صورة من إحدى المسرحيات العراقية، المصدر: صفحة الممثل المسرحي علاء قحطان
صورة من إحدى المسرحيات العراقية، المصدر: صفحة الممثل المسرحي علاء قحطان

يخطط العراق لبناء وإعادة إعمار مسارحه ليكون عام 2024 "عام نهضة المسرح"، بعد سنوات من التراجع والإهمال، نتيجة الحروب المتتالية وغياب الاستقرار الأمني وتردّي الوضع الاقتصادي، إضافة إلى ضعف إقبال الجمهور.

وشهدت بداية العام الحالي انطلاقة مختلفة للمسرح بعد استضافته "مهرجان المسرح العربي"، الذي أقيم لأول مرة في بغداد بدورته الرابعة عشرة، للفترة (10-18 يناير)، رافقه حضور جماهيري كبير أحيى الأمل بعودة الجمهور إلى المسارح.

يقول الكاتب المسرحي مثال غازي لـ"ارفع صوتك"، إن "المسرح العراقي عانى طيلة العقدين الماضيين من التراجع والنكوص وقلة حضور الجمهور".

والسبب برأيه "الظروف الأمنية والاقتصادية ووضع البلد غير المستقر بشكل عام، حتى يكاد يكون الحضور محصوراً باتجاه النخب خصوصاً بالنسبة للمسرح الجاد"، على حد قوله.

قبل تلك الأحداث كان المسرح العراقي، بحسب غازي، من أكثر المسارح حيوية وارتباطاً بحياة الناس منذ تأسيسه في عشرينيات القرن الماضي، وصولاً إلى حقبة الثمانينيات التي تُعتبر ثريّة، رغم الحرب.

ويتابع: "أما التراجع الحقيقي فكان في حقبة التسعينيات، عندما ألقى الحصار الاقتصادي والسياسة بظلالهما القاتمة على المشهد المسرحي العراقي".

مع كل تلك الأحداث التي مر بها المسرح، إلا أنه لم ينته، وله "وجود مهم" على المستويين المحلي والعربي. فهو كما يقول غازي "قويّ ويستند على إرث رصين بفضل مؤسسيه الذين حرصوا على بناء أعمدته ليكون مقاوماً للزمن".

 

نشأة المسرح العراقي

أورد كتاب "الحياة المسرحية في العراق" لأحمد فياض المفرجي، أن بداية ظهور المسرح في العراق كانت من مدينة الموصل، وطبع أول كتاب مسرحي عام 1893، متضمناً مسرحية "لطيف وخوشابا"، التي تولى نعوم فتح الله سحار، ترجمة نصها عن اللغة الفرنسية وإسقاط موضوعها على واقع المجتمع العراقي وصوغ حوارها بلغة دارجة.

خلال العقدين الأولين من القرن العشرين، لم تظهر أي فرقة تمثيلية في العراق، فقد تبنت المدارس هذا النشاط ومارسته وعرضته للجمهور العام وشجعت طلابها على الإقبال عليه والولع به، وكان المعلمون يتولون الإخراج، بينما يؤدي الطلبة الأدوار.

في إطار هذه الفترة، بحسب الكتاب، شاهد الجمهور عروضاً باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية، أما بعد الاحتلال البريطاني وخلال الفترة التي سبقت عام 1921، فظهرت النوادي والتجمعات التي تسترت بالنشاطات الاجتماعية والثقافية العامة، وهي في جوهرها كانت تعمل من أجل إذكاء الروح الوطنية وتأجيجها ضد المحتل.

لعبت هذه النوادي دوراً مهماً في إنعاش النشاط المسرحي إلى أن صدر أول قانون للجمعيات عام 1922، سُمح بموجبه بتشكيل الجمعيات الفنية.

حصل الفنان الرائد محمد خالص الملا حمادي، على أول إجازة تأسيس لجمعية التمثيل العربي، التي أقامت حفلات تمثيلية عدة في بغداد والبصرة.

أبرز فرقة شُكلت في تلك المرحلة من تاريخ النشاط المسرحي العراقي، تحديداً عام 1927، هي "الفرقة التمثيلية الوطنية"، وارتبط اسمها بالفنان حقي الشبلي. 

كان لها دور كبير في إنعاش النشاط المسرحي وتوسيع رقعته، خاصة في النصف الأول من الثلاثينيات عندما التف حولها العديد من الشباب الهواة وامتلكوا خبرة أهلتهم في ما بعد لتأليف فرق جديدة ازدهرت طوال الثلاثينيات وحتى قيام الحرب العالمية الثانية، حيث ساد الحياة الفنية سبات مؤقت.

بين الخمسينيات والسبعينيات، أجيزت فرق تمثيلية عديدة في بغداد وعدد من المحافظات، منها فرقة "المسرح الحديث" و"المسرح الحر" و"المسرح الجمهوري"، بالإضافة إلى فرقة "الشعلة" و"المسرح العراقي" والطليعة" و"مسرح بغداد الفني".

أسباب تراجع المسرح

يتفق الفنان المسرحي فاضل عباس مع ما ذهب إليه زميله مثال غازي، فالعراق "بلد تنقل من حرب إلى أخرى ومن ظرف صعب إلى أصعب، ما أثر على المسرح بكل أشكاله".

وهو أمر طبيعي، كما يقول عباس لـ"ارفع صوتك"، لأن "أي متغير سياسي أو متغير يتعلق بالسلطة يؤثر على المشهد الفني تماماً ويبدله".

ويشرح تأثير السياسة على المسرح الذي كانت خشبته تتفاعل مع الواقع العراقي منذ تأسيسه، سواء كان الواقع احتلالا أو ثورة أو انقلاباً، فالمسرح "كان ملتصقاً بالهم السياسي والاجتماعي وكان لسان حال المجتمع الناطق الذي يتحدث عن الأزمات وهموم الحرب والموت المجاني، وكان قريباً جداً من الأحداث الساخنة بحيث يمكن أن نميز أحداث الواقع عبر ما كان يُقدم على خشبة المسرح"، على حدّ وصفه.

تغيرت تلك التوجهات مع حرب الثمانينيات، إذ كان هناك دافع للدولة لتقديم وجبة ترويحية لشعب غارق في ويلات الحرب، فأصبحت المسرحيات الشعبية متنفساً جماهيرياً وكان لها ترويج كبير، في الوقت ذاته كانت مؤثرة وجميلة ذات طابع مناسب للعائلات.

ومنذ ذلك الوقت، يتابع عباس: "بقي العمل الجاد نخبوياً للأسف، وحتى الآن لدينا مشكلة الابتعاد عن الجمهور المتنوع. جزء من هذه المشكلة سببه، أن المؤلف أو المخرج أصبح في هذا النوع من المسرح يبحث عن النص ذي الفلسفة والعمق واللغة العالية لأنه يفكر بالمهرجانات والجوائز".

يعدد غازي أيضاً أسباب تراجع المسرح، منها تقلص عدد الفرق المسرحية، في السابق كانت هناك فرق تتنافس فيما بينها، وكان المسرح موجوداً في المدارس والمناطق الشعبية، لكن ذلك لم يعد موجوداً.

ويلفت إلى أن :المسرح في التسعينيات شهد تراجعاً لصالح ما أطلق عليه لاحقاً المسرح التجاري الذي أثر على رأي الجمهور بالمسرح، وأسهم في عزوفهم، لأنه خلق نوعاً من النظرة الدونية للمسرح".

"بالإضافة إلى عزوف القطاع الخاص عن تمويل العمل المسرحي"، يقول غازي.

 

نهضة جديدة

بعد عقود من تراجع المسرح، عاد الأمل إلى الشارع العراقي بنهضته مجدداً عام 2021، حين أقيم مهرجان "المسرح العراقي" الذي كان متوقفاً منذ احتلال تنظيم "داعش" لمناطق واسعة من العراق عام 2014، ثم احتضان مهرجان المسرح الحالي هذا العام. كما سيحظى المسرح بجزء من التمويل الذي خصصته الحكومة العراقية للدراما التلفزيونية والمسرحية، بقيمة 13 مليار دينار عراقي (٨.٥ دولار أميركي).

يقول نقيب الفنانين العراقيين، مدير عام دائرة السينما والمسرح، جبار جودي، إن "الدائرة وضعت خططاً للمسرح العراقي بثلاثة اتجاهات، هي: التمويل والاستثمار وإعادة الإعمار".

ويضيف لـ"ارفع صوتك: "كنتيجة مباشرة لمبادرة الجهد الخدمي لرئاسة الوزراء لإعمار المسارح، وعلى خلفيتها وُضعت خطط عديدة ليكون هذا 2024 هو عام النهضة المسرحية في العراق".

الخطط الطموحة التي تحدث عنها جودي تتضمن بناء مسرحين جديدين أحدهما في الكرخ والآخر في الرصافة ببغداد.

ويتابع: "من المهم التركيز ليس على الإنتاج فقط، إنما أيضاً على الجودة، فنحن لا نسعى خلف الكم إنما نريد نوعاً إنتاجياً محترماً. ستتنوع الإنتاجات المسرحية بين الشعبي والأكاديمي والأجنبي والعربي، وستكون هناك خطة طموحة لمسرح الطفل نتمنى أن ننجح فيها بشكل ممتاز".

ويؤكد: "التمويل جزء من الخطة التي تعدها دائرة السينما والمسرح. نسعى لإيجاد تمويل من الموازنة العامة للدولة ونسير بهذا الاتجاه، وأعتقد أننا سنوفق فيه".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

مجلس القضاء الأعلى في العراق
مجلس القضاء الأعلى في العراق- أرشيفية

"يحق لكل محافظة أو أكثر تكوين إقليم بناء على طلب بالاستفتاء عليه"، بحسب نص المادة ١١٩ من الدستور العراقي، الذي صادق عليه العراقيون في استفتاء شعبي عام 2005. لكن رئيس مجلس القضاء الأعلى، فائق زيدان، قال خلال استقباله الإدارة الجديدة لمحافظة الأنبار في 18 فبراير الحالي إن "فكرة إنشاء أقاليم أخرى مرفوضة".

وقال زيدان إنه يدعم إدارة محافظة الأنبار في الوقوف ضد أي أفكار "تهدد وحدة وسلامة أمن العراق"، معتبرا أن الواقع الجغرافي والقومي لإقليم كردستان موجود قبل نفاذ دستور جمهورية العراق سنة 2005 وتحديداً سنة 1991 إثر غزو الكويت.

وفي بيان صادر عن مجلس القضاء الأعلى، أضاف زيدان أن "الدستور تضمن الأحكام الخاصة بتنظيم الأقاليم، إلا أن ظروف صياغة الدستور  تغيرت الآن ومعظم من كانت لديه القناعة بهذه الأحكام مقتنع الآن بضرورة تغييرها قدر تعلق الأمر ببقية المحافظات عدا إقليم كردستان".

من جهته، يعتبر الناشط السياسي، برهان النجرس، وهو من دعاة تشكيل إقليم الأنبار، تصريحات زيدان بمثابة "خطوة لإنهاء النظام الفيدرالي في البلاد والعودة إلى المركزية".

ويقول لـ"ارفع صوتك" إن الأنبار لن تتنازل عن حقها الدستوري والقانوني بتشكيل إقليم فيدرالي.

ويضيف: "في الأيام المقبلة سنمارس ضغطاً جماهيرياً على مجلس المحافظة من أجل المضيّ بالفدرالية، لكن في حال عدم مضيّ مجلس المحافظة سوف تكون هناك تظاهرات سلمية".

ووفق الدستور العراقي، يحق لأي محافظة التقدم بإنشاء إقليم عبر طريقتين: طلب من ثلث الأعضاء في كل مجلس من مجالس المحافظات التي تروم تكوين الإقليم أو طلب من عُشر الناخبين في كل محافظة من المحافظات الساعية لتشكيل إقليم.

وتعتبر محافظة البصرة من أولى المحافظات العراقية التي تطالب منذ سنوات بإنشاء إقليم البصرة، وقدم البصريون عام 2015 طلباً للمفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق، لإجراء استفتاء عام كخطوة أولى لتأسيس الإقليم، لكن الطلب لم يلق استجابة من قبل الحكومة الاتحادية في بغداد، بينما لا يزال سكان المحافظة متمسكين بمطلبهم.

في السياق نفسه، ترى الناشطة المدنية زهراء حاتم الخفاجي، وهي عضوة منظمة "بصرياثا للثقافة الاتحادية"، أن تصريحات زيدان "لن تؤثر على مطالبات البصريين بإنشاء إقليمهم الفيدرالي".

وتضيف لـ"ارفع صوتك": "الآن أصبحت لدينا أحزاب تطالب بالفيدرالية، ومجرد وقت ستصل هذه الأحزاب لمجلس المحافظة وتصوت للإقليم".

وتتوقع الخفاجي أن تؤثر تصريحات زيدان على منصبه، باعتباره رئيسا للمجلس الأعلى للقضاء، وقد "يتم انتخاب رئيس جديد لمجلس القضاء بدلا منه من أجل حماية الدستور"، على حد قولها.

وطالما كان مطلب إنشاء الأقاليم الفيدرالية حاضرا في غالبية الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها عدد من المحافظات خلال السنوات الماضية، لكن الاستجابة لهذه المطالب أجلت خلال السنوات الماضية من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة لأسباب منها الحرب ضد داعش والأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد منذ سنوات. 

يشرح المحلل السياسي رمضان البدران أن "الأقاليم تعني إعادة بناء نظام الإدارة وإعادة نظام توزيع المال والحقوق والتصرفات، وهذا كله مهم جدا في إعادة بناء الدولة العراقية، الدولة التي تعثرت بسبب المركزية والشمولية لمدة قرن كامل، وقد آن الأوان أن يُعاد النظر في أسلوب إدارتها وأسلوب حكمها".

ويستبعد أن تمضي المحكمة الاتحادية في تبني أو قبول أي مشروع له علاقة بإلغاء أحقية المحافظات في إنشاء أقاليم، وإن حدث ذلك، يعني أن "العراق سيكون في مشكلة حقيقية والدستور في مشكلة حقيقية، وستدخل الدولة العراقية مرحلة اللاهوية لنضالها السياسي ونظامها الإداري والاقتصادي"، وفق تعبيره.

بالنسبة للبدران، فإن الأقاليم تحصيل حاصل، وما المحافظات سوى "حالة مؤقتة لن يُبقي عليها العراق مستقبلاً".