هناك أكثر من ألف عراقي انتحر خلال عام 2022 يقابلها أكثر من عشرين ألف محاولة انتحار- تعبيرية
هناك أكثر من ألف عراقي انتحر خلال عام 2022 يقابلها أكثر من 20 ألف محاولة انتحار- تعبيرية

خمس سنوات مرت على انتحار العراقي محمد قاسم (اسم مستعار)، مع ذلك يبدو وقع الحادثة على صديقه المقرب وابن خالته رياض، وكأنها حصلت في الأمس. يقول "لا أعرف كيف تجرأ وأطلق النار على نفسه".

وثقت كاميرات المراقبة في حديقة منزل قاسم انتحاره بسبب مشاكل عائلية، قادته سابقاً إلى الهرب ومحاولة لم تنجح للسفر بطريقة غير شرعية إلى خارج العراق.

بتأثر بالغ وصوت متهدج يروي رياض لـ"ارفع صوتك": "على غير عادته، كان قاسم هادئاً جداً خلال الأيام التي سبقت انتحاره. في ذلك اليوم، أخرج سلاح العائلة وسار به إلى الحديقة في وقت مبكر جداً، جلس على الكرسي ثم لقم السلاح ووجه فوهته إلى قلبه مباشرة".

"هذه هي الحقيقة، لكن ما يعرفه الناس أنه كان ينظف السلاح وأُطلقت الرصاصة سهواً"، يضيف رياض.

في قصة أخرى، تمكنت عائلة عمار سعيد من إنقاذ ابنها عندما حاول الانتحار بقطع رسغ يده، بعد أن رفضته عائلة الفتاة التي يحبها، وزوجتها لآخر. "كانت أياماً صعبة وأُصبت بارتفاع ضغط الدم"، تقول والدة عمار بانزعاج واضح.

وتؤكد لـ"ارفع صوتك" أن "محاولة انتحار الشخص لا تؤثر عليه فقط، بل على جميع أفراد عائلته. دائماً ما نعيش في قلق خشية أن يتكرر الأمر. لكن، في حالة عمار، كان الأمر أزمة عاطفية وانتهت تماماً بعد زواجه، وننتظر اليوم مولوده الأول".

"مع ذلك ثمة خوف في داخلي دائماً"، تتابع والدته.

 

الأرقام في تزايد

جاء العراق في المرتبة 150 عالمياً ١٣ عربياً بـ 3.6 حالة انتحار لكل 100 ألف شخص خلال عام 2023، وهي نسبة منخفضة مقارنة ببقية الدول، بحسب مجلة ceworld.

مع ذلك، فإن عدد حالات الانتحار في ارتفاع مستمر، بحسب إحصائيات الفترة 2016- 2022، وكانت على التوالي: 343، 449، 519، 588، 644، 863، 1073. هذه الأرقام لا تشمل الحالات في إقليم كردستان العراق، وفقاً للمتحدث السابق باسم وزارة الداخلية خالد محنا.

تزايد حالات الانتحار في العراق أقلق منظمة الصحة العالمية، التي أكدت أن عدم التصدي لهذه الظاهرة، سيلحق خسائر كبيرة بالأفراد والمجتمعات في البلد.

عالمياً، يموت نحو 800 ألف شخص نتيجة الانتحار سنوياً، وتقابل كل حالة موت منها أكثر من 20 محاولة لم تنجح. وحسب هذه الأرقام، فإن هناك أكثر من ألف عراقي انتحر خلال عام 2022 قابلتها أكثر من عشرين ألف محاولة انتحار لم تكن ضمن الإحصاءات.

على مدى سنوات عدة، بحسب الأمم المتحدة، عانت العديد من العائلات العراقية مشكلات في الصحة العقلية، سببتها النزاعات السابقة والأوضاع الاقتصادية، كما أن هناك عوامل أخرى من بينها القيود التي تحول دون الوصول إلى خدمات الصحة العقلية والاكتئاب والأرق بين السكان وبعض المتخصصين في الرعاية الصحية.

 

مواطنون يعلّقون

لؤي حسان وهو مواطن عراقي، يرى أن "الابتعاد عن الله سبباً للإقدام على الانتحار، لأن الإنسان القريب من ربه مهما بلغت به الظروف سوءاً ومهما بلغت معاناته سوف يتسلح بالصبر وانتظار الفرج سبحانه في أي لحظه ولا يلجأ لقتل نفسه"، على حد تعبيره.

بالنسبة لحيدر العيساوي، لا تبدو فكرة الانتحار غريبة عن العراقيين كما يقول لـ"ارفع صوتك" إن "كل شيء في العراق يجعلك تصل إلى هذا القرار"، في إشارة إلى الظروف الاقتصادية والسياسية.

من جهته، يلقي علي الكرعاوي، باللائمة على الحكومة العراقية، ذلك لأنها "لم تلبّ متطلبات الشعب، خصوصاً شريحة الشباب، التي تعاني وضعاً اقتصادياً صعباً وتعيش في ظروف أمنية وسياسية متوترة على الدوام".

يذهب أبو إبراهيم إلى سبب آخر هو "المخدرات" إضافة إلى الفقر، بينما يشير طالب السادس الإعدادي ياسين سمير، أن "هناك طلاباً يصلون إلى مرحلة التفكير بالانتحار والإقدام عليه بسبب الضغط النفسي الذي يعيشونه".

"العيش في هذا البلد بحد ذاته أكبر دافع للانتحار"، هكذا اختصر هيثم سامي إجابته.

يعلق على الآراء قتيبة الهجرس، باعتبارها "أعراضاً لمرض حقيقي في العراق يتعلق بإفقار الشعب وتعمّد تجهيله لتسهيل الهدر وسرقة المال العام، ما أدى إلى حالة من الإحباط النفسي والمجتمعي".

"في الحياة اليومية نسمع الكثير من العراقيين بأعمار مختلفة وهم يتمنون الموت، فالوضع العام يسبب الإحباط لعدم قدرتهم على الوصول إلى متطلبات الحياة الأساسية"، يقول الهجرس.

 

رأي نفسي

خلال عمله الطويل في مجال الطب النفسي، يؤكد الدكتور محمد القريشي، أن "دوافع الإقدام على الانتحار تأتي نتيجة الكآبة بالدرجة الأولى، بعدها الفصام واضطرابات السلوك والإدمان".

وأسباب الاكتئاب عديدة مثلما يوضحها: "الإحباط لأسباب تتعلق بالظرف الاقتصادي أو الضغوط الاجتماعية التي تؤدي إلى اليأس من الحياة ومحاولة التخلص منها".

وينبه في حديثه مع "ارفع صوتك"، إلى اعتقاد ينتشر بين الأفراد حتى لدى بعض الأطباء، بأن "مَن يُهدد بالانتحار لن يُقدم عليه، لأن المريض النفسي إذا ما هدد بالانتحار فإنه على الأغلب سينفذ ذلك، ويجب أخذ كلامه على محمل الجد".

ويرى أن "الأرقام المعلنة لحالات الانتحار أقل بكثير من الأرقام الحقيقية، إذ تُسجل الكثير من الحالات على أنها حوادث عرضية أو أن الموت نتج عن مرض".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

السلطات الطاجيكية تشن حملة قمع ضد اللحى والحجاب
السلطات الطاجيكية تشن حملة قمع ضد اللحى والحجاب

بدأت طاجيكستان حملة قمع واسعة تستهدف المظاهر الدينية كاللحى الطويلة والحجاب، بعد اتهام عدد من الطاجيكيين بتنفيذ هجوم إرهابي كبير في موسكو، بحسب تقرير مطول لصحيفة "نيويورك تايمز".

وأشار مسؤولون أميركيون إلى أن تنظيم "داعش-خراسان" المتطرف، الذي ينشط في آسيا الوسطى، كان وراء الهجوم، وهو ما سلط الضوء على الدور الذي يلعبه الطاجيك المتطرفون في تنفيذ عمليات إرهابية على مستوى العالم.

وبعد اعتقال رجال طاجيك واتهامهم بشن هجوم إرهابي على قاعة حفلات في موسكو في مارس الماضي، أدى إلى مقتل 145 شخصاً وإصابة أكثر من 500، كان المواطنون هناك يتوقعون حملة قمع حكومية.

وتستعرض الصحيفة قصة فتاة طاجيكية في الـ27 من العمر، شاهدت عناصر من السلطات المحلية تحمل مقصا خارج أحد المطاعم في دوشانبي، عاصمة طاجيكستان، وهي تقص اللحى التي اعتبرت طويلة للغاية.

وتعرضت الفتاة بحسب حديثها للصحيفة إلى الاعتقال عدة مرات حتى قررت التخلي عن الحجاب حتى لا يؤثر على مستقبلها المهني.

 وتفرض الحكومة الطاجيكية برئاسة إمام علي رحمن، الذي يتولى السلطة منذ أكثر من ثلاثة عقود، كثيرا من القيود ومنها حظر الحجاب في المدارس منذ عام 2007 والمؤسسات العامة في طاجيكستان منذ عام 2009.

واعتمد البرلمان في الدولة ذات الأغلبية المسلمة التي يبلغ عدد سكانها حوالي 10 ملايين نسمة مسودة تعديلات على قانون "التقاليد والاحتفالات" والتي ستحظر ارتداء "الملابس الغريبة عن الثقافة الطاجيكية"، وهو مصطلح يستخدمه المسؤولون على نطاق واسع لوصف الملابس الإسلامية، بحسب إذاعة أوروبا الحرة "راديو ليبرتي". 

وتمنع التعديلات أيضا استيراد تلك الملابس وبيعها والإعلان عنها.

وفرضت غرامات مالية كبيرة  تتراوح ما بين 660 إلى 1400 دولار على من يخالف هذه القوانين، ما يزيد الضغط على السكان في بلد يعاني من الفقر والبطالة.

وفي عام 2018، قدمت طاجيكستان دليل الملابس الموصى بها الذي يحدد ألوان الملابس وأشكالها وأطوالها وموادها "المقبولة".

وأنشأت الحكومات المحلية فرق عمل خاصة بينما داهمت الشرطة الأسواق لاعتقال "المخالفين"، بحسب "راديو ليبرتي". 

فرق عمل حكومية في طاجيكستان تغرم النساء اللاتي ترتدين الحجاب في الشوارع

يُظهر مقطع فيديو حديث يُزعم أنه لموظفي مستشفى في جنوب طاجيكستان وهم يساعدون زائرتين ترتديان الحجاب في تنسيق غطاء الرأس "على الطريقة الطاجيكية" بربطه خلف رأسيهما كوشاح، بحسب راديو "ليبرتي". 

 

 

ويبدو أن المنطق وراء هذا هو القضاء على المظاهر العامة للإسلام المحافظ، وهو ما تعتقد الحكومة أن من شأنه أن يساعد في كبح جماح الإسلام المحافظ والحد من التطرف.

ورغم هذه التدابير، يشير خبراء مكافحة الإرهاب إلى أن هذه السياسة قد تأتي بنتائج عكسية.

ويرى لوكاس ويبر، المؤسس المشارك لمنظمة "ميليتانت واير" التي تركز على بحث نشاط الجماعات المتطرفة، إن الحملة القمعية التي تقودها الحكومة قد تؤدي إلى زيادة الغضب والاحتقان الاجتماعي، مما يغذي مزيدا من التطرف بدلا من الحد منه.

وأضاف أن ردود الفعل الحكومية على الهجمات الإرهابية قد تكون بالضبط ما يسعى إليه المتطرفون، إذ يرغبون في تأجيج التوترات بين المواطنين والسلطات.

إلى جانب القمع الداخلي، زادت طاجيكستان من تعاونها الأمني مع روسيا بعد الهجوم الإرهابي في موسكو، حيث يُنظر إلى الطاجيكيين المهاجرين في روسيا بريبة متزايدة.

ويعمل حوالي مليون طاجيكي في روسيا، ما يمثل نحو 10 في المئة من سكان البلاد، وهم يرسلون أموالا حيوية لعائلاتهم في الوطن.

ولكن في أعقاب الهجمات، أصبح الطاجيكيون هدفا رئيسيا للمداهمات الأمنية في روسيا، لتفتيش مساكنهم وأوراقهم الثبوتية بانتظام.

هذا الاعتماد الكبير على روسيا لم يمنع طاجيكستان من تعزيز علاقاتها مع دول أخرى، فقد بدأت أيضاً في تعزيز التعاون مع الصين، رغم التقارير التي تفيد ببناء قاعدة صينية في شمال البلاد، وهي تقارير نفتها بكين.

ووقعت طاجيكستان اتفاقية أمنية مع الولايات المتحدة في مايو الماضي، تهدف إلى تحسين مراقبة الأشخاص الذين يدخلون البلاد ويشتبه في صلتهم بالجماعات المتطرفة.

ويرى مراقبون أن التركيز على المظاهر الدينية قد لا يكون حلا فعالا لمكافحة الإرهاب، خاصة أن بعض أفراد عائلات المتهمين في الهجوم الإرهابي في موسكو أشاروا إلى أن المتورطين لم يظهروا أي علامات خارجية على التدين أو التطرف، مما يدل على أن هؤلاء المتطرفين قد يحاولون التهرب من التدابير الأمنية من خلال الابتعاد عن المظاهر الإسلامية التقليدية، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز".

وقالت جولراكات ميرزوييفا (59 عاما)، والدة أحد المتهمين في الهجوم، إن ابنها لم يكن متدينا بشكل علني ولم يظهر أي ميول للتطرف.

وأشارت إلى أن الفقر والظروف الاقتصادية القاسية هي التي دفعت ابنها إلى السفر مرارا للعمل في روسيا لتوفير احتياجات أسرته.

كان المهاجمون الأربعة المتهمون يعملون في روسيا لعدة أشهر على الأقل، وكان بعضهم يقوم برحلات متكررة للدخول والخروج.

ويشير خبراء في مجال حقوق الإنسان إلى أنه بدلا من أن تعالج الدولة المشاكل الجوهرية مثل الفساد وانعدام العدالة الاجتماعية، تبحث عن أمور مظهرية قد لا يكون لها علاقة بجذور أزمة التطرف. 

وقال العديد من سكان دوشانبي لراديو ليبرتي إنهم لا يدعمون حظر أنواع معينة من الملابس لأنهم يعتقدون أن الناس يجب أن يكونوا أحرارا في اختيار الملابس التي يريدون ارتدائها.