نخيل العمارة مهدد بعمليات التجريف الواسعة/إرفع صوتك
نخيل العمارة مهدد بعمليات التجريف الواسعة/إرفع صوتك

لم تمنع شكوى أبو سامر ولفيف من العوائل التي تسكن محلة 510 في منطقة شارع فلسطين شرقي بغداد، من استثمار قطعة أرض خضراء عامة وتحويلها إلى مبانٍ ومشيدات، بعد أن شكلت وعلى طيلة عقود متنفساً لسكان المحلة.

الحال ذاته مع سكان آخرين في منطقة الطالبية شرقي العاصمة أيضاً، بعد أن عاشوا الصدمة بين ليلة وضحاها بتحول منطقة خضراء تتوسط منازلهم إلى هيكل بناء لم تعرف ملامحه، وفقاً لما قالوا، دون أن يجدوا جواباً بشأن من هؤلاء ومن أعطاهم الحق بتصحير منطقتهم.

وعلى مدار أكثر من عقدين، شهدت العاصمة بغداد ومدن أخرى، تجاوزات كبيرة على التصاميم الأساسية والاستيلاء على بعض المساحات الخضراء وتحويلها إلى مبان تجارية وسكنية، مما تسبب بحالة من الاختناق السكاني والتشوه العمراني وإرباك في مستوى الخدمات.

وبحسب وزارة التخطيط، تعيش في بغداد نحو 11 مليون نسمة من مجموع 42 مليون في عموم العراق، يتوزع أغلبهم عند المناطق الشرقية والوسطى من العاصمة، في وقت تعاني البلاد من أزمة سكن خانقة، تسببت بانتشار العشوائيات واضمحلال المناطق الخضراء.

وبرزت خلال السنوات العشر الأخيرة، وبشكل واضح وجلي، عمليات الاستيلاء على الأراضي الزراعية وتحويل جنسها، مما أفقد بغداد الكثير من مساحاتها الخضراء والأحزمة التي تطوق مداخلها .

جانب من نهر دجلة في منطقة الكاظمية في بغداد
نائب عراقي: سنخسر ثلثي أراضينا الزراعية جراء تشغيل سد تركي
قال رئيس كتلة بدر النيابية العراقية محمد ناجي الأحد إن العراق سيخسر نحو ثلثي أراضيه الزراعية إذا تم تفعيل سد أليسو الذي تبنيه تركيا على نهر دجلة.

وأضاف ناجي في مؤتمر صحافي إن تركيا "لا تعترف بحقوق العراق التاريخية والطبيعية بنهر دجلة، كما أنها لا تعترف بقواعد القانون الدولي".

وتُتهم ميليشيات وقوى نافذة، بعمليات الاستيلاء على تلك الأراضي بقوة السلاح والمال، مما تسبب بظهور مدن ومناطق صارت تشكل أكثر من 30% من مجموع المشيدات السكنية في العاصمة بغداد، وفقاً لمختصين.

وكشفت وزارة الزراعة في أغسطس ٢٠٢٣، عن فقدان البلاد لأكثر من 82 ألف دونم زراعي، نتيجة  لما وصفتها بـ"عمليات تجريف ممنهجة" تستهدف الأراضي الزراعية والبساتين، مما تسبب بارتفاع معدلات التصحر وقلة الإنتاج الزراعي .

يقول المهندس المعماري ثائر الفيلي وهو مختص في تصاميم المدن الحديثة، إن "نسبة المساحات الخضراء يجب ألا تقل عن 50% من مجموع الكتل البنائية في أي مدينة".

ويضيف لـ"أرفع صوتك"، أن "العراق سجل تراجعاً خلال الفترات الماضية على مستوى المساحات الخضراء، حيث لم ينخفض عن مستوى 40%، إلا أنه بعد 2003، شهد انخفاضاً بشكل كبير وصل مؤخراً إلى  15% ، وهذا يمثل حالة انهيار  كبيرة".

ويحذر الفيلي: "نحن أمام كارثة عمرانية واقتصادية ما لم نجد حلولاً ومعالجات علمية وعملية للحفاظ على ما تبقى، مع أن فرص العودة بالمدن إلى حالة التعافي صعبة جداً".

وفي نوفمبر 2022، أصدر رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني، قراراً اقتضى بموجبه تعديل أمانة بغداد والمؤسسات البلدية في المحافظات، التصميم الأساسي للمدن وتغيير الاستعمالات المختلفة للأراضي المشيّدة عليها وحدات سكنية بشكل عشوائي والمملوكة للدولة، والمشيدة قبل صدور هذا القرار.

وأعلنت أمانة بغداد في سبتمبر 2023، عن خطة تتضمن استحداث 108 حدائق وزراعة أكثر من 5 ملايين شتلة و375 ألف شجرة وشجيرة لزيادة المسطحات الخضراء في العاصمة.

وبحسب تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية  (الفاو)، صدر عام 2021،  فإن العراق من أكثر دول العالم تأثراً بالتغيرات المناخية  بارتفاع مستويات التصحر والجفاف، مما استدعى الجهات المعنية إلى التحرك لمواجهة هذه التحديات.

يقول رئيس لجنة الصحة والبيئة النيابية ماجد شنكالي لـ"أرفع صوتك": "هناك ضرورة أن تكون للحكومة  قرارات أكثر جرأة في موضوع الزحف على الأراضي الزراعية والتجاوز على المبان والعشوائيات وغيرها".

ويشير إلى أن "اهتمام المسؤولين والقِوى السياسية ينصب على الوزارات التي تجلب المال، مما جعل المواقع الأخرى ذات اهتمام ثانوي".

واتهم شنكالي ما أسماهم بـ"أمراء الحرب والمتنفذين المرتبطين بكتل سياسية وبعض البرلمانيين، بالسعي وراء تجريف أراض زراعية وتحويلها إلى مشاريع تجارية أو بيعها لأغراض السكن".

ويحمل عضو لجنة الزراعة والمياه النيابية فالح الخزعلي، الحكومة الاتحادية مسؤولية تجريف البساتين وتحويلها إلى مدن مأهولة بالسكان على حساب التخطيط الأساسي.

ويشير خلال حديثه لـ"ارفع صوتك" إلى "وجود حالة من التواطئ إزاء ما حدث ومازال يحدث في هذا الملف الحساس، يستدعي من الجهات التنفيذية التدقيق والتحقيق".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

السلطات الطاجيكية تشن حملة قمع ضد اللحى والحجاب
السلطات الطاجيكية تشن حملة قمع ضد اللحى والحجاب

بدأت طاجيكستان حملة قمع واسعة تستهدف المظاهر الدينية كاللحى الطويلة والحجاب، بعد اتهام عدد من الطاجيكيين بتنفيذ هجوم إرهابي كبير في موسكو، بحسب تقرير مطول لصحيفة "نيويورك تايمز".

وأشار مسؤولون أميركيون إلى أن تنظيم "داعش-خراسان" المتطرف، الذي ينشط في آسيا الوسطى، كان وراء الهجوم، وهو ما سلط الضوء على الدور الذي يلعبه الطاجيك المتطرفون في تنفيذ عمليات إرهابية على مستوى العالم.

وبعد اعتقال رجال طاجيك واتهامهم بشن هجوم إرهابي على قاعة حفلات في موسكو في مارس الماضي، أدى إلى مقتل 145 شخصاً وإصابة أكثر من 500، كان المواطنون هناك يتوقعون حملة قمع حكومية.

وتستعرض الصحيفة قصة فتاة طاجيكية في الـ27 من العمر، شاهدت عناصر من السلطات المحلية تحمل مقصا خارج أحد المطاعم في دوشانبي، عاصمة طاجيكستان، وهي تقص اللحى التي اعتبرت طويلة للغاية.

وتعرضت الفتاة بحسب حديثها للصحيفة إلى الاعتقال عدة مرات حتى قررت التخلي عن الحجاب حتى لا يؤثر على مستقبلها المهني.

 وتفرض الحكومة الطاجيكية برئاسة إمام علي رحمن، الذي يتولى السلطة منذ أكثر من ثلاثة عقود، كثيرا من القيود ومنها حظر الحجاب في المدارس منذ عام 2007 والمؤسسات العامة في طاجيكستان منذ عام 2009.

واعتمد البرلمان في الدولة ذات الأغلبية المسلمة التي يبلغ عدد سكانها حوالي 10 ملايين نسمة مسودة تعديلات على قانون "التقاليد والاحتفالات" والتي ستحظر ارتداء "الملابس الغريبة عن الثقافة الطاجيكية"، وهو مصطلح يستخدمه المسؤولون على نطاق واسع لوصف الملابس الإسلامية، بحسب إذاعة أوروبا الحرة "راديو ليبرتي". 

وتمنع التعديلات أيضا استيراد تلك الملابس وبيعها والإعلان عنها.

وفرضت غرامات مالية كبيرة  تتراوح ما بين 660 إلى 1400 دولار على من يخالف هذه القوانين، ما يزيد الضغط على السكان في بلد يعاني من الفقر والبطالة.

وفي عام 2018، قدمت طاجيكستان دليل الملابس الموصى بها الذي يحدد ألوان الملابس وأشكالها وأطوالها وموادها "المقبولة".

وأنشأت الحكومات المحلية فرق عمل خاصة بينما داهمت الشرطة الأسواق لاعتقال "المخالفين"، بحسب "راديو ليبرتي". 

فرق عمل حكومية في طاجيكستان تغرم النساء اللاتي ترتدين الحجاب في الشوارع

يُظهر مقطع فيديو حديث يُزعم أنه لموظفي مستشفى في جنوب طاجيكستان وهم يساعدون زائرتين ترتديان الحجاب في تنسيق غطاء الرأس "على الطريقة الطاجيكية" بربطه خلف رأسيهما كوشاح، بحسب راديو "ليبرتي". 

 

 

ويبدو أن المنطق وراء هذا هو القضاء على المظاهر العامة للإسلام المحافظ، وهو ما تعتقد الحكومة أن من شأنه أن يساعد في كبح جماح الإسلام المحافظ والحد من التطرف.

ورغم هذه التدابير، يشير خبراء مكافحة الإرهاب إلى أن هذه السياسة قد تأتي بنتائج عكسية.

ويرى لوكاس ويبر، المؤسس المشارك لمنظمة "ميليتانت واير" التي تركز على بحث نشاط الجماعات المتطرفة، إن الحملة القمعية التي تقودها الحكومة قد تؤدي إلى زيادة الغضب والاحتقان الاجتماعي، مما يغذي مزيدا من التطرف بدلا من الحد منه.

وأضاف أن ردود الفعل الحكومية على الهجمات الإرهابية قد تكون بالضبط ما يسعى إليه المتطرفون، إذ يرغبون في تأجيج التوترات بين المواطنين والسلطات.

إلى جانب القمع الداخلي، زادت طاجيكستان من تعاونها الأمني مع روسيا بعد الهجوم الإرهابي في موسكو، حيث يُنظر إلى الطاجيكيين المهاجرين في روسيا بريبة متزايدة.

ويعمل حوالي مليون طاجيكي في روسيا، ما يمثل نحو 10 في المئة من سكان البلاد، وهم يرسلون أموالا حيوية لعائلاتهم في الوطن.

ولكن في أعقاب الهجمات، أصبح الطاجيكيون هدفا رئيسيا للمداهمات الأمنية في روسيا، لتفتيش مساكنهم وأوراقهم الثبوتية بانتظام.

هذا الاعتماد الكبير على روسيا لم يمنع طاجيكستان من تعزيز علاقاتها مع دول أخرى، فقد بدأت أيضاً في تعزيز التعاون مع الصين، رغم التقارير التي تفيد ببناء قاعدة صينية في شمال البلاد، وهي تقارير نفتها بكين.

ووقعت طاجيكستان اتفاقية أمنية مع الولايات المتحدة في مايو الماضي، تهدف إلى تحسين مراقبة الأشخاص الذين يدخلون البلاد ويشتبه في صلتهم بالجماعات المتطرفة.

ويرى مراقبون أن التركيز على المظاهر الدينية قد لا يكون حلا فعالا لمكافحة الإرهاب، خاصة أن بعض أفراد عائلات المتهمين في الهجوم الإرهابي في موسكو أشاروا إلى أن المتورطين لم يظهروا أي علامات خارجية على التدين أو التطرف، مما يدل على أن هؤلاء المتطرفين قد يحاولون التهرب من التدابير الأمنية من خلال الابتعاد عن المظاهر الإسلامية التقليدية، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز".

وقالت جولراكات ميرزوييفا (59 عاما)، والدة أحد المتهمين في الهجوم، إن ابنها لم يكن متدينا بشكل علني ولم يظهر أي ميول للتطرف.

وأشارت إلى أن الفقر والظروف الاقتصادية القاسية هي التي دفعت ابنها إلى السفر مرارا للعمل في روسيا لتوفير احتياجات أسرته.

كان المهاجمون الأربعة المتهمون يعملون في روسيا لعدة أشهر على الأقل، وكان بعضهم يقوم برحلات متكررة للدخول والخروج.

ويشير خبراء في مجال حقوق الإنسان إلى أنه بدلا من أن تعالج الدولة المشاكل الجوهرية مثل الفساد وانعدام العدالة الاجتماعية، تبحث عن أمور مظهرية قد لا يكون لها علاقة بجذور أزمة التطرف. 

وقال العديد من سكان دوشانبي لراديو ليبرتي إنهم لا يدعمون حظر أنواع معينة من الملابس لأنهم يعتقدون أن الناس يجب أن يكونوا أحرارا في اختيار الملابس التي يريدون ارتدائها.