عددهم أكبر، كما تؤكد إحصاءات رسمية لبنانية، لكنه تضاءل مع الزمن بسبب الهجرات إلى الولايات المتحدة ودول أوروبية.

من جهة أخرى، يقول شمس الدين، إن "الكثير من العراقيين فضّلوا البقاء في لبنان، لأنهم اعتادوا الحياة هنا، كما تزوج بعضهم من لبنانيات/ لبنانيين أو من المقيمين/ات في البلد".

البقاء في بلد اللجوء لم يكن أمراً سهلاً بالنسبة للجميع، لأن لبنان لا يمنح العراقي وضعية اللاجئ التي قد تمنحها مفوضية اللاجئين بحكم اتفاقية اللاجئين لعام 1951؛ لأنه لم يوقعها بالتالي هي غير مُلزمة للبنان.

يفتقر اللاجئ العراقي لقانونية تواجده على الأراضي اللبنانية، ويُعتبر كمن دخل البلاد خلسة. من تبعات ذلك، الاحتجاز (وصولاً حتى 3 سنوات بحسب قانون 1962/32)، أو التعرض للاستغلال من أصحاب العمل أو من أصحاب العقارات، دون أن يمتلك القدرة على تقديم شكاوى للسلطات الأمنية. 

وسط ذلك كله، كانت هناك بعض المؤسسات التي تقدم الدعم للعراقيين في لبنان، خاصة المسيحيين منهم، مثل مطرانية الكلدان.

تقول المسؤولة الإعلامية للمطرانية، ميرا قصارجي، لـ"ارفع صوتك"، إن "المطرانية تلعب دوراً هاما في مساعدة اللاجئين العراقيين، خاصة أن هذا النزيف ما يزال مستمرا منذ عام 2000. وفي الأصل، يدخل اللاجئ العراقي إلى لبنان كسائح، وعند انتهاء الفيزا (التأشيرة) السياحية، يضطر للبقاء ويصبح وجوده خلسة، حينذاك، تحاول المطرانية مساعدته".

وتضيف: "لم تكن لدينا في السابق مراكز لاستقبال اللاجئين، لكن الوضع تغير اليوم، وأصبحت المراكز متاحة، لأن الوضع في لبنان ليس جيداً. هذه المراكز موجودة في سد البوشرية والسبتية توخيا، لتوفير الجهد والتنقلات على اللاجئين بالتالي تكون قريبة منهم".

وتؤكد قصارجي، أن المراكز "تتوخى تغطية شاملة لاحتياجات اللاجئين"، معددة بعضاً منها: "مركز الرحمة الإلهية، يحصل منه اللاجئ العراقي على بطاقة تمكنه من الاستفادة من كامل الخدمات، التي تشمل جوانب التعليم والصحة والغذاء".

بالنسبة للتعليم، تشير إلى مركز "مار توما الرسول التربوي" ويستضيف 200 طفل عراقي (6 سنوات- 15 سنة)، ويقدم لهم المنهاج التعليمي اللبناني كلٌ بحسب المستوى، بالإضافة لتعليمهم اللغتين الفرنسية والإنجليزية.

وحول الغذاء، تتحدث قصارجي: "المراكز تقوم بتأمين حصص غذائية شهرية لكافة اللاجئين العراقيين، وبالطبع من ضمن ما يتوفر لنا، إذ يزداد الوضع صعوبة، لأن العدد كبير، حيث نتعامل مع 2200 عائلة".

وتستدرك: "هناك الكثير من المشاكل التي نواجهها، خاصة أن اللاجئين العراقيين الموجودين خلسة في لبنان غير محميين من قبل الدولة، وهذا أمر متعب، لأن الأمن قد يمسكهم ولا يمتلك الجميع الأوراق التي تسمح لهم بالبقاء فيها، فيواجهون السجن".

"نسعى من خلال مراكزنا بالتعاون مع الأمن العام اللبناني، إلى بذل كل الجهود لإخراجهم من السجن" تتابع قصارجي التي تشير إلى أن "اللاجئين يحملون معاناة كبيرة ووضعهم المادي تعيس جداً، وليس لديهم الأموال الكافية، كما لا تهتم الدولة بهم ولا تقدم لهم شيئا، حتى الأمم المتحدة لا تقدم لهم الكثير".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

جانب من سوق الأنتيكات في العاصمة العراقية بغداد (خان المدلل)- ارفع صوتك
جانب من سوق الأنتيكات في العاصمة العراقية بغداد (خان المدلل)- ارفع صوتك

ما إن وقعت عينا الستينية أم أيمن على مدفأة "علاء الدين" النفطية في سوق الأنتيكات والتحف في خان المدلل، حتى عاد بها الحنين إلى طفولتها حين كانت تجلس في حضن والدتها عندما يشتد برد الشتاء في بغداد القديمة.

مدفأة "علاء الدين"

سألت بلهفة عن ثمن المدفأة ثم نادت صديقة كانت ترافقها، وبنبرة حنين قالت "تتذكرينها؟" قبل أن تروي حكايات عن والدتها التي غيبها الموت منذ عشرين عاماً، وكيف كانت مدفأة "علاء الدين" رفيقة لها في المطبخ والصالة وحتى في طقوس الاستحمام  خلال طفولتها.

خرجت أم أيمن من محل رضا الساري للأنتيكات دون أن تتمكن من شراء المدفأة. تقول وهي تخرج من المكان: "لم أتصور أن سعر المستعملة يمكن أن يكون أعلى  من الجديدة بكثير".

بائع الأنتيكات في خان المدلل رضا الساري

يتجاوز سعر المدفأة غير المستعملة من مدفأة "علاء الدين" الإنجليزية مليون دينار عراقي (نحو 750 دولاراً)، بحسب الساري.

يقول لـ"ارفع صوتك" إن سر هذه المدفأة "ارتباطها بوجدان العراقيين، فهي تذكر أجيال الخمسينات والستينات بأمهاتهم، حيث لم يخلُ أي بيت عراقي منها".

ولهذا السبب، "يتصرف الكثير من المتبضعين بعاطفة وحنين للماضي حين يتم عرض أنواع معينة من التحف والأنتيكات في خان المدلل، فهي تذكرنا بزمن كانت العلاقات الاجتماعية فيه أكثر عمقاً وألفة مما هي عليه اليوم"، يضيف الساري.

 

خان المدلل

يتألف خان المدلل من مبني على الطراز البغدادي القديم من طابقين على شكل غرف متقابلة مع حديقة واسعة في الوسط تحولت بمرور الوقت إلى ساحة لعرض البضائع والسلع المختلفة.

ويقع الخان الذي بني قبل أكثر من مئة عام في ساحة الميدان، التي كانت يوماً تمثل قلب بغداد النابض بالحياة والمحرك الرئيس للحياة الثقافية والسياسية.

صوت الغرامافون في إحدى زوايا المبنى يجذب الأذن لأسطوانة تصدح بأغنية لأم كلثوم  تعود إلى الثلاثينات، وبينما يجذب لمعان النحاس النظر تتدلى ثريات الكريستال من سقوف المحال لتعكس ألوان قوس قزح على الجدران.

يروي بائع الأنتيكات الستيني أبو محمد: "بُني الخان قبل أكثر من مائة عام مع بداية بناء الخانات في بغداد لاستقبال المسافرين من خارج العراق وبقية المحافظات، وكانت ملكيته تعود إلى عائلة المدلل التي اكتسب اسمه منها".

بمرور الوقت تحول إلى فندق ومسرح وملتقى ثقافي، وفي الثمانينيات تحولت ملكية الخان إلى أمانة بغداد التي رممته وحولته إلى سوق تجاري، ومع التسعينيات بسبب تراجع الإمكانات المادية إثر الحصار الاقتصادي، أصبح الخان والمنطقة المحيطة مكاناً لبيع وشراء الأثاث القديم حيث تأتي أغلب البضائع منذ ذلك الوقت وحتى الآن من البيوت البغدادية القديمة، بحسب أبو محمد، الذي يعمل في الخان منذ أربعين عاماً.

أما أكثر أيام الأسبوع في العمل فهي أيام الجمعة والسبت حيث يكتظ الخان بالرواد، بعضهم جزء من التقليد الأسبوعي لشارع المتنبي القريب حيث الندوات الثقافية والفنية.

وينقسم رواد خان المدلل، بحسب أبو محمد، إلى الشباب الذين يجذبهم رونق التحف والأنتيكات ولديهم شغف بالماضي، وإلى كبار السن والسائحين الذين يزورون بغداد حيث لعبت مواقع التواصل دوراً في تعريف الزوار من خارج العراق بالسوق وأكسبته شهرة، فصار مقصد الكثير من السياح لشراء مقتنيات وتحف خصوصاً أعمال النحاس العراقية القديمة المصنوعة يدوياً.

"الرشيد".. شارع يروي تاريخ بغداد الاجتماعي والسياسي والفني
متوازياً مع نهر دجلة، وبخط متعرج يمتد شارع الرشيد التراثي، ليحكي تاريخ العاصمة العراقية بغداد منذ أوج ازدهارها في العهد العباسي، وصولاً إلى آخر الولاة العثمانيين الذي شق الطريق لأهداف حربية، ليتحول إلى أيقونة الثورات وواحداً من أهم شوارع المدينة.

روّاد الخان

تأتي الشابة دعاء إلى شارع المتنبي لاقتناء ما تحتاجه من كتب فهي طالبة في كلية الهندسة بجامعة بغداد، وهي حريصة  على المرور بخان المدلل، تقول لـ"ارفع صوتك": "أنا مولعة بالإكسسوارات القديمة والحلي الفضية والأحجار التي يتم عرضها  في محال خان المدلل التي لا يوجد لها شبيه في أي مكان آخر".

على العكس منها، كان الشاب الثلاثيني خلدون وسام، يبحث عن مسدس قديم الطراز وللحظة علت الابتسامة وجهته حين لمح مسدساً شبيهاً بما يحاول اقتناءه، لكنه بعد تفحصه أعاده للبائع لوجود خلل في الزناد كان من شأنه تقليل قيمته.

بداية ولعه بالأنتيكات كما يوضح لـ "ارفع صوتك"، منذ سن السابعة حين بدأ بجمع الطوابع، ثم كبر وصار زبوناً دائماً في خان المدلل، إذ يهوى جمع الأسلحة القديمة.

ويشير خلدون إلى أن أهم مقتنياته التي يفتخر بها "مسدس من الحرب العالمية الأولى".

"أنا مولع بالأسلحة القديمة وتستهويني أسلحة الحرب العالمية الأولى كما أجمع نياشين الحقبة النازية وعملاتها".

ويعتقد أن الأنتيكات عكس كل ما هو استهلاكي، إذ تزيد قيمتها مع الزمن ولا تنقص، ولا يتوقف الطلب عليها أبداً.