FILE - In this Jan. 24, 2004 file photo, fires flare off the gas from crude oil at Iraq's oldest oil processing plant in the…
قبل اكتشاف النفط مطلع القرن العشرين لم يكن هناك صراعات حول كركوك- تعبيرية

يُنظر إلى محافظة كركوك على أنها "عراق مصغّر" عائم على بحيرة من النفط وعالق وسط واحدة من أعقد الأزمات، وتتصارع حولها أطراف داخلية وخارجية، منذ سقوط نظام صدام حسين قبل ما يزيد على عشرين عاماً.

لم تكن كركوك، قبل اكتشاف النفط أوائل القرن العشرين مصدراً للصراع، بل كانت في وضع من "الركود النسبي" خلال العهد العثماني، وكان يقطنها عدد قليل من السكان من أعراق مختلفة، بحسب تقرير حمل عنوان "التسوية في كركوك: الدروس المستفادة من مستوطنات الصراعات العرقية والإقليمية السابقة".

بحسب التقرير، فإن اكتشاف النفط في المحافظة جذب أعداداً كبيرة من المستوطنين العرب والأكراد الذين أسسوا أحياء سكنية عرقية متجانسة في المدينة. ولولا هذا الاكتشاف، كما يقول الكاتب والمحلل السياسي علي البدر لـ"ارفع صوتك"، "لكانت كركوك محافظة عراقية عادية جداً، لا تتصارع عليها أي من القوى السياسية العراقية أو المكونات الثلاث الرئيسية في المدينة (الأكراد والعرب والتركمان) ولما تحولت إلى مدينة مقدسة بالنسبة للبعض من الأحزاب".

وعلى مدى العقود التالية ونظراً للتغير الذي شهده العراق في حكامه أصبح الانتماء العرقي مصدراً للصراعات وأدى إلى إضعاف الوجود التركماني مع نهاية السيادة العثمانية على المنطقة.

عانى الأكراد والتركمان من التمييز والطرد، بل وحتى من المجازر في عهد صدام حسين الذي وضع سياسة "التعريب". وواجه العرب عواقب مماثلة بعد 2003 عندما استولى الأكراد على أراض جديدة وفرضت عليها سياسة "التكريد"(من الكرد).

 

تغيير الحدود والديمغرافيا

 

جرى أوسع تغيير للحدود الإدارية لكركوك خلال حكم حزب البعث للعراق منتصف سبعينات القرن الماضي، حين تم فصل مناطق جمجمال وكلارك وكفري وطوز خورماتو ما تسبب بتقليص مساحة المدينة من 20 ألف كيلومتر مربع إلى 9679 كيلومتراً مربعاً بحسب دراسة حملت عنوان "مستقبل كركوك خارطة طريق لحل قضية المحافظة".

وبعد إسقاط نظام صدام حسين، أصبحت قضية المناطق المتنازع عليها وبالأخص كركوك من القضايا الخلافية الرئيسية بين أربيل وبغداد. وتقول الدراسة إن النزاع يتركز حول كركوك بشأن ما إذا كان يجب على المدينة أن توضع تحت سلطة حكومة إقليم كردستان، أو أن تترك تحت سلطة الحكومة الاتحادية.

ويلخص تقرير "التسوية في كركوك" (سبق ذكره) الخلاف بالقول إن حكومة الإقليم إذا حظيت بالسيطرة على كركوك فإن عائداتها من النفط والغاز ستساهم بشكل كبير في تطوير إقليم كردستان وتمكين حكومة الإقليم من متابعة أولوياتها بشكل مستقل عن بغداد.

وفي المقابل، إذا ما استمرت الحكومة المركزية في ممارسة ولايتها القضائية على كركوك ومواردها فإن الآليات الناتجة عن سيطرة الدولة لإدارة وتخصيص الموارد الهيدروكربونية سوف تدمج حكومة الإقليم بشكل أكثر شمولاً في الدولة العراقية.

الخلاف على الأراضي والحدود في كركوك الغنية بالنفط "تحول بمرور الوقت إلى خلاف عابر للحدود حين تدخلت فيه تركيا التي تعتبر التركمان العراقيين من رعاياها كونهم من أصول تركية وحمايتهم جزء من واجباتها تجاههم"، كما يشير الباحث في الشأن السياسي صالح الشذر لـ "ارفع صوتك".

الشذر يشرح أن "المطامع التركية في الأراضي العراقية بدأت منذ انفصال العراق عن الدولة العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، حيث نالت ولاية الموصل اهتماماً كبيراً في عصبة الأمم وكان للأمر مكانة خاصة حتى تم حل الموضوع في مؤتمر برلين".

لكن التدخل التركي، كما يراه الشذر، "خرق للقانون الدولي وجزء من ضعف الدولة العراقية وتشظي القرار السياسي في العراق".

 

الجدل حول المادة 140

 

في العام 2005، تم نقل مضمون المادة 58 لقانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية الصادر من الحكومة العراقية المؤقتة إلى المادة 140 من الدستور الدائم التي قضت بتطبيق "التطبيع" الذي يشمل إعادة المهجرين أو تعويضهم مادياً وحل نزاعات الملكية التي تتضمن إعادة الحدود الإدارية إلى ما كانت عليه قبل منتصف السبعينات، بالإضافة إلى إجراء "التعداد السكاني" و "الاستفتاء العام" الذي يحدد بموجبه السكان مصيرهم مع نهاية العام 2007.

هذا التعداد السكاني تحوّل بحدّ ذاته إلى مادة للخلاف الشديد بين المكونات الأساسية الثلاث لكركوك.

السبب في ذلك يعود إلى إيجاد تعريف محدد للفرد الذي يحق له التصويت فالتركمان يعتبرون أغلبية العائدين بعد 2003 غير مؤهلين للتصويت ويرغبون بالاستعانة بإحصاء العام 1957 كأساس لتحديد المؤهلين، على أن يكونوا ضمن الحدود الإدارية الحالية. هذا الأمر يرفضه الأكراد، كما يرفضون الرأي العربي الراغب باعتبار كل فرد حائز على وثائق رسمية صادرة من كركوك مؤهلا للتصويت.

الرأي السائد لدى الأكراد يعوّل على إحصاء العام 1957 وشمول الأقضية التي تم استقطاعها من كركوك منتصف السبعينات. ونتيجة لكل هذه المشكلات، لم يجر تنفيذ أي من المواد القانونية والدستورية حتى الآن.

بلغ الخلاف ذروته في كركوك حول المادة 140 من الدستور بين حكومة المركز والإقليم عقب احتلال داعش لمدينة الموصل صيف 2014 عندما تقدمت قوات البيشمركة الكردية وسيطرت على المناطق المتنازع عليها ومنها كركوك.

حينها، اعتبر رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني أن المادة قد "أنجزت وانتهت" وأعلن عن إجراء استفتاء تقرير المصير لأكراد العراق.

استمر إقليم كردستان في السيطرة على المناطق المتنازع عليها حتى أكتوبر 2017 عندما تقدمت القوات العراقية وأعادت المناطق المتنازع عليها إلى سيطرة الحكومة الاتحادية بالقوة، وهو الأمر الذي اعتبره رئيس الإقليم "خيانة عظمى" بعد نحو شهر من استفتاء تقرير المصير الذي أثار غضب تركيا وإيران وبغداد.

وفي ديسمبر من العام 2023 حصلت كركوك على أعلى نسب مشاركة في الانتخابات بفضل الصراع على حكم المدينة بين مكوناتها. ولكن الانتخابات لم تحسم النزاع فقد حصلت الأحزاب الكردية على أقل من نصف مقاعد مجلس المحافظة فيما حصدت باقي المكونات أكثر من نصف المقاعد ليتعقّد، على ضوء هذه النتائج، تشكيل مجلس المحافظة.

 

الحل في الدستور

 

في هذا السياق، يعتبر الباحث في الشأن السياسي غني الغضبان أن "اللجوء إلى الدستور هو الحل الجذري في قضية كركوك". وذلك عبر ثلاثة محاور: "إجراء التعداد السكاني كواقع حال لمعرفة العدد الحقيقي لمن يحق لهم التصويت، وإقرار قانون النفط والغاز لضمان حقوق المحافظة، وترسيم حدود المدينة الجغرافية لتحديد من أين تبدأ كركوك وأين تنتهي".

ويتفق المحلل السياسي صالح الشذر مع الغضبان بهذا الصدد. ويقول هو الآخر إن "الحل لجميع مشاكل كركوك يكمن في الاحتكام إلى الدستور". ويرى الشذر أن "إقرار قانون النفط والغاز من شأنه حل العديد من المشاكل ليس في كركوك فحسب، بل في المحافظات الأخرى المنتجة للنفط أيضاً".

وعلى الرغم من أهمية إقرار قانون النفط والغاز بحسب رؤية الشذر، إلا أنه يرى أن "الأحزاب السياسية لن تقرّه، لأنه يضر بمصالحها بعد أن تحول كل حزب إلى جمهورية بحد ذاته ومن يحصل من الأحزاب على المنافع الاقتصادية يحصل على السياسة، ومن يحصل على الاقتصاد والسياسية يحصل على المراكز العليا في الدولة العراقية".

وتبدو حلول أزمة كركوك معقدة تماماً مثل مشاكلها، كما يقول الكاتب والمحلل السياسي علي البيدر لـ"ارفع صوتك". فـ"جميع الحلول التي يتم اقتراحها مستوردة إلى المحافظة عبر جهات سياسية خارجية لا تملك الإرادة الحقيقية لمعالجة تلك المشاكل "وإذا أردنا حلاً فعلياً " فيجب أن يكون نابعا من إرادة محلية داخل المدينة".

وعلى الرغم من الحديث عن المشاكل الكبيرة في كركوك إلا أن سكانها، كما يصفهم البيدر، "شعب متعايش وأبسط مواطن يتحدث بأربع لغات هي العربية والكردية والتركمانية والسريانية. ولكن، على المستوى السياسي كركوك تمثل مادة دسمة للابتزاز والضغط ولذلك يتم إبقاء أزمتها حاضرة في المشهد كي يتم استثمارها بدرجة كبيرة ".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

السلطات الطاجيكية تشن حملة قمع ضد اللحى والحجاب
السلطات الطاجيكية تشن حملة قمع ضد اللحى والحجاب

بدأت طاجيكستان حملة قمع واسعة تستهدف المظاهر الدينية كاللحى الطويلة والحجاب، بعد اتهام عدد من الطاجيكيين بتنفيذ هجوم إرهابي كبير في موسكو، بحسب تقرير مطول لصحيفة "نيويورك تايمز".

وأشار مسؤولون أميركيون إلى أن تنظيم "داعش-خراسان" المتطرف، الذي ينشط في آسيا الوسطى، كان وراء الهجوم، وهو ما سلط الضوء على الدور الذي يلعبه الطاجيك المتطرفون في تنفيذ عمليات إرهابية على مستوى العالم.

وبعد اعتقال رجال طاجيك واتهامهم بشن هجوم إرهابي على قاعة حفلات في موسكو في مارس الماضي، أدى إلى مقتل 145 شخصاً وإصابة أكثر من 500، كان المواطنون هناك يتوقعون حملة قمع حكومية.

وتستعرض الصحيفة قصة فتاة طاجيكية في الـ27 من العمر، شاهدت عناصر من السلطات المحلية تحمل مقصا خارج أحد المطاعم في دوشانبي، عاصمة طاجيكستان، وهي تقص اللحى التي اعتبرت طويلة للغاية.

وتعرضت الفتاة بحسب حديثها للصحيفة إلى الاعتقال عدة مرات حتى قررت التخلي عن الحجاب حتى لا يؤثر على مستقبلها المهني.

 وتفرض الحكومة الطاجيكية برئاسة إمام علي رحمن، الذي يتولى السلطة منذ أكثر من ثلاثة عقود، كثيرا من القيود ومنها حظر الحجاب في المدارس منذ عام 2007 والمؤسسات العامة في طاجيكستان منذ عام 2009.

واعتمد البرلمان في الدولة ذات الأغلبية المسلمة التي يبلغ عدد سكانها حوالي 10 ملايين نسمة مسودة تعديلات على قانون "التقاليد والاحتفالات" والتي ستحظر ارتداء "الملابس الغريبة عن الثقافة الطاجيكية"، وهو مصطلح يستخدمه المسؤولون على نطاق واسع لوصف الملابس الإسلامية، بحسب إذاعة أوروبا الحرة "راديو ليبرتي". 

وتمنع التعديلات أيضا استيراد تلك الملابس وبيعها والإعلان عنها.

وفرضت غرامات مالية كبيرة  تتراوح ما بين 660 إلى 1400 دولار على من يخالف هذه القوانين، ما يزيد الضغط على السكان في بلد يعاني من الفقر والبطالة.

وفي عام 2018، قدمت طاجيكستان دليل الملابس الموصى بها الذي يحدد ألوان الملابس وأشكالها وأطوالها وموادها "المقبولة".

وأنشأت الحكومات المحلية فرق عمل خاصة بينما داهمت الشرطة الأسواق لاعتقال "المخالفين"، بحسب "راديو ليبرتي". 

فرق عمل حكومية في طاجيكستان تغرم النساء اللاتي ترتدين الحجاب في الشوارع

يُظهر مقطع فيديو حديث يُزعم أنه لموظفي مستشفى في جنوب طاجيكستان وهم يساعدون زائرتين ترتديان الحجاب في تنسيق غطاء الرأس "على الطريقة الطاجيكية" بربطه خلف رأسيهما كوشاح، بحسب راديو "ليبرتي". 

 

 

ويبدو أن المنطق وراء هذا هو القضاء على المظاهر العامة للإسلام المحافظ، وهو ما تعتقد الحكومة أن من شأنه أن يساعد في كبح جماح الإسلام المحافظ والحد من التطرف.

ورغم هذه التدابير، يشير خبراء مكافحة الإرهاب إلى أن هذه السياسة قد تأتي بنتائج عكسية.

ويرى لوكاس ويبر، المؤسس المشارك لمنظمة "ميليتانت واير" التي تركز على بحث نشاط الجماعات المتطرفة، إن الحملة القمعية التي تقودها الحكومة قد تؤدي إلى زيادة الغضب والاحتقان الاجتماعي، مما يغذي مزيدا من التطرف بدلا من الحد منه.

وأضاف أن ردود الفعل الحكومية على الهجمات الإرهابية قد تكون بالضبط ما يسعى إليه المتطرفون، إذ يرغبون في تأجيج التوترات بين المواطنين والسلطات.

إلى جانب القمع الداخلي، زادت طاجيكستان من تعاونها الأمني مع روسيا بعد الهجوم الإرهابي في موسكو، حيث يُنظر إلى الطاجيكيين المهاجرين في روسيا بريبة متزايدة.

ويعمل حوالي مليون طاجيكي في روسيا، ما يمثل نحو 10 في المئة من سكان البلاد، وهم يرسلون أموالا حيوية لعائلاتهم في الوطن.

ولكن في أعقاب الهجمات، أصبح الطاجيكيون هدفا رئيسيا للمداهمات الأمنية في روسيا، لتفتيش مساكنهم وأوراقهم الثبوتية بانتظام.

هذا الاعتماد الكبير على روسيا لم يمنع طاجيكستان من تعزيز علاقاتها مع دول أخرى، فقد بدأت أيضاً في تعزيز التعاون مع الصين، رغم التقارير التي تفيد ببناء قاعدة صينية في شمال البلاد، وهي تقارير نفتها بكين.

ووقعت طاجيكستان اتفاقية أمنية مع الولايات المتحدة في مايو الماضي، تهدف إلى تحسين مراقبة الأشخاص الذين يدخلون البلاد ويشتبه في صلتهم بالجماعات المتطرفة.

ويرى مراقبون أن التركيز على المظاهر الدينية قد لا يكون حلا فعالا لمكافحة الإرهاب، خاصة أن بعض أفراد عائلات المتهمين في الهجوم الإرهابي في موسكو أشاروا إلى أن المتورطين لم يظهروا أي علامات خارجية على التدين أو التطرف، مما يدل على أن هؤلاء المتطرفين قد يحاولون التهرب من التدابير الأمنية من خلال الابتعاد عن المظاهر الإسلامية التقليدية، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز".

وقالت جولراكات ميرزوييفا (59 عاما)، والدة أحد المتهمين في الهجوم، إن ابنها لم يكن متدينا بشكل علني ولم يظهر أي ميول للتطرف.

وأشارت إلى أن الفقر والظروف الاقتصادية القاسية هي التي دفعت ابنها إلى السفر مرارا للعمل في روسيا لتوفير احتياجات أسرته.

كان المهاجمون الأربعة المتهمون يعملون في روسيا لعدة أشهر على الأقل، وكان بعضهم يقوم برحلات متكررة للدخول والخروج.

ويشير خبراء في مجال حقوق الإنسان إلى أنه بدلا من أن تعالج الدولة المشاكل الجوهرية مثل الفساد وانعدام العدالة الاجتماعية، تبحث عن أمور مظهرية قد لا يكون لها علاقة بجذور أزمة التطرف. 

وقال العديد من سكان دوشانبي لراديو ليبرتي إنهم لا يدعمون حظر أنواع معينة من الملابس لأنهم يعتقدون أن الناس يجب أن يكونوا أحرارا في اختيار الملابس التي يريدون ارتدائها.