المهندس فضل الفؤادي في مزرعته لتربية طيور النعام
المهندس فضل الفؤادي في مزرعته لتربية طيور النعام

ربما لا يعني طير النعام لكثيرين سوى أنه حاضر في مثل رائج، يشبّه من يرفض مواجهة التحديات والواقع، بأنه "كالنعام يدفن رأسه في الرمال".

فضل الفؤادي من محافظة الديوانية جنوبي العراق، واحد من الذين لا يدفنون رؤوسهم في الرمال، بل يخوض تجربة صعبة لتربية طيور النعام، لأن "أكثر ما يميز هذه الطيور أن كل جزء منها صالح للاستثمار، وله منافع صحية واقتصادية مهمة".

الفؤادي وهو مهندس زراعي تخصص في دراسته العليا بالإنتاج الحيواني ودرس طيور النعام بشكل أكاديمي قرر كما يشرح لـ "ارفع صوتك" أن "يبتكر وسائل جديدة لتعزيز واقع الثروة الحيوانية المتراجع في العراق بسبب الجفاف وقلة المياه، ذلك عن طريق تربية النعام كمصدر اقتصادي مهم للعمل وتوفير البروتين ذي القيمة الغذائية العالية، حيث يشبه إلى حد كبير اللحوم الحمراء التي بدأ إنتاجها بالتراجع".

وعلى الرغم من أن النعام يعيش في الأجواء الحارة بموطنه الأصلي في جنوب أفريقيا، إلا أن تربيته نجحت بشكل كبير في السعودية وإيران التي تربعت على المركز الثاني عالمياً في إنتاجه، لذا فإن الفؤادي، وغيره من الخبراء الزراعيين، وجدوا أن التجربة في العراق تستحق فرصة.

ويقول إن "هذه التجربة تشجّع المربين على استيراد طيور النعام وتربيتها وتكاثرها، وقد أثبت هذا المجال جدواه الاقتصادية حيث يمكن الاستفادة من كل أجزاء الطائر".

فوائد الطائر كما يشرحها الفؤادي تتركز في لحمه الذي يتميز بقلة الكوليسترول واحتوائه على نسبة عالية من البروتينات والمعادن والفيتامينات.

كما أن لطائر النعام أهمية بالغة أيضاً في إنتاج الجلود التي تعتبر من الأغلى عالمياً، أما ريشه الذي يستعمل للتنظيف، فله القابلية على سحب ذرات الغبار دون أي أذى للمسطحات التي تُنظف.

أما زيت النعام، فيعتبر علاجاً لأمراض المفاصل، لما له من قابلية على اختراق جلد جسم الإنسان بكل سهولة، كما يقول الفؤادي الذي أشار أيضاً إلى أن عظام النعام تستخدم لإنتاج الكالسيوم أيضاً.

بداية المشروع كانت متواضعة، نظراً لعدم توفر المساحة الكافية لتربية الطائر الذي يفضل العيش في مساحات واسعة، وفي مجموعات تتكون من ذكر وأنثيين.

ويضيف الفؤادي: "جمعت البيض من مربين آخرين وطورت حاضنة، حتى وصلت أعداد الفراخ التي كاثرتها إلى أكثر من ١٠٠ قبل أن أبيعها للمربين".

مشروع بابل

أول مشروع استثماري لتربية طيور النعام في العراق بدأ عام 2012 في محافظة بابل، كما يقول رئيس المجلس العراقي لدعم الثروة السمكية والحيوانية الدكتور صباح الشمري، الذي كان أحد المشاركين فيه.

جاءت الفكرة بعد زيارته مزارع تربية طيور النعام في الإمارات والسعودية : "رأيت هناك أن طقسنا في جنوب العراق ملائم لتربية هذه الطيور، فاستوردت فراخ نعام، أنثيين وذكراً".

ويضيف لـ"ارفع صوتك: "ربيت الفراخ في مزرعة خاصة بمحافظة بابل، حتى وصلت مرحلة البلوغ، وهي عام وثمانية أشهر للإناث وثلاثة أعوام للذكور".

وما أن وصلت الطيور إلى مرحلة البلوغ حتى بدأ الشمري بالتعاون مع أساتذة جامعة بغداد بإجراء التجارب لتطوير تقنيات التخصيب الذي يعتبر واحداً من أهم المشاكل التي تواجه تربية النعام عالمياً.

كانت النتيجة استحداث طريقة جديدة للتلقيح الصناعي، ووصلت إلى نسبة نجاح 95 % حصل بفضلها على أول براءة اختراع للمزرعة، على حد قوله.

ويتابع: "خلال بضع سنوات تكاثر القطيع ليصل عديده إلى سبعين طائر نعام، وتمكنّا من الحصول على ثلاث براءات اختراع أخرى، منها استحداث تقنيات جديدة لجمع السائل المنوي وحفظه لعدة أيام قبل التخصيب، ومعرفة جنس النعام بعمر يوم واحد فقط، بهدف عزل الذكور عن الإناث".

كل هذا حدث قبل وصول بشائر الأزمة العالمية التي ضربت الاقتصاد العالمي نتيجة للحجر الصحي بعد انتشار فيروس كورونا، وحينها، بدأت العقبات بالظهور في وجه مربّي النعام، بحسب الشمّري.

طيور النعام في المزرعة

عقبات وعراقيل

في دراسة حملت عنوان "تربية طيور النعام في العراق: المشاكل والحلول" يشير الباحث نشوان مجيد إلى أن طائر النعام يعد من الطيور حديثة العهد بالبحث العلمي في العراق، لهذا السبب لا تتوفر معلومات وأرقام دقيقة حول تربيته وأعداده.

رصد الباحث مجموعة من المشاكل التي تواجه مربي النعام، أهمها ما يتعلق بالتغذية، حيث لا يتوفر دليل غذائي للاحتياجات الغذائية مقارنة ببقية أنواع الطيور، وعدم توفر مساحات كافية لإنشاء مزارع تربية، وعدم وجود دعم من الدولة أيضاً.

ويستنتج مجيد في دراسته أن عدم توفر الأعلاف المركزة، يعتبر واحداً من أهم المشاكل الرئيسية التي تواجه المربين، وأن الأعلاف إذا ما توفرت، فإنها تكون بأسعار عالية، وبالتالي يؤثر الأمر على الربح ويدفع إلى تقليل أعداد الحيوانات لتوفير الأعلاف.

يتفق الشمري مع ما ذهب إليه مجيد في دراسته حول مشاكل ومعوقات تربية النعام في العراق.

ويقول إن "مزرعته أسست لنواة عمل واستثمار مهمة، إلا أن المعوقات التي نواجهها حالت دون توسعته، حتى بدأنا ببيع أعداد كبيرة من النعام نتيجة الارتفاع الكبير بأسعار الأعلاف، حيث زادت الكلف وانخفضت الأرباح".

يشكّل البيض أحد المنتجات التي يستفاد منها في مشاريع تربية طيور النعام

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Paris 2024 Paralympics - Table Tennis
نجلة عماد متوّجة بالميدالية الذهبية في بارالمبياد باريس

بفوز  أفرح ملايين العراقيين، حصدت لاعبة كرة تنس الطاولة نجلة عماد الميدالية الذهبية في بارالمبياد باريس، فأصبحت أول عراقية تحقق هذا الإنجاز الرياضي الرفيع، رغم فقدانها ثلاثة أطراف بانفجار عبوة ناسفة عندما كانت بعمر ثلاث سنوات.

وفي مشهد كان الأكثر تداولا على منصات التواصل الاجتماعي في العراق عقب إعلان فوزها، راقب العراقيون تتويجها بالميدالية الذهبية في احتفالية رفُع فيها العلم العراقي، وعُزف النشيد الوطني لأول امرأة عراقية تفوز بوسام في تاريخ اللجنة البارالمبية العراقية منذ أولى مشاركتها في العام 1992 .

وأختتمت فعاليات دورة الألعاب البارالمبية  في العاصمة الفرنسية باريس  يوم الأحد الماضي بحصول العراق على 5 ميداليات (ذهبية وفضية و3 برونزيات).

 

عبوة ناسفة

في الأول من يوليو الماضي، وفي جلسة للمفوضية السامية لحقوق الإنسان، ألقت عماد كلمة في حلقة النقاش الموضوعية التي تعقد كل أربع سنوات، حول تعزيز حقوق الإنسان من خلال الرياضة.

في تلك الجلسة روت قصتها مع تنس الطاولة التي "بدأت في العام 2008 عندما كانت محافظة ديالى تعاني من إرهاب القاعدة، وكان والدها جندياً يعمل لساعات طويلة في الجيش لحمايتهم" على حد تعبيرها.

في ذلك العام "كان عمري ثلاث سنوات، وكنت أنتظر عودة والدي من العمل ليأخذني في جولة بسيارته، وضعني والدي في السيارة وأثناء وصوله إلى مقعد السائق انفجرت عبوة كانت مزروعة في سيارته".

فقدت الطفلة الصغيرة وعيها وهرعت بها عائلتها إلى المستشفى "استيقظتُ بعد أسابيع وأصبت بصدمة عندما علمت أنني فقدتُ ساقيّ الاثنتين ويدي اليمنى بعدما طارت أطرافي واستقرت فوق سطوح الجيران". 

تقول عماد بألم "جزء كبير من روحي وجسدي سُلب مني إلى الأبد، هذا ما تفعله الحروب بالأطفال".

منذ ذلك اليوم تغيرت حياتها، وواجهت صعوبات كثيرة، ليس بسبب الإعاقة فحسب بل بسبب "نظرة التمييز التي كنت أتعرض لها كل يوم" حسب قولها.

وروت خلال الجلسة مشاعر الألم والحزن وهي ترى الأطفال من حولها يركضون ويلعبون، فيما كانت عاجزة عن ذلك، "كان مستقبلي مليء بعدم اليقين والتحديات التي لا يمكن التغلب عليها".

نقطة تحول محورية

في العاشرة من عمرها كما روت نجلة في تصريحات صحفية "كان تركيزي في البداية منصباً على الدراسة".

إلا أن نقطة التحول المركزية في حياتها كانت "حين زار منزلنا مدرب على معرفة بوالدي، كان يريد تشكيل فريق بارالمبي. وبعد فترة تدريب استمرت ستة أشهر، حقّقت أول فوز لي في بطولة محلية لمحافظات العراق في بغداد"، وفقاً لقولها.

في البداية كانت عماد تتدرب على جدار المنزل لعدم توفر طاولة مخصصة للعب "لكن، تبرع لي أحد الأشخاص بطاولة، وبدأت بالتمرن في المنزل طوال الوقت".

كان توجهها إلى مقر اللجنة البارالمبية على فقر تجهيزاته وضعف تمويله، حافزاً قوياً لها في إكمال مشوارها الرياضي، كما تروي: "رأيت لاعبين آخرين من ذوي الإعاقة يمارسون الرياضة. كان لديهم الكثير من الطاقة الإيجابية، وقد شجّعني ذلك".

الرياضة التي تعلقت بها عماد وشجعها عليها والدها ورافقها في كل خطوات رحلتها "مكنتني من تجاوز إعاقتي، وجعلتني أنظر إلى الحياة من زاوية أخرى".

الرياضة مهمة جداً لذوي الإعاقة في جميع أنحاء العالم، بحسب عماد التي تحثّ "جميع الدول على الاهتمام بذوي الإعاقة وتوفير بيئة داعمة لحقوق الأطفال، وبالأخص ذوي الإعاقة، فمن الضروري توفير التمويل وضمان الوصول السهل وتكافؤ الفرص".

دعم الرياضة لهذه الفئة كما تشرح، "يتيح فوائد نفسية وجسدية واجتماعية لهؤلاء الأفراد، ما يعزز شعورهم بالإنجاز والانتماء، ونحن مدينون للأجيال القادمة بخلق عالم يمكن فيه لكل إنسان بغض النظر عن قدرته وهويته أن يزدهر ويعيش في عدل ومساواة".

طريق معبّد بالذهب

شاركت نجلة عماد في أول بطولة لها في العراق بعد ستة أشهر فقط على خوض تجربة التمرين على يد مدرب، وحققت المركز الثاني في لعبة تنس الطاولة على مقعد متحرك، لتصبح لاعبة المنتخب الوطني العراقي لكرة الطاولة في اللجنة البارالمبية.

وفي العام 2016 بدأت أولى خطواتها باتجاه العالمية التي كانت تسعى إليها، لتحصل على المركز الثالث في بطولتي الأردن 2016 وتايلند 2018، لتبدأ عملية التحول من المنافسة على كرسي متحرك إلى اللعب وقوفاً، بقرار من رئيس اتحاد تنس الطاولة للمعوّقين سمير الكردي.

أدخلت عماد إلى إحدى مستشفيات بغداد المختصة بالعلاج التأهيلي والأطراف الصناعية، ورُكبت لها ثلاثة أطراف صناعية، ووصفت فيه ذلك اليوم بتصريحات صحفية بأنه "أسعد أيام حياتي، فقد تمكنت من الوقوف من جديد بعد عشر سنوات قضيتها جالسة على كرسي".

وبعد تمرينات مكثفة شاركت نجلة في بطولة غرب آسيا التي أقيمت في الصين وحصلت على المركز الثاني: "كانت أول مرة ألعب بالأطراف الصناعية وتنافست مع لاعبات عمرهن الرياضي أكبر من عمري". يأتي هذا الإنجاز رغم أن الأطراف التي كانت تتنافس بها "غير مخصصة للرياضة، وكانت تسبب لها آلاماً وجروحاً".

تلاحقت الانتصارات التي حققتها فحصدت الذهب ببطولة القاهرة في العام 2019. وتوجت في الصين بالمركز الأول، تبعها المركز الأول ببطولة إسبانيا في العام 2020. ثم تبعتها أول مشاركة في دورة الألعاب البارالمبية العام 2021 في طوكيو، ولم تتمكن حينها من إحراز أي ميدالية، إلا أن ذلك كان دافعاً لها للمزيد من التدريب، لتحقق الذهب في دورة الألعاب الآسيوية التي أُقيمت في الصين عام 2023.

وبعد تأهلها لدورة الألعاب البارالمبية بباريس، عبّرت عن سعادتها في تصريحات صحفية بالقول إن "الطموح ليس فقط المشاركة إنما تحقيق الألقاب، ورفع اسم العراق عالياً".

وهو بالفعل ما حققته، فسجّلت اسمها في تاريخ الرياضة العراقية لتصبح أول لاعبة عراقية تحصل على ميدالية ذهبية في تاريخ اللجنة البارالمبية العراقية.