A man shows his inked finger after casting his vote during Iraq's provincial council elections, at a polling station in Kirkuk
أحد الناخبين في انتخابات المجالس المحلية داخل محافظة كركوك- تعبيرية

أرجع مختصون تأخر حسم ملف اختيار المحافظين في ديالى وكركوك إلى الاحتقان السياسي واختلاف الرؤى بين الكتل السياسية بسبب المحاصصة ونسب الفوز المتقاربة، وسط توقعات بتصاعد الخلافات في المحافظات الـ 12 التي جرى فيها انتخاب المحافظين ورؤساء المجالس.

يقول الباحث السياسي الدكتور سيف السعدي لـ "ارفع صوتك": "تم حتى الآن إصدار مراسيم جمهورية بتعيين 12 محافظاً من أصل 15، فيما لم تحسم ملفات انتخاب ثلاثة محافظين في ثلاث محافظات عراقية".

 تلك المحافظات هي كركوك وديالى، لعدم الاتفاق فيهما على الأسماء حتى الآن، بالإضافة لصلاح الدين، حيث لم يتم حتى الآن إصدار مرسوم بتعيين المحافظ المنتخب أحمد الجبوري؛ لوجود اعتراضات على طريقة الانتخاب.

وكان العراق أجرى في ديسمبر الماضي انتخابات مجالس المحافظات في 15 محافظة (باستثناء إقليم كردستان) لأول مرة منذ عشر سنوات، أدلى فيها 16 مليون عراقي بأصواتهم من أصل 23 مليون ناخب مؤهل.

الانتخابات المحلية التي جرت في ظل إقبال منخفض ومقاطعة عدد من الكتل السياسية أهمها التيار الصدري، استفادت منها الأحزاب التقليدية والموالية لإيران في الوسط والجنوب إلى حد كبير، بحسب النتائج التي أعلنتها المفوضية العليا المستقلة للانتخابات.

 

كركوك

في كركوك، أفرزت نتائج الانتخابات عن تقارب كبير في عدد مقاعد الكتل السياسية التركمانية والعربية والكردية، ما خلق صراعا بينها. قدمت الكتلة التركمانية مقترحا بأن يتم تداول منصب المحافظ بشكل دوري بين المكونات الثلاثة، الأمر الذي لم يلق ترحيباً من بقية الكتل، خصوصاً الكردية.

ويعدّ ذلك، أحد أسباب تأخر إنهاء ملف محافظة كركوك، وأيضاً ديالى، وهو ما أدى "لعدم بروز حزب على حزب آخر أو حصوله على الأغلبية باتجاه أن يكون ضاغطاً لفرض معادلة معينة"، كما يقول رئيس مركز التفكير السياسي وأستاذ السياسات العامة في جامعة بغداد، إحسان الشمري.

ويضيف لـ"ارفع صوتك"، أن سبباً آخر أدى لتعطيل اختيار المحافظ في كليهما، أن المكونات السياسية فيها "تعاني خلافات كبيرة"، مبيناً "في كركوك لا يوجد ملامح اتفاق عربي –عربي، أو اتفاق نهائي بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، أضف إلى ذلك أن التركمان منشطرين بين من يؤيد التوجهات العربية وبين من يؤيد الأحزاب الكردية".

"كما أن محاولات إعادة كل من محافظ كركوك وديالى السابقين من جديد إلى الواجهة عطّل بشكل كبير جداً حسم تنصيب المحافظ ورئيس مجلس المحافظة"، يتابع الشمري.

وبموجب قانون مجالس المحافظات (رقم 21 لسنة 2008)، نصت المادة السابعة، على أن يَنتخب المجلس، المحافظ ونائبيه بالأغلبية المطلقة، التي تمثل نصف أعضاء مجلس المحافظة زائد واحد.

من جانبه، يقول  الباحث السياسي الدكتور سيف السعدي، إن المشكلة في محافظة "معقدة" فهناك "صراع سرديات بين العرب والأكراد والتركمان المتمسكين بكونهم أغلبية، وبين الأكراد المتمسكين بإحصاء عام 1957 بأنهم أكثرية، كما يتمسك العرب بالهوية العربية لكركوك".

 

ديالى

وبحسب السعدي أيضاً، يبدو الخلاف واضحاً في محافظة ديالى، موضحاً لـ"ارفع صوتك": "لم يتم اختيار المحافظ ورئيس المجلس، فالعرف الذي سارت عليه المحافظة على الرغم من اعتبارها سنية، إلا أنه يمكن الذهاب باتجاه أن يكون المحافظ شيعياً بالتحديد من كتلة بدر النيابية".

ويرى  أن ما يجري في المحافظات المعطلة هو "تعقيدات لوجود احتقان سياسي واختلاف في الرؤى تارة بين أعضاء الإطار التنسيقي أنفسهم، وتارة أخرى يكون الاختلال في ما بين البيوتات السنية".

ويشرح السعدي الخلاف في ديالى: "هناك اتفاق بين كتلة دولة القانون وكتلة بدر وتقدم على التصويت لصالح مثنى التميمي (محافظ ديالى السابق). ولكن في الجانب الآخر عصائب أهل الحق، ذهبت مع كتل السيادة والحسم وعزم، من أجل تشكيل كتلة والوقوف بالضد من التجديد للمحافظ".

هذا الأمر "ولد خلافا تسبب بتأجيل انعقاد جلسة مجلس المحافظة لاختيار رئيس المجلس ونائبه والمحافظ ونائبيه الفني والإداري"، يتابع السعدي.

ولهذا التأخير، كما يقول "ارتدادات سلبية على ديالى، التي شهدت خروقات أمنية واحتكاكات عشائرية، أكثر من مرة. بالتالي فإن هذا التأخير لا يصب في مصلحة المحافظة، ولا يصبّ في مصلحة رؤية الإطار التنسيقي، لا سيما ونحن نتحدث عن الانتخابات النيابية المقبلة عام 2025".

وكانت محافظة ديالى شهدت، اليوم الجمعة، احتجاجات وقطعاً للطرق، تطالب ببقاء مثنى التميمي في منصبه، كما أعلن المحتجون رفضهم للمبادرة التي أطلقها رئيس تحالف "نبني" الأمين العام لمنظمة "بدر" هادي العامري، لحل أزمة اختيار المحافظ عبر ترشيح محمد العميري.

انتخابات العراق
"نواجه قِوى تحتل الشارع".. مُرشحات عراقيات يتحدثن عن حظوظهن في الانتخابات المحلية
وتتألف مجالس المحافظات العراقية من 275 مقعداً، 75 مخصصة لكوتا النساء وعشرة مقاعد للمكونات (4 للمسيحيين و2 للكورد الفيلية والصابئة المندائيين ومقعد واحد لكل من الأيزيديين والشبك)، وفق قانون الانتخابات الذي تم تعديله بعد انتخابات مجلس النواب عام 2021.

 

المحافظات المحسومة

على الرغم من اختيار المحافظين في 12 محافظة عراقية حتى الآن، إلا أن ذلك لا يعني توقف الخلافات السياسية، وفق الشمري،  مردفاً "الخلافات السياسية ستتصاعد، خصوصاً في  البصرة وكربلاء وواسط، على اعتبار أن عودة المحافظين وفوزهم شكل تحدياً كبيراً بالنسبة للإطار التنسيقي".

هذا التحدي "سيولد لهؤلاء المحافظين أزمات سياسية، وقد يكون ما تقدم به محافظ واسط بشكوى إلى الادعاء العام تتعلق بتعرضه للابتزاز والتهديد بالقتل من قبل أحد النواب خير مثال على وجود أزمات مفتوحة"، يضيف الشمري.

ويعتقد أن الأمر ذاته ينطبق على محافظات بابل وصلاح الدين، حيث "المشهد غير مستقر ويلامس إلى حد كبير المشهد الاتحادي" وفق تعبيره.

صراعات مجالس المحافظات التي تم اختيار محافظيها ورؤساء مجالسها طغت على الأخبار السياسية العراقية خلال شهر فبراير الحالي، ففي نينوى قاطعت كتلة الحزب الديمقراطي الكردستاني اجتماعات المجلس بسبب ما قالت إنه "خروقات ارتكبها رئيس المجلس خلال انتخاب نوابه".

أيضاً، شهدت محافظة ميسان خلافات عشائرية على خلفية اختيار المحافظ ورئيس مجلس المحافظة ونائبيه، انتشرت على أثرها القوات الأمنية بشكل مكثف تحسباً لأي طارئ.

وما زالت هناك حالة من الشد والجذب بين محافظ واسط، محمد المياحي، والإطار التنسيق، بعد إقامة كل منهما دعوى قضائية ضد الطرف الآخر.

وينطبق الأمر كذلك على محافظة الأنبار، التي لا يزال محافظها محمد الكربولي، يخضع لتدقيق هيئة النزاهة بسبب شبهات فساد، بعد أن ردت المحكمة الاتحادية دعوى قدمها النائب باسم خشان ادعى فيها أن "محافظ الأنبار الجديد ليس من أبناء المحافظة ولا يحق له منصب المحافظ".

كما تشهد محافظة النجف دعوات للتظاهر ضد محافظها الجديد، قابلتها دعوة زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، عبر حساب الناطق باسمه صالح محمد العراقي، لوقفها، قائلاً إن "محافظة النجف الأشرف بعيدة عن كل مظاهرة بلا مركزية، وإن كانت عفوية".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.