"مجلس المحافظة يرى أن المدينة بأكملها يجب أن تكون مقدسة ويطبق فيها نظام صارم"- تعبيرية
"مجلس المحافظة يرى أن المدينة بأكملها يجب أن تكون مقدسة ويطبق فيها نظام صارم"- أرشيفية

منذ بداية العام الجاري، عاد ما يُعرف بـ"قانون قدسية كربلاء" إلى الواجهة مجدداً، بعد أحداث عديدة، تمثلت في حملة للمحافظة لإزالة أشجار عيد الميلاد وزينة رأس السنة، وإغلاق فرع من سلسلة مطاعم كويتية على خلفية حفل موسيقى وحضور شخصية مشهورة غير محجبة فيه.

أثار إغلاق المطعم، بسبب "خرقه قانون القدسية"، الجدل بين المواطنين والمتابعين في صفحات عراقية على مواقع التواصل الاجتماعي، فيما تم تداول مقاطع فيديو وصور لرجال أمن يزيلون أشجار عيد الميلاد من أمام بعض المتاجر والمطاعم في المدينة.

وظهر محافظ كربلاء نصيف جاسم الخطابي، في مقطع فيديو نشره مكتبه الإعلامي، خلال تجوله في شوارع المدينة وتأنيبه لأصحاب محلات تجارية ومطاعم، وتهديده إياهم بإغلاقها لمدة شهر في حال وضع زينة الميلاد أو تشغيل الموسيقى أو إظهار أيّ من مظاهر الاحتفال لأنها "تمس خصوصية المدينة وقدسيتها".

خصوصية كربلاء، التي تحدث عنها المحافظ، تأتي من اعتبار المدينة إحدى المدن الدينية المقدسة عند الشيعة، ويؤمها سنوياً ملايين الزائرين لإحياء ذكرى أربعينية مقتل الإمام الحسين ( في واقعة الطف عام 680 هـ). وهي أيضاً من أكبر التجمعات الدينية في العالم، حيث استقبلت العام الماضي أكثر من 22 مليون زائر شيعي من عموم العراق وخارجه.

أكد إعلام بلدية كربلاء، لـ"ارفع صوتك"، أنها قامت بإزالة أشجار الميلاد، وزينة خاصة برأس السنة، من أمام مطاعم ومتاجر وسط...

Posted by ‎Irfaa Sawtak - ارفع صوتك‎ on Saturday, December 30, 2023

 

تاريخ مثير للجدل

يمتلك العراق عدداً كبيراً من المزارات والمدن المقدسة أهمها مرقد الإمام موسى الكاظم في بغداد، والإمامين العسكريين في سامراء بمحافظة صلاح الدين، ومرقد الإمام علي في محافظة النجف، ومرقدا الإمام الحسين وأخيه العباس في محافظة كربلاء.

جميع تلك المدن تحظى بالاحترام المجتمعي وتطبق نظاماً صارماً لارتداء الملابس خصوصاً بالنسبة للنساء في حدود المزارات ومحيطها، دون فرضه في باقي مناطق المحافظة.  إلا أن الأمر لا ينطبق على محافظة كربلاء، فمجلسها يرى أن المدينة بأكملها يجب أن تكون مقدسة ويُطبق فيها نظام صارم.

في عام 2009، أعلن مجلس المحافظة سن أول "قانون لقدسية كربلاء"، ليتم تشريعه  من قبل المجلس فقط عام 2012. القانون لم يُطبق بشكل صارم حتى عام 2017، حين زارت البرلمانية العراقية ميسون الدملوجي المحافظة دون ارتداء الحجاب، ما عدّه نصيف الخطابي (كان رئيس مجلس المحافظة آنذاك) "انتهاكاً صارخاً" لقدسية المدينة.

وهدد الخطابي حينها بأنه "سيتخذ إجراءات حازمة من أجل تطبيق التشريع الخاص بقانون قدسية كربلاء".

وفي ديسمبر من العام ذاته، استيقظ أهالي كربلاء على لافتات تحمل عبارات تحرّم الغناء وعرض ملابس النساء في المحلات ومنع غير المحجبات من دخول المدينة، وتهديدات بعقوبات للمخالفين، وفق قانون العقوبات الذي تم تشريعه عام 1969.

في 2019، ثار الجدل للسبب ذاته، خلال حفل افتتاح بطولة آسيا في ملعب كربلاء الأولمبي، الذي تخلله عزف على الكمان لعازفة لبنانية ظهرت بقميص دون أكمام وبلا حجاب، ليتم رفع دعوى قضائية ضد وزارة الشباب والرياضة من قبل ديوان الوقف الشيعي وذلك لـ"مخالفة الافتتاحية ضوابط وخصوصية المدن المقدسة والأخلاق والآداب العامة".

حينذاك، دعا الأمين العام لحزب "الدعوة" ورئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي  إلى فتح "تحقيق عاجل وبمحاسبة من يقفون خلف هذا التجاوز". الشيء ذاته فعله الأمين العام لـ"عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي.

نموذج من اللافتات
نموذج من اللافتات
نموذج من اللافتات

 

"غير مُلزم"

عبر مواقع التواصل، انقسم العراقيون بين مؤيد ومعارض للقانون. ففي حين يرى المؤيدون ضرورة المحافظة على قدسية المدينة الدينية ويشدون على يد المحافظ، يعتبر المعارضون القانون "مقيداً للحريات الشخصية" بحجة قدسية المدينة.

المحامي محمد الكندي كتب على منصة "إكس" أنه من الناحية القانونية فإن "قانون قدسية كربلاء، غير مُصوّت عليه من قبل البرلمان وهو ما يعني أنه غير نافذ وملزم، بالتالي فإن إغلاق المطعم مخالفة قانونية بحد ذاته".

وعلى المنصة ذاتها، تساءل المدوّن علي خالد عن الحدود الإدارية لقدسية مدينة كربلاء "من أين تبدأ في المحافظة وأين تنتهي؟".

في المقابل، كان من بين مؤيدي خطوة محافظ كربلاء لإزالة أشجار الأعياد، الباحث والأكاديمي حيدر البرزنجي الذي أثنى عليها باعتبارها "تحافظ على قدسية كربلاء".

 

مضمون مجهول

يقول الإعلامي حيدر محمد هادي لـ "ارفع صوتك" إن مجلس محافظة كربلاء السابق الذي تم حلّه عام 2020، حاول مرات عديدة تشريع "قانون قدسية كربلاء". لكنه لم يلقَ قبولاً في أروقة مجلس النواب، ما دفع المجلس إلى "تشريع قانون خاص داخل المحافظة، وهو مخالف للمادة 38 من الدستور العراقي كونه يجرد الشخص من حريته".

ويرى هادي أن "البعض لا يفهم معنى الحرية إلا باعتبارها دعوة للانحلال والتعري، لكنها في الحقيقة تعني التحرر الفكري والثقافي والفني وحرية التعبير"، متهماً جهات لم يسمّها بـ"محاولة الانتفاع والمتاجرة بالدين والمنابر للاستحواذ على الأموال باستخدام لفظة القدسية".

ويتساءل عن "حقيقة قدسية المدينة" وسط "تفشي ظاهرة تعاطي المخدرات وانتشار التسول وسرقات المال العام وموارد الدولة"، وعن غياب القدسية "حين دخلت جهات مسلحة إلى المدينة واغتالت الروائي علاء مشذوب، والناشطين في تظاهرات تشرين فاهم الطائي وإيهاب الوزني بالقرب من ضريح الإمام الحسين!".

في السياق نفسه، يقول القانوني عاصف الخزرجي إن القدسية "تتعلق بأماكن العبادة، حيث يتعبد المؤمنين داخل الأضرحة" مبيناً لـ"ارفع صوتك" أن "دائرة القدسية أخذت تتوسع إلى المناطق المحيطة وصولاً للصحراء".

ويتساءل: "ما محددات المنطقة المقدسة التي يتحدثون عنها في بلد متعدد الأديان والثقافات وحتى الاتجاهات الفكرية داخل الطائفة الواحدة؟".

أما المبدأ الذي انطلق منه "قانون قدسية كربلاء" فهو بحسب الخزرجي، "نابع من تفكير سلطوي لنخبة صغيرة تتنافس في ما بينها لإظهار تديّن غير حقيقي، بهدف السيطرة على المدينة وتحويل القدسية إلى سوط لجلد مواطنيها".

ويدعو أهالي كربلاء إلى "التوجه إلى المحكمة الاتحادية من أجل نقض القانون، الذي لم يتم نشره أو التعريف به من قبل المجلس، ولم يطّلع عليه أي شخص على الإطلاق، كونه يخالف الدستور ومبادئ حقوق الإنسان".

 

تعليق المحافظة

رد المكتب الإعلامي لمحافظة كربلاء على تساؤلات وملاحظات المعترضين على "قانون" القدسية بأن القوانين العراقية "أتاحت لمجلس المحافظة إقرار قوانين خاصة بالمدن في كافة أنحاء العراق وليس في كربلاء فحسب".

وبالنسبة لتحديد الحدود الإدارية للمناطق المقدسة في كربلاء أسوة ببقية المحافظات، أوضح المكتب أنه "من الصعب تحديد منطقة المقدسات لأن محافظة كربلاء صغيرة جداً".

لذلك، اعتبر مجلس المحافظة السابق الذي أقر القانون أن "جميع مناطق كربلاء مقدسة ويجب الالتزام بقانون قدسية المدينة في جميع مناطقها على السواء"، وفق المكتب الإعلامي.

تبلغ مساحة محافظة كربلاء 5560 كيلومترا مربع، وتضم سبع وحدات إدارية تشكل ثلاثة أقضية ويتجاوز عدد سكانها مليون نسمة.

وفي معرض رد المكتب الإعلامي على طلب فريق "ارفع صوتك" لنسخة من "قانون قدسية كربلاء" الذي لم يتم نشره منذ إقراره عام 2012، وعد المكتب بتزويدنا بنسخة منه، إلا أنه اعتذر في الأيام التالية بسبب "الانشغالات الكثيرة".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

مجلس القضاء الأعلى في العراق
مجلس القضاء الأعلى في العراق- أرشيفية

"يحق لكل محافظة أو أكثر تكوين إقليم بناء على طلب بالاستفتاء عليه"، بحسب نص المادة ١١٩ من الدستور العراقي، الذي صادق عليه العراقيون في استفتاء شعبي عام 2005. لكن رئيس مجلس القضاء الأعلى، فائق زيدان، قال خلال استقباله الإدارة الجديدة لمحافظة الأنبار في 18 فبراير الحالي إن "فكرة إنشاء أقاليم أخرى مرفوضة".

وقال زيدان إنه يدعم إدارة محافظة الأنبار في الوقوف ضد أي أفكار "تهدد وحدة وسلامة أمن العراق"، معتبرا أن الواقع الجغرافي والقومي لإقليم كردستان موجود قبل نفاذ دستور جمهورية العراق سنة 2005 وتحديداً سنة 1991 إثر غزو الكويت.

وفي بيان صادر عن مجلس القضاء الأعلى، أضاف زيدان أن "الدستور تضمن الأحكام الخاصة بتنظيم الأقاليم، إلا أن ظروف صياغة الدستور  تغيرت الآن ومعظم من كانت لديه القناعة بهذه الأحكام مقتنع الآن بضرورة تغييرها قدر تعلق الأمر ببقية المحافظات عدا إقليم كردستان".

من جهته، يعتبر الناشط السياسي، برهان النجرس، وهو من دعاة تشكيل إقليم الأنبار، تصريحات زيدان بمثابة "خطوة لإنهاء النظام الفيدرالي في البلاد والعودة إلى المركزية".

ويقول لـ"ارفع صوتك" إن الأنبار لن تتنازل عن حقها الدستوري والقانوني بتشكيل إقليم فيدرالي.

ويضيف: "في الأيام المقبلة سنمارس ضغطاً جماهيرياً على مجلس المحافظة من أجل المضيّ بالفدرالية، لكن في حال عدم مضيّ مجلس المحافظة سوف تكون هناك تظاهرات سلمية".

ووفق الدستور العراقي، يحق لأي محافظة التقدم بإنشاء إقليم عبر طريقتين: طلب من ثلث الأعضاء في كل مجلس من مجالس المحافظات التي تروم تكوين الإقليم أو طلب من عُشر الناخبين في كل محافظة من المحافظات الساعية لتشكيل إقليم.

وتعتبر محافظة البصرة من أولى المحافظات العراقية التي تطالب منذ سنوات بإنشاء إقليم البصرة، وقدم البصريون عام 2015 طلباً للمفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق، لإجراء استفتاء عام كخطوة أولى لتأسيس الإقليم، لكن الطلب لم يلق استجابة من قبل الحكومة الاتحادية في بغداد، بينما لا يزال سكان المحافظة متمسكين بمطلبهم.

في السياق نفسه، ترى الناشطة المدنية زهراء حاتم الخفاجي، وهي عضوة منظمة "بصرياثا للثقافة الاتحادية"، أن تصريحات زيدان "لن تؤثر على مطالبات البصريين بإنشاء إقليمهم الفيدرالي".

وتضيف لـ"ارفع صوتك": "الآن أصبحت لدينا أحزاب تطالب بالفيدرالية، ومجرد وقت ستصل هذه الأحزاب لمجلس المحافظة وتصوت للإقليم".

وتتوقع الخفاجي أن تؤثر تصريحات زيدان على منصبه، باعتباره رئيسا للمجلس الأعلى للقضاء، وقد "يتم انتخاب رئيس جديد لمجلس القضاء بدلا منه من أجل حماية الدستور"، على حد قولها.

وطالما كان مطلب إنشاء الأقاليم الفيدرالية حاضرا في غالبية الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها عدد من المحافظات خلال السنوات الماضية، لكن الاستجابة لهذه المطالب أجلت خلال السنوات الماضية من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة لأسباب منها الحرب ضد داعش والأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد منذ سنوات. 

يشرح المحلل السياسي رمضان البدران أن "الأقاليم تعني إعادة بناء نظام الإدارة وإعادة نظام توزيع المال والحقوق والتصرفات، وهذا كله مهم جدا في إعادة بناء الدولة العراقية، الدولة التي تعثرت بسبب المركزية والشمولية لمدة قرن كامل، وقد آن الأوان أن يُعاد النظر في أسلوب إدارتها وأسلوب حكمها".

ويستبعد أن تمضي المحكمة الاتحادية في تبني أو قبول أي مشروع له علاقة بإلغاء أحقية المحافظات في إنشاء أقاليم، وإن حدث ذلك، يعني أن "العراق سيكون في مشكلة حقيقية والدستور في مشكلة حقيقية، وستدخل الدولة العراقية مرحلة اللاهوية لنضالها السياسي ونظامها الإداري والاقتصادي"، وفق تعبيره.

بالنسبة للبدران، فإن الأقاليم تحصيل حاصل، وما المحافظات سوى "حالة مؤقتة لن يُبقي عليها العراق مستقبلاً".