FILE - In this Jan. 24, 2004 file photo, fires flare off the gas from crude oil at Iraq's oldest oil processing plant in the…
قبل اكتشاف النفط مطلع القرن العشرين لم يكن هناك صراعات حول كركوك- تعبيرية

يُنظر إلى محافظة كركوك على أنها "عراق مصغّر" عائم على بحيرة من النفط وعالق وسط واحدة من أعقد الأزمات، وتتصارع حولها أطراف داخلية وخارجية، منذ سقوط نظام صدام حسين قبل ما يزيد على عشرين عاماً.

لم تكن كركوك، قبل اكتشاف النفط أوائل القرن العشرين مصدراً للصراع، بل كانت في وضع من "الركود النسبي" خلال العهد العثماني، وكان يقطنها عدد قليل من السكان من أعراق مختلفة، بحسب تقرير حمل عنوان "التسوية في كركوك: الدروس المستفادة من مستوطنات الصراعات العرقية والإقليمية السابقة".

بحسب التقرير، فإن اكتشاف النفط في المحافظة جذب أعداداً كبيرة من المستوطنين العرب والأكراد الذين أسسوا أحياء سكنية عرقية متجانسة في المدينة. ولولا هذا الاكتشاف، كما يقول الكاتب والمحلل السياسي علي البدر لـ"ارفع صوتك"، "لكانت كركوك محافظة عراقية عادية جداً، لا تتصارع عليها أي من القوى السياسية العراقية أو المكونات الثلاث الرئيسية في المدينة (الأكراد والعرب والتركمان) ولما تحولت إلى مدينة مقدسة بالنسبة للبعض من الأحزاب".

وعلى مدى العقود التالية ونظراً للتغير الذي شهده العراق في حكامه أصبح الانتماء العرقي مصدراً للصراعات وأدى إلى إضعاف الوجود التركماني مع نهاية السيادة العثمانية على المنطقة.

عانى الأكراد والتركمان من التمييز والطرد، بل وحتى من المجازر في عهد صدام حسين الذي وضع سياسة "التعريب". وواجه العرب عواقب مماثلة بعد 2003 عندما استولى الأكراد على أراض جديدة وفرضت عليها سياسة "التكريد"(من الكرد).

 

تغيير الحدود والديمغرافيا

 

جرى أوسع تغيير للحدود الإدارية لكركوك خلال حكم حزب البعث للعراق منتصف سبعينات القرن الماضي، حين تم فصل مناطق جمجمال وكلارك وكفري وطوز خورماتو ما تسبب بتقليص مساحة المدينة من 20 ألف كيلومتر مربع إلى 9679 كيلومتراً مربعاً بحسب دراسة حملت عنوان "مستقبل كركوك خارطة طريق لحل قضية المحافظة".

وبعد إسقاط نظام صدام حسين، أصبحت قضية المناطق المتنازع عليها وبالأخص كركوك من القضايا الخلافية الرئيسية بين أربيل وبغداد. وتقول الدراسة إن النزاع يتركز حول كركوك بشأن ما إذا كان يجب على المدينة أن توضع تحت سلطة حكومة إقليم كردستان، أو أن تترك تحت سلطة الحكومة الاتحادية.

ويلخص تقرير "التسوية في كركوك" (سبق ذكره) الخلاف بالقول إن حكومة الإقليم إذا حظيت بالسيطرة على كركوك فإن عائداتها من النفط والغاز ستساهم بشكل كبير في تطوير إقليم كردستان وتمكين حكومة الإقليم من متابعة أولوياتها بشكل مستقل عن بغداد.

وفي المقابل، إذا ما استمرت الحكومة المركزية في ممارسة ولايتها القضائية على كركوك ومواردها فإن الآليات الناتجة عن سيطرة الدولة لإدارة وتخصيص الموارد الهيدروكربونية سوف تدمج حكومة الإقليم بشكل أكثر شمولاً في الدولة العراقية.

الخلاف على الأراضي والحدود في كركوك الغنية بالنفط "تحول بمرور الوقت إلى خلاف عابر للحدود حين تدخلت فيه تركيا التي تعتبر التركمان العراقيين من رعاياها كونهم من أصول تركية وحمايتهم جزء من واجباتها تجاههم"، كما يشير الباحث في الشأن السياسي صالح الشذر لـ "ارفع صوتك".

الشذر يشرح أن "المطامع التركية في الأراضي العراقية بدأت منذ انفصال العراق عن الدولة العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، حيث نالت ولاية الموصل اهتماماً كبيراً في عصبة الأمم وكان للأمر مكانة خاصة حتى تم حل الموضوع في مؤتمر برلين".

لكن التدخل التركي، كما يراه الشذر، "خرق للقانون الدولي وجزء من ضعف الدولة العراقية وتشظي القرار السياسي في العراق".

 

الجدل حول المادة 140

 

في العام 2005، تم نقل مضمون المادة 58 لقانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية الصادر من الحكومة العراقية المؤقتة إلى المادة 140 من الدستور الدائم التي قضت بتطبيق "التطبيع" الذي يشمل إعادة المهجرين أو تعويضهم مادياً وحل نزاعات الملكية التي تتضمن إعادة الحدود الإدارية إلى ما كانت عليه قبل منتصف السبعينات، بالإضافة إلى إجراء "التعداد السكاني" و "الاستفتاء العام" الذي يحدد بموجبه السكان مصيرهم مع نهاية العام 2007.

هذا التعداد السكاني تحوّل بحدّ ذاته إلى مادة للخلاف الشديد بين المكونات الأساسية الثلاث لكركوك.

السبب في ذلك يعود إلى إيجاد تعريف محدد للفرد الذي يحق له التصويت فالتركمان يعتبرون أغلبية العائدين بعد 2003 غير مؤهلين للتصويت ويرغبون بالاستعانة بإحصاء العام 1957 كأساس لتحديد المؤهلين، على أن يكونوا ضمن الحدود الإدارية الحالية. هذا الأمر يرفضه الأكراد، كما يرفضون الرأي العربي الراغب باعتبار كل فرد حائز على وثائق رسمية صادرة من كركوك مؤهلا للتصويت.

الرأي السائد لدى الأكراد يعوّل على إحصاء العام 1957 وشمول الأقضية التي تم استقطاعها من كركوك منتصف السبعينات. ونتيجة لكل هذه المشكلات، لم يجر تنفيذ أي من المواد القانونية والدستورية حتى الآن.

بلغ الخلاف ذروته في كركوك حول المادة 140 من الدستور بين حكومة المركز والإقليم عقب احتلال داعش لمدينة الموصل صيف 2014 عندما تقدمت قوات البيشمركة الكردية وسيطرت على المناطق المتنازع عليها ومنها كركوك.

حينها، اعتبر رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني أن المادة قد "أنجزت وانتهت" وأعلن عن إجراء استفتاء تقرير المصير لأكراد العراق.

استمر إقليم كردستان في السيطرة على المناطق المتنازع عليها حتى أكتوبر 2017 عندما تقدمت القوات العراقية وأعادت المناطق المتنازع عليها إلى سيطرة الحكومة الاتحادية بالقوة، وهو الأمر الذي اعتبره رئيس الإقليم "خيانة عظمى" بعد نحو شهر من استفتاء تقرير المصير الذي أثار غضب تركيا وإيران وبغداد.

وفي ديسمبر من العام 2023 حصلت كركوك على أعلى نسب مشاركة في الانتخابات بفضل الصراع على حكم المدينة بين مكوناتها. ولكن الانتخابات لم تحسم النزاع فقد حصلت الأحزاب الكردية على أقل من نصف مقاعد مجلس المحافظة فيما حصدت باقي المكونات أكثر من نصف المقاعد ليتعقّد، على ضوء هذه النتائج، تشكيل مجلس المحافظة.

 

الحل في الدستور

 

في هذا السياق، يعتبر الباحث في الشأن السياسي غني الغضبان أن "اللجوء إلى الدستور هو الحل الجذري في قضية كركوك". وذلك عبر ثلاثة محاور: "إجراء التعداد السكاني كواقع حال لمعرفة العدد الحقيقي لمن يحق لهم التصويت، وإقرار قانون النفط والغاز لضمان حقوق المحافظة، وترسيم حدود المدينة الجغرافية لتحديد من أين تبدأ كركوك وأين تنتهي".

ويتفق المحلل السياسي صالح الشذر مع الغضبان بهذا الصدد. ويقول هو الآخر إن "الحل لجميع مشاكل كركوك يكمن في الاحتكام إلى الدستور". ويرى الشذر أن "إقرار قانون النفط والغاز من شأنه حل العديد من المشاكل ليس في كركوك فحسب، بل في المحافظات الأخرى المنتجة للنفط أيضاً".

وعلى الرغم من أهمية إقرار قانون النفط والغاز بحسب رؤية الشذر، إلا أنه يرى أن "الأحزاب السياسية لن تقرّه، لأنه يضر بمصالحها بعد أن تحول كل حزب إلى جمهورية بحد ذاته ومن يحصل من الأحزاب على المنافع الاقتصادية يحصل على السياسة، ومن يحصل على الاقتصاد والسياسية يحصل على المراكز العليا في الدولة العراقية".

وتبدو حلول أزمة كركوك معقدة تماماً مثل مشاكلها، كما يقول الكاتب والمحلل السياسي علي البيدر لـ"ارفع صوتك". فـ"جميع الحلول التي يتم اقتراحها مستوردة إلى المحافظة عبر جهات سياسية خارجية لا تملك الإرادة الحقيقية لمعالجة تلك المشاكل "وإذا أردنا حلاً فعلياً " فيجب أن يكون نابعا من إرادة محلية داخل المدينة".

وعلى الرغم من الحديث عن المشاكل الكبيرة في كركوك إلا أن سكانها، كما يصفهم البيدر، "شعب متعايش وأبسط مواطن يتحدث بأربع لغات هي العربية والكردية والتركمانية والسريانية. ولكن، على المستوى السياسي كركوك تمثل مادة دسمة للابتزاز والضغط ولذلك يتم إبقاء أزمتها حاضرة في المشهد كي يتم استثمارها بدرجة كبيرة ".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

يحتل العراق المرتبة 157 (من 180) في مؤشر منظمة الشفافية الدولية
يحتل العراق المرتبة 157 (من 180) في مؤشر منظمة الشفافية الدولية

بعدما كان "ركيزة أساسية" يعَوّل عليها في ملاحقة كامل الخيوط المتعلقة بـ"سرقة القرن" وضعت "الخفايا" التي كشف عنها رئيس هيئة النزاهة في العراق، حيدر حنون، القضاء في البلاد في "قفص الاتهام"، وجاء ذلك بعد سلسلة "فضائح مليارية" أزاح الستار عنها مع عدد من النواب خلال الأيام الماضية.

حنون كان قد عقد مؤتمرا صحفيا في أربيل، قبل يومين، وعلى نحو مفاجئ ولافت استخدم لغة هجومية وحادة استهدف بها مجلس القضاء الأعلى" والقاضي ضياء جعفر، الذي يتولى قضية نور زهير المتهم الأول بقضية سرقة الأمانات الضريبية، فيما يعرف بـ"سرقة القرن".

وبعدما عبّر أمام حشد من الصحفيين عن غضبه من "استضعاف هيئة النزاهة"، أشار إلى "اختفاء ملفات من قضية زهير لدى القاضي جعفر"، وأن ذلك "يشكّل تحديا كبيرا لجهود مكافحة الفساد، واستعادة أموال الدولة المنهوبة".

لم يقتصر الأمر عند ذلك فقط، فأضاف حنون أن "ملف زهير الذي تمت إحالته إلى محكمة الجنايات المركزية، يحتوي على 114 صكا ماليا". وفي حين أن القانون يقتضي فتح 114 قضية منفصلة "جرى التعامل معها كقضية واحدة"، وفق قوله.

ولم يصدر أي موقف من جانب مجلس القضاء الأعلى حتى الآن، كما لم يرد القاضي جعفر على الاتهامات التي وجهها حنون ضده، وحاول موقع "الحرة" التواصل مع الأخير ومسؤولين آخرين في "مجلس القضاء الأعلى"، ولم يتلق ردا حتى ساعة نشر هذا التقرير.

وبدوره لم يقدم مدير المكتب الإعلامي لهيئة النزاهة في العراق، علي محمد أية تفاصيل إضافية عن دوافع ما كشف عنه حنون، وأوضح لموقع "الحرة" أنه "يجب ترك الموضوع حاليا".

وتضمنت الاتهامات التي وجهها رئيس هيئة النزاهة حديثه عن "سرقة في ملف سكك حديدية تقدر قيمتها بـ18 مليار دولار، دون أن يتم اتخاذ أي إجراء من قبل القاضي جعفر منذ شهرين"، حسب تعبيره.

ومن ناحية أخرى اتهم حنون "زهير بالتورط في سرقة الودائع الجمركية بما يزيد عن تريليون دينار عراقي"، مطالبا "بعقد جلسة علنية بحضور القاضي جعفر لكشف الحقائق أمام الشعب"، كما أضاف أن الأخير "أصدر أمر قبض بحقه ويلاحقه بشكل شخصي".

كيف بدأت المواجهة؟

المواجهة الحاصلة واللافتة كما يعتبرها باحثون ونواب عراقيون جاءت بعد أسبوع واحد من هروب المتهم بـ"سرقة القرن" نور زهير خارج البلاد، مما أثار جدلا وتساؤلات عن كيفية فراره، وهو المتهم الأبرز في أكبر قضية فساد شهدتها البلاد منذ عام 2003.

وشيئا فشيئا وبينما كانت الأنظار تتركز على قرار إلقاء القبض الذي أصدره القضاء بحق زهير للمرة الثانية بدأت تظهر بالتدريج "فضائح فساد مليارية" جديدة، وكان أبرزها تلك التي كشف عنها النائب في البرلمان العراقي، ياسر الحسيني، وتداولتها وسائل إعلام على نطاق واسع.

وجاء في اتهامات رئيس كتلة "الآمال" النيابية أن "الشركة العامة لسكك الحديد" وقعت عقدا لإعادة تأهيل خط سككي بقيمة 22 مليار دولار ونصف، قبل ثلاثة أشهر، وأن المشروع أحيل إلى 3 شركات، واحدة منها أجنبية وأخرى محلية، والثالثة تابعة لزهير المتهم بـ"سرقة القرن".

وفي حين نفت وزارة النقل، عبر حديث متلفز أدلى به المتحدث باسمها ميثم الصافي، الاتهامات التي أطلقها الحسيني أشار خبراء قانون ونواب سابقون إلى أن "الفضائح" التي باتت تنكشف على نحو كبير ترتبط دوافعها وحيثياتها بشكل وثيق.

وأوضح بعض النواب وخبراء القانون أن الأسباب التي تقف وراء ذلك تتعلق بجذور وصراعات سياسية فيما ذهب آخرون للإشارة إلى مآلات وتداعيات المواجهة الحاصلة التي اندلعت ما بين هيئة النزاهة و"المجلس الأعلى للقضاء".

ويقول الخبير القانوني العراقي، أمير الدعمي، إن الصراعات في العراق باتت تشتد على كافة المستويات السياسية، ويضيف أنه "قد نشهد صراعا بين مؤسستين مهمتين، الأولى هي مجلس الوزراء والثانية هي مجلس القضاء الأعلى".

ويشير في حديثه لموقع "الحرة" أنه "ولأول مرة قد يكون مجلس القضاء الأعلى طرفا في صراع مثل هذا".

ويسود اعتقاد لدى بعض المراقبين والباحثين العراقيين أن المواجهة الحاصلة بين "النزاهة" والقضاء تقف وراءها وفي الكواليس مواجهة خفية ما بين رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني و"المجلس الأعلى للقضاء".

لكن مستشار السوداني فادي الشمري تحدث في تصريحات نقلتها وسائل إعلام عراقية، الجمعة، عن "محاولات قامت بها الحكومة لثني رئيس هيئة النزاهة من عقد المؤتمر الصحفي الأخير في أربيل".

وأوضح الشمري أن "حنون رفض التراجع"، وأن "طريقته في طرح هواجسه كانت مضرة بالاستقرار السياسي، وأن اجتهاده كان في غير محله".

ومن المقرر أن تعقد جلسة استثنائية في مجلس النواب العراقي، لمتابعة تطورات المشهد الحالي، وخاصة فيما يتعلق بملفات الفساد الكبرى، كما يكشف عضو اللجنة القانونية النيابية في العراق، عارف الحمامي، لموقع "الحرة".

وبالنسبة لمسألة التحقيق والقضاء يقول: "نحن نحترم القضاء ونشد على يده لإكمال التحقيق والخروج بنتائج مرضية للشعب العراقي".

ويعتقد عضو اللجنة القانونية النيابية العراقية أن "حديث حنون كان نتيجة ضغوط".

ويعتبر أن رئيس هيئة النزاهة "يجابه منظومة فساد كبرى، ويحتاج الدعم الكبير والمؤازرة من مجلس النواب العراقي والقضاء والوقوف على حقائق الأمور".

"قضية نور زهير هي قضية فساد كبرى وفيها رؤوس.. وهذه الرؤوس تريد خلط الأوراق والتشويش على القضاء وهيئة النزاهة"، ويرى الحمامي أن "حدوث مشكلة ما بين القضاء والنزاهة من صالح الفاسدين".

"من زهير إلى جوحي"

رغم أن الأضواء في العراق تتسلط وعلى نحو كبير باتجاه قضية "سرقة القرن" وخيوطها التي يتم الكشف عنها بالتوالي بعيدا عن كشف أسماء "الرؤوس" انشغلت الساحة السياسية في البلاد خلال الأيام الماضية بقضية عرفت باسم "شبكة التنصت" أو "شبكة جوحي".

وفي التفاصيل وبحسب إفادات سابقة للنائب مصطفى سند، فإن محكمة تحقيق الكرخ، المختصة بقضايا الإرهاب أقدمت قبل أسبوع على "اعتقال شبكة من القصر الحكومي لمكتب رئيس الوزراء، وعلى رأسهم المقرب (محمد جوحي)، وعدد من الضباط والموظفين".

وذكر مصطفى أن الشبكة "كانت تمارس عدة أعمال غير نظيفة؛ ومنها التنصت على هواتف عدد من النواب والسياسيين (وعلى رأسهم رقم هاتفي)"، وكذلك "تقوم الشبكة بتوجيه جيوش إلكترونية، وصناعة أخبار مزيفة، وانتحال صفات لسياسيين ورجال أعمال ومالكي قنوات"، بحسب النائب في البرلمان.

وبعدما أثار الحديث عن "شبكة التنصت" ضجة نشر "مجلس القضاء الأعلى" بيانا وصف فيه المعلومات المتداولة بشأن "قضية جوحي" بأنها غير دقيقة، واعتبر أنها "مبنية على التحليل والاستنتاج بعيدا عن الحقيقة".

"تضخيم إعلامي"

ورفض مستشار سياسي لرئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، السبت، الاتهامات التي ترددت في الآونة الأخيرة بأن موظفين في مكتب رئيس الوزراء تجسسوا وتنصتوا على مسؤولين كبار وسياسيين.

وقال المستشار فادي الشمري في مقابلة مع إحدى جهات البث العراقية أذيعت في وقت متأخر من مساء أمس الجمعة "هذه كذبة مضخمة"، وهو النفي الأكثر صراحة من عضو كبير في فريق رئيس الوزراء.

وأضاف أن الاتهامات تهدف إلى التأثير سلبا على السوداني قبل الانتخابات البرلمانية المتوقع إجراؤها العام المقبل.

وتابع "كل ما حدث خلال الأسبوعين الأخيرين هو مجرد تضخيم إعلامي يخالف الواقع والحقيقة".

وقال الشمري إنه تم إلقاء القبض على شخص في مكتب رئيس الوزراء في أغسطس، إلا أن الأمر لا علاقة له علاقة بالتجسس أو التنصت.

وأضاف أن ذلك الموظف اعتقل بعد اتصاله بأعضاء في البرلمان وسياسيين آخرين منتحلا صفة شخص آخر.

وأردف "تحدث مع نواب مستخدما أرقاما مختلفة وأسماء وهمية وطلب منهم عددا من الملفات المختلفة". ولم يخض الشمري في تفاصيل. وتابع "لم يكن هناك تجسس ولا تنصت".

ويشير عضو اللجنة القانونية النيابية الحمامي إلى أنه وحتى الآن "لا تستطيع أن ننفي أو نؤيد ما تم تداوله عن قضية التنصت"، ويقول إنها "حساسة.. وننتظر نتائج التحقيق".

وكن المتحدث باسم الحكومة العراقية باسم العوادي قال في وقت سابق إن الحكومة العراقية "تتابع الحملات المضللة التي تستهدف إعاقة عملها في مختلف المجالات، ومنها ما جرى تناوله من معلومات غير دقيقة تستبطن الغمز، وبعضها تضمن الاتهام المباشر للحكومة تجاه قضايا تخضع الآن لنظر القضاء".

وأضاف العوادي في بيان أن "السلطة التنفيذية تنتظر ما سيصدر عنه (القضاء) بهذا الصدد، مع تأكيد الحكومة المستمر على الالتزام بالقانون واحترام قرارات القضاء".

وشدد العوادي أن "هناك من يعمل على جرّ الحكومة وإشغالها عن نهجها الوطني عبر محاولات يائسة لا تصمد أمام الإجراءات القانونية الحقيقية والفعلية، التي تعمل الحكومة على تنفيذها ودعمها".

ولم يتطرق البيان إلى أي أسماء متورطة يتم تداولها في وسائل الإعلام أو من قبل أعضاء في مجلس النواب العراقي بشأن القضية.

ومن جانب آخر اعتبر وائل عبد اللطيف القاضي العراقي السابق أن ما يتم الحديث عنه من "ملفات فساد وفضائح من قبل حيدر حنون هو أقل من السرقات الموجودة في البلد".

ويقول عبد اللطيف لموقع "الحرة" إن "البلد بات بؤرة فساد والسرقات تأكله في جميع مرافقه.. ولا أستثني منها أي مرفق". 

القاضي السابق أشار إلى المعلومات التي تحدث عنها حنون بشأن "قطع الأراضي التي منحها رئيس الوزراء السابق، مصطفى الكاظمي لرئيس وأعضاء مجلس القضاء الأعلى ورئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية والوزراء لشراء الولاء".

وأوضح أن رئيس هيئة النزاهة حصل على جزء من تلك الأراضي، وهو ما أكده في المؤتمر الصحفي بقوله: "وقبلناها جميعا (من الكاظمي)".

ويتابع عبد اللطيف: "حنون كان رئيس استئناف العمارة وأخذ قطعتي أرض وعنده منزل. ماذا يريد بعد ذلك؟ وكذلك الحال مع ضياء جعفر. ما يحصل عبارة عن صراع تشارك فيه القوى السياسية".

"كارثة وانتحار سياسي"

وتباينت ردود الفعل إزاء ما كشف عنه حنون من أربيل، وكانت المواقف منقسمة ما بين مؤيد ومعارض للطريقة التي تم فيها إطلاق الاتهامات.

ودافع رئيس ائتلاف "دولة القانون"، نوري المالكي، بشدة عن القضاء، الخميس، وبدا مستاءً من اتهامات رئيس هيئة النزاهة للقضاء، وإن لم يذكر اسمه بالتحديد خلال كلمته.

ومن جهته، دعا زعيم "تيار الحكمة"، عمار الحكيم، إلى ما وصفها بـ"محاكمة القرن" لمقاضاة "سرقة القرن"، وقال في كلمة مسجلة: "لتكن هذه المحاكمة علنية، كما فعلنا مع صدام حسين، حتى لو وردت فيها أسماء شخصيات كبيرة".

وتتمثل "سرقة القرن" باختفاء مبلغ 3.7 تريليون دينار عراقي، بما يعادل نحو مليارين ونصف مليار دولار، من أموال الأمانات الضريبية. وكانت جهات متعددة قد كشفت عن السرقة قبل نحو شهرين من انتهاء مدة حكم الحكومة العراقية السابقة برئاسة، مصطفى الكاظمي.

وكشف كتاب رسمي صادر عن هيئة الضرائب أن مبلغ 2.5 مليار دولار، جرى سحبه بين سبتمبر 2021 وأغسطس 2022 من مصرف الرافدين الحكومي، عبر 247 صكا ماليا، حرّر إلى 5 شركات، قامت بصرفها نقدا مباشرة.

وعلى إثر انكشاف السرقة تحركت "هيئة النزاهة" والسلطة القضائية للتحقيق في القضية، وصدرت عدة أوامر قبض قضائية، وكان أول المعتقلين نور زهير، واسمه الكامل "نور زهير جاسم المظفر"، وكنيته "أبو فاطمة"، وهو من مواليد بغداد عام 1980.

بعد ذلك تم إيداعه السجن بالإضافة إلى آخرين، إلى جانب قرارات قضائية بمصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة للمتورطين بالسرقة وكذلك أُسرهم، وفق وكالة "شفق نيوز".

وفي عام 2023، قرر القضاء العراقي رفع إشارة الحجز عن شركة تابعة لزهير، ومن ثم أعلن رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، عن قيام المتهم الأول بـ"سرقة القرن" بتوزيع أمواله على متنفذين من بينهم "سياسيون وإعلاميون"، ملمحا إلى ارتفاع عدد المتهمين.

ووقتها أعلن السوداني أيضا أن القاضي المختص (ضياء جعفر) أصدر أمرا بإطلاق سراح نور زهير "بكفالة"، مقابل تعهده بتسليم كامل المبلغ المسروق خلال مدة أسبوعين، مشيرا إلى أن القسم الأكبر من المبلغ لدى المتهم عبارة عن عقارات وأملاك.

ويشكّل المبلغ الذي أعاده زهير إلى خزينة الدولة بعد خروجه من السجن بكفالة ما نسبته 12 بالمئة من كامل الأموال التي تتجاوز 2.5 مليار دولار، وفق تصريحات سابقة للنائب في البرلمان العراقي، ماجد شنكالي.

وحتى الآن لا يعرف ما إذا كان المسارات ستصل إلى إعادة إلقاء القبض على زهير، بموجب المذكرة التي صدرت بحقه قبل أسبوع، وبعد انتشار صورة له من العاصمة اللبنانية بيروت، مدعيا أنه "تعرض لإصابة في حادث سير".

ويعتبر الخبير القانوني الدعمي أن "التدخل أو إقحام القضاء بمثل هكذا صراعات هو خطأ، بل كارثة على اعتبار أن المجلس الأعلى للقضاء الآن هو الحصن الأخير الذي يمكن أن نلوذ به".

ويرى أن "محاولة إقحام القضاء في الصراع السياسي أو جره لهذا الصراع هو انتحار سياسي"، في إشارة منه للمؤتمر الذي عقده حنون.

"الكل متورط في العراق"

لكن وفي المقابل يوضح الكاتب والباحث في الشأن العراقي، يحيى الكبيسي أن "مراجعة الوقائع المرتبطة بسرقة الأمانات الضريبية تظهر بوضوح اشتراك سلطات الدولة ومؤسساتها المختلفة في هذه السرقة، سواء بشكل مباشر أو بشكل ضمني، بما في ذلك السلطة القضائية نفسها".

ويقول لموقع "الحرة" إن الدليل على ذلك "هو عدم اتخاذ القضاء العراقي أي إجراء طوال أكثر من شهرين، من لحظة كشف السرقة إلى لحظة محاولة هروب المتهم الرئيسي عبر مطار بغداد".

وتبع ذلك وفق الكبيسي "إطلاق سراح المتهم بسرعة غير مفهومة، ورفع الحجز عن شركاته وممتلكاته، ورفع منع السفر عنه، وعدم حضوره المحاكمة، وما يستتبع ذلك من دفع الكفلاء لمبلغ الكفالة لتنتهي القضية بحكم غيابي لا قيمة له عمليا".

ما قاله حنون "كان في جوهره اتهامات للقضاء العراقي"، ورغم أنه لم يقدم معلومة جديدة "كسر التواطؤ الجماعي الذي يغطي على الفساد في العراق في سياق الصراع بين السلطات"، بحسب الكاتب الكبيسي.

ويتابع أن "الفساد في العراق منذ العام 2006 ليس فساد أفراد، بل فساد بنيوي، والكل شركاء فيه".

ويحتل العراق المرتبة 157 (من 180) في مؤشر منظمة الشفافية الدولية عن "مدركات الفساد"، وغالبا ما تستهدف المحاكمات في قضايا الفساد، في حال حصلت، مسؤولين في مراكز ثانوية.

ويعتقد القاضي السابق، وائل عبد اللطيف أن المناكفات الحاصلة بين "النزاهة" و"المجلس الأعلى للقضاء" ترتبط "بغياب الاستقرار وتنظيم العمل في الدولة".

وبالإضافة إلى ذلك يؤكد أن "الفساد مستشر في الدولة العراقية"، وأن ما نراه الآن أيضا مرتبط بالصراع الحاصل بين القوى السياسية.

أما الخبير القانوني الدعمي فيؤكد أنه "يجب عدم المساس بالقضاء وإقحامه بالصراعات السياسية المعروفة أساساتها على اعتبار الفساد المستشري في الدولة العراقية".

ويعتقد الدعمي أن "الصراع الحاصل بين النزاهة والمجلس الأعلى للقضاء ينذر بكوارث"، ويعتبر أن "القضاء أسمى من أن يكون طرف بصراع سياسي أو مفسدة سياسية تقوم بها الكيانات والطبقة السياسية".