سيدة عراقية وفتاة يتسولان للحصول على المال خارج حديقة الزوراء في بغداد في 22 ديسمبر 2007.
سيدة عراقية وفتاة يتسولان للحصول على المال خارج حديقة الزوراء في بغداد في 22 ديسمبر 2007.

في عيادة طبية وسط بغداد، وفي مشهد متكرر، يدخل رجل رث الثياب يحمل بين يديه أوراقاً طبية كـ"دليل" على عجزه وفاقته، ترافقه في رحلته طفلة نحيلة بثياب صيفية متسخة، وبحذاء يبرز أصابعها. تمد يدها للمراجعين بصمت ونظرة خوف وتوسّل في عينيها.

تفتح إحدى النساء حقيبتها لتمنح الرجل مبلغاً بسيطاً من المال، ليغادر مع الطفلة وصوته يرتفع بالدعاء للمرأة بشفاء مريضها.

سكرتير الطبيب، الذي فضل عدم نشر اسم العيادة، يتحدث عن عدد كبير من المتسولين يدخلون إلى العيادات يومياً لطلب المال من المرضى كونهم يعتبرونها أفضل مكان للتسول. "فمرافقو المرضى يرغبون بالدعاء لمرضاهم بالشفاء"، وفق تعبيره.

يستغل أكثر المتسولين البالغين الأطفال لاستدرار العطف. يقول السكرتير: "هذا الرجل الذي خرج للتو يصطحب الطفلة منذ عامين، يغيب قليلاً ويعود مرة أخرى أحياناً مع طفل آخر مختلف، ولا نعرف الحقيقة أبداً إذا ما كان فعلاً محتاجاً أم مجرد محتال".

اتسعت ظاهرة التسول كثيراً في العراق، حتى بات المواطنون يرون متسولين من جنسيات أخرى يتنقلون في الأرجاء، كما يقول رئيس مؤسسة "النبلاء الإنسانية" عدنان ناصر لـ"ارفع صوتك".

ويعتقد أن السبب الرئيسي لهذا التوسع هو "تعاطف المجتمع مع تلك الفئات وحصولها على أموال جيدة مقابل التسول تدر عليها دخلا أكبر مما لو مارست عملاً آخر".

ويرى ناصر أن هناك فرقاً جوهرياً بين التسول الخارج من رحم الفقر، وبين الاستفادة من حالة الفقر في التسول كمهنة. "وهو ما أدى إلى الخلط بين مفهوم الفقر والتسول، فالضوابط التي ينتمي لها المتسول بعيدة عن ضوابط الفقير".

تسعة أنماط للتسول

رصدت دراسة للباحث حسون عبود، بعنوان "تحليل جغرافي لظاهرة تسول الأطفال وأثرها على سكان مدينة الديوانية"، تسعة أنماط من التسول في العراق.

من هذه الأنماط  "التسول الظاهر، بطلب المال مباشرة، وغير الظاهر أو المستتر وراء عرض خدمات رمزية مثل مسح زجاج السيارات وبيع بعض البضائع الرخيصة في الشارع. وهناك التسول الوقتي والموسمي المرتبط بوجود مناسبات ومواسم مثل شهر رمضان".

ويوجد كذلك "التسول الإجباري" الذي يتم من قبل عوائل المتسول أو العصابات المنظمة، بالإضافة لـ"تسوّل القادر"، حيث يتم اختيار شخص تتبين قدرته على العمل، ويتحمل المسؤولية فيما لو ألقي القبض عليه ومحاكمته. 

أما "تسوّل الجانح"، يقول عبود، إنه ستار يستخدمه اللصوص ليسهل لهم السرقة. 

التسوّل في العراق

بعض الأطفال معرضون للاتجار بالبشر وهذه السيدة العراقية تقول إنّها مضطرة علي التسول في العراق أزمة تزداد تعقيداً

Posted by ‎Irfaa Sawtak - ارفع صوتك‎ on Friday, June 10, 2022

تبين الدراسة كذلك أسباب التسول في العراق، وأهمها "الفقر المؤدي إلى عدم القدرة على الوصول إلى الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، والبطالة أو عدم الرغبة بالعمل، والتفكك الأسري، وضعف الدخل وكبر حجم الأسرة التي تعتبر من أكثر الأسر عرضة لظاهرة التسول، فهي لا تستطيع تلبية مختلف حاجات أفرادها".

وينتمي أغلب المتسولين من الأطفال إلى فئات "الغجر والنازحين وسكنة المناطق العشوائية أو الزراعية"، وفق عبود.

وسن هادي، صاحبة متجر في منطقة الصناعة المتخصصة ببيع الإلكترونيات في بغداد، تقول لـ"ارفع صوتك"، إن "عشرات المتسولين يدخلون المحال التجارية يومياً، بعضهم يتسول بشكل مباشر، وآخرون يعرضون بيع المناديل الورقية أو الأقلام أو الحلويات، لكن بطرق تسوّل".

وتشير إلى ظهور "أساليب جديدة" للتسوّل، كأن يطلب شبان وشابات تبرعات مالية، بذريعة العمل التطوعي أو إنقاذ طفل من أمراض مستعصية بعضها يتطلب آلاف الدولارات.

"تشاجرت معي إحدى الفتيات لأنني لم أستجب لطلبها بتقديم تبرّع لمؤسسة أيتام" تتابع وسن، وأدى هذا الموقف لإحراجها أمام زبائن المحل.

تضيف: "وهم (المتسولون) يتعمدون ذلك بهداف ابتزازنا للحصول على المال".

 

عقوبات قانونية

انتهت مستشارية الأمن الوطني، مؤخراً، من وضع مسودة "السياسة الوطنية لمكافحة التسول" بالتعاون مع وزارة العمل وعدد آخر من الوزارات. 

يقول المتحدث باسم وزارة العمل نجم العقابي لـ"ارفع صوتك"، إن الوزارة "بانتظار المصادقة على المسودة لتقديم الرعاية وتوفير حياة كريمة للمواطنين ضمن التعليمات والضوابط".

ويشدد أن التسول يعتبر "مخالفاً للقانون" في العراق، عطفاً على قوانين "العقوبات رقم 111 لسنة 1969"، و"رعاية الأحداث رقم 76" و"الاتجار بالبشر رقم 28 لسنة 2018".

في قانون العقوبات مثلاً، تنص المادة 390 و392 على الحبس البسيط والغرامات للمتسول،  أو إيداعه في دور الدولة إذا ما تكرر ضبطه.  وينص قانون "الاتجار بالبشر" على عقوبة الحبس والغرامة من 5 إلى 10 ملايين دينار عراقي في حال تجنيد الأطفال والاستجداء بهم. أما عقوبة قانون الأحداث فتتمثل بالإيداع بأحد دور المشردين.

في السياق نفسه، يبين المتحدث باسم وزارة الداخلية العراقية، مقداد ميري، أن وزارته "شكلت عدة حملات في بغداد والمحافظات، بعضها خلال الصباح والآخر في المساء للحد من ظاهرة التسول".

ويُلفت إلى أن المتسولين، الذين يتم اعتقالهم، يُرحّلون إلى القضاء الذي يتولى مسؤولية محاكمتهم، فيما يتم إخلاء سبيل البعض بكفالة أو تعهد، ويُسجن البعض الآخر  أو يدفع غرامة.

لم يذكر ميري عدد المعتقلين من المتسولين خلال الحملة التي تقودها وزارة الداخلية حالياً، مكتفياً بالإجابة عن سؤال الإحصائيات بأن الأعداد "متغيرة وغير ثابتة".

ويصنف لـ"ارفع صوتك" المتسولين الذين يتم اعتقالهم إلى ثلاثة أنواع: الأول من الفقراء بالفعل، والثاني ممن اعتاد التسوّل فصار مهنته، والثالث ينتمي لعصابات الجريمة المنظمة.

وشهد العام الماضي تفكيك سبع عصابات جريمة منظمة للتسول. أما المتسولون من جنسيات غير عراقية، فتتم إعادتهم إلى بلدانهم  مباشرة، كما يقول المسؤول الحكومي.

وعن طريقة دخول المتسولين الأجانب إلى للعراق، يوضح العقابي: "يأتون بطريقة غير مباشرة وأحياناً من معابر غير رسمية، فيدخلون للعراق كزائرين للأماكن المقدسة، ثم ينتقلون إلى سوق العمل وينتهي بهم الأمر إلى التسول".

لكن هذه القوانين جميعها غير كافية للحد من ظاهرة التسول، يقول عدنان ناصر، رئيس مؤسسة "النبلاء الإنسانية"، معتبرا أنها "غير رادعة بما فيه الكفاية، حيث يحتال البعض على القانون عبر الادعاء بأنه بائع متجول للتهرب من الفقرات القانونية العقابية".

ويضيف: "بسبب ارتفاع نسبة الفقر، يجب التأكد أولاً من عدم حاجة الشخص للتسول بعد فحص مؤشر نسبة الفقر وشموله برواتب الرعاية الاجتماعية".

أما المدعون والممتهنون للتسول رغم قدرتهم المادية، فهؤلاء كما يرى ناصر، يجب تطبيق القانون وتشديده حيالهم وحبسهم وفرض غرامات ومواد قانونية أخرى رادعة، خصوصاً لمن يستغل الأطفال بهدف الكسب المادي على حساب مستقبلهم.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

السلطات الطاجيكية تشن حملة قمع ضد اللحى والحجاب
السلطات الطاجيكية تشن حملة قمع ضد اللحى والحجاب

بدأت طاجيكستان حملة قمع واسعة تستهدف المظاهر الدينية كاللحى الطويلة والحجاب، بعد اتهام عدد من الطاجيكيين بتنفيذ هجوم إرهابي كبير في موسكو، بحسب تقرير مطول لصحيفة "نيويورك تايمز".

وأشار مسؤولون أميركيون إلى أن تنظيم "داعش-خراسان" المتطرف، الذي ينشط في آسيا الوسطى، كان وراء الهجوم، وهو ما سلط الضوء على الدور الذي يلعبه الطاجيك المتطرفون في تنفيذ عمليات إرهابية على مستوى العالم.

وبعد اعتقال رجال طاجيك واتهامهم بشن هجوم إرهابي على قاعة حفلات في موسكو في مارس الماضي، أدى إلى مقتل 145 شخصاً وإصابة أكثر من 500، كان المواطنون هناك يتوقعون حملة قمع حكومية.

وتستعرض الصحيفة قصة فتاة طاجيكية في الـ27 من العمر، شاهدت عناصر من السلطات المحلية تحمل مقصا خارج أحد المطاعم في دوشانبي، عاصمة طاجيكستان، وهي تقص اللحى التي اعتبرت طويلة للغاية.

وتعرضت الفتاة بحسب حديثها للصحيفة إلى الاعتقال عدة مرات حتى قررت التخلي عن الحجاب حتى لا يؤثر على مستقبلها المهني.

 وتفرض الحكومة الطاجيكية برئاسة إمام علي رحمن، الذي يتولى السلطة منذ أكثر من ثلاثة عقود، كثيرا من القيود ومنها حظر الحجاب في المدارس منذ عام 2007 والمؤسسات العامة في طاجيكستان منذ عام 2009.

واعتمد البرلمان في الدولة ذات الأغلبية المسلمة التي يبلغ عدد سكانها حوالي 10 ملايين نسمة مسودة تعديلات على قانون "التقاليد والاحتفالات" والتي ستحظر ارتداء "الملابس الغريبة عن الثقافة الطاجيكية"، وهو مصطلح يستخدمه المسؤولون على نطاق واسع لوصف الملابس الإسلامية، بحسب إذاعة أوروبا الحرة "راديو ليبرتي". 

وتمنع التعديلات أيضا استيراد تلك الملابس وبيعها والإعلان عنها.

وفرضت غرامات مالية كبيرة  تتراوح ما بين 660 إلى 1400 دولار على من يخالف هذه القوانين، ما يزيد الضغط على السكان في بلد يعاني من الفقر والبطالة.

وفي عام 2018، قدمت طاجيكستان دليل الملابس الموصى بها الذي يحدد ألوان الملابس وأشكالها وأطوالها وموادها "المقبولة".

وأنشأت الحكومات المحلية فرق عمل خاصة بينما داهمت الشرطة الأسواق لاعتقال "المخالفين"، بحسب "راديو ليبرتي". 

فرق عمل حكومية في طاجيكستان تغرم النساء اللاتي ترتدين الحجاب في الشوارع

يُظهر مقطع فيديو حديث يُزعم أنه لموظفي مستشفى في جنوب طاجيكستان وهم يساعدون زائرتين ترتديان الحجاب في تنسيق غطاء الرأس "على الطريقة الطاجيكية" بربطه خلف رأسيهما كوشاح، بحسب راديو "ليبرتي". 

 

 

ويبدو أن المنطق وراء هذا هو القضاء على المظاهر العامة للإسلام المحافظ، وهو ما تعتقد الحكومة أن من شأنه أن يساعد في كبح جماح الإسلام المحافظ والحد من التطرف.

ورغم هذه التدابير، يشير خبراء مكافحة الإرهاب إلى أن هذه السياسة قد تأتي بنتائج عكسية.

ويرى لوكاس ويبر، المؤسس المشارك لمنظمة "ميليتانت واير" التي تركز على بحث نشاط الجماعات المتطرفة، إن الحملة القمعية التي تقودها الحكومة قد تؤدي إلى زيادة الغضب والاحتقان الاجتماعي، مما يغذي مزيدا من التطرف بدلا من الحد منه.

وأضاف أن ردود الفعل الحكومية على الهجمات الإرهابية قد تكون بالضبط ما يسعى إليه المتطرفون، إذ يرغبون في تأجيج التوترات بين المواطنين والسلطات.

إلى جانب القمع الداخلي، زادت طاجيكستان من تعاونها الأمني مع روسيا بعد الهجوم الإرهابي في موسكو، حيث يُنظر إلى الطاجيكيين المهاجرين في روسيا بريبة متزايدة.

ويعمل حوالي مليون طاجيكي في روسيا، ما يمثل نحو 10 في المئة من سكان البلاد، وهم يرسلون أموالا حيوية لعائلاتهم في الوطن.

ولكن في أعقاب الهجمات، أصبح الطاجيكيون هدفا رئيسيا للمداهمات الأمنية في روسيا، لتفتيش مساكنهم وأوراقهم الثبوتية بانتظام.

هذا الاعتماد الكبير على روسيا لم يمنع طاجيكستان من تعزيز علاقاتها مع دول أخرى، فقد بدأت أيضاً في تعزيز التعاون مع الصين، رغم التقارير التي تفيد ببناء قاعدة صينية في شمال البلاد، وهي تقارير نفتها بكين.

ووقعت طاجيكستان اتفاقية أمنية مع الولايات المتحدة في مايو الماضي، تهدف إلى تحسين مراقبة الأشخاص الذين يدخلون البلاد ويشتبه في صلتهم بالجماعات المتطرفة.

ويرى مراقبون أن التركيز على المظاهر الدينية قد لا يكون حلا فعالا لمكافحة الإرهاب، خاصة أن بعض أفراد عائلات المتهمين في الهجوم الإرهابي في موسكو أشاروا إلى أن المتورطين لم يظهروا أي علامات خارجية على التدين أو التطرف، مما يدل على أن هؤلاء المتطرفين قد يحاولون التهرب من التدابير الأمنية من خلال الابتعاد عن المظاهر الإسلامية التقليدية، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز".

وقالت جولراكات ميرزوييفا (59 عاما)، والدة أحد المتهمين في الهجوم، إن ابنها لم يكن متدينا بشكل علني ولم يظهر أي ميول للتطرف.

وأشارت إلى أن الفقر والظروف الاقتصادية القاسية هي التي دفعت ابنها إلى السفر مرارا للعمل في روسيا لتوفير احتياجات أسرته.

كان المهاجمون الأربعة المتهمون يعملون في روسيا لعدة أشهر على الأقل، وكان بعضهم يقوم برحلات متكررة للدخول والخروج.

ويشير خبراء في مجال حقوق الإنسان إلى أنه بدلا من أن تعالج الدولة المشاكل الجوهرية مثل الفساد وانعدام العدالة الاجتماعية، تبحث عن أمور مظهرية قد لا يكون لها علاقة بجذور أزمة التطرف. 

وقال العديد من سكان دوشانبي لراديو ليبرتي إنهم لا يدعمون حظر أنواع معينة من الملابس لأنهم يعتقدون أن الناس يجب أن يكونوا أحرارا في اختيار الملابس التي يريدون ارتدائها.