صورة أرشيفية من انتخابات المجالس المحلية العراقية في ديسمبر 2023 - تعبيرية

تسعى قوى "الإطار التنسيقي"، في مجلس النوّاب العراقي، إلى إقرار تعديلات جديدة على قانون الانتخابات، تتضمن اعتماد الدوائر الانتخابية المتعددة، أو الإبقاء على الدائرة الواحدة حسب نظام سانت ليغو وتغيير المعادلة من 1.7 إلى 1.9.

وقبل حوالي عام واحد، تمت المصادقة على آخر تعديل في قانون الانتخابات من اعتماد الدوائر الانتخابية المتعددة إلى القانون الحالي المبني على نظام الدائرة الواحدة حسب معادلة 1.7.

يقول القيادي في الإطار التنسيقي علي الفتلاوي إن هناك "تحركات داخل الإطار لتغيير القانون. وفي داخل "الإطار" يوجد مؤيد ومعارض للتعديلات المرجوّة، إلا أن القرار الأخير "هو اعتماد الدائرة الواحدة وليس المغلقة".

ويضيف لـ"ارفع صوتك" أنه من "غير الصحيح أن تكون لكل انتخابات منهجية جديدة واختيار تعديل جديد بما يتناسب مع مصلحة بعض الأحزاب".

والتعديل الأخير على القانون، برأي الفتلاوي، "اتفقت عليه كل القوى السياسية المشاركة. لكن  معظم هذه القوى غير مقتنعة بالتغيير اليوم"، في إشارة إلى نسخة القانون المعدّلة في أواخر مارس 2023.

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، حيث كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

ورغم اعتماد القانون الانتخابي (رقم 16 لسنة 2005) القوائم المغلقة ونظام القاسم الانتخابي في احتساب الأصوات وتوزيع المقاعد، إلا أنه قسم العراق إلى 18 دائرة انتخابية، واستمر العمل به حتى عام 2010، ليشهد بعدها تعديلاً تمثل في اعتماد القوائم الانتخابية شبه المفتوحة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانوناً جديداً للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 الذي شهد إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذرياً عام 2020؛ استجابة لمطالب احتجاجات تشرين (خريف 2019)، إذ اعتمد على الأكثرية بدلاً من النسبية، وقسم المحافظة التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات، أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً وتراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون، وهو ما حدث بالفعل في 27 مارس 2023، أي قبل إجراء انتخابات مجالس المحافظات بشهور.

A man shows his inked finger after casting his vote during Iraq's provincial council elections, at a polling station in Kirkuk
ما الذي يُعطّل اختيار محافظي كركوك وديالى؟
أرجع مختصون تأخر حسم ملف اختيار المحافظين في ديالى وكركوك إلى الاحتقان السياسي واختلاف الرؤى بين الكتل السياسية بسبب المحاصصة ونسب الفوز المتقاربة، وسط توقعات بتصاعد الخلافات في المحافظات الـ 12 التي جرى فيها انتخاب المحافظين ورؤساء المجالس.

من جهته، يعتقد الناشط السياسي المستقل علي حسين أن الإطار التنسيقي "مجبر على تغيير قانون الانتخابات؛ لأن قواه تخشى زيادة شعبية رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، المنتمي للإطار نفسه بين جمهور الإطار وليس جمهور الأطراف السياسية الأخرى، بالتالي سيكون منافساً قويا لهم".

ويقول لـ"ارفع صوتك" إن "قوى الإطار متخوّفة من عدم الحصول على نتائج كبيرة في الانتخابات المقبلة إذا ما بقي القانون الانتخابي الحالي كما هو".

لكن النائب عدي عواد، عن حركة "الصادقون" (الجناح السياسي لفصيل عصائب أهل الحق المنضوي في الإطار التنسيقي)، استبعد في تصريح نشرته صفحة الحركة على فيسبوك، بتاريخ 29 فبراير الماضي، أن يستهدف الحديث عن التعديل رئيس الوزراء.

وأضاف عواد: "هناك حديث عن تعديل قانون الانتخابات والعودة للدوائر المتعددة، هدفه تقييد ترشيح المسؤولين التنفيذيين، لكن رئيس الوزراء ليس مستهدفا."

وتنتهي الدورة البرلمانية الحالية عام 2025 الذي من المقرر أن يشهد العراق فيه انتخابات برلمانية، على الرغم من أن المنهاج الوزاري لرئيس الوزراء العراقي الحالي، محمد شياع السوداني، الذي صادق عليه البرلمان في 27 أكتوبر 2022 تضمن إجراء انتخابات مبكرة خلال عام، لكن رغم مرور أكثر من عام ونصف من عمر الحكومة ما زال الحديث عن تنظيم انتخابات مبكرة غائباً عن المشهد السياسي.

مبنى البرلمان العراقي
العراق.. تعديل قانون الانتخابات البرلمانية وسط معارضة أحزاب ومستقلين
أقر البرلمان العراقي، فجر الاثنين، تعديلا لقانون الانتخابات البرلمانية، يشكل عودة إلى القانون الذي كان مرعيا قبل تظاهرات أكتوبر 2019، مثيرا غضب الأحزاب المستقلة والصغيرة التي ترى أنه يخدم مصالح الأحزاب الكبيرة. 

في السياق نفسه، يرى أستاذ القانون الدستوري المساعد في الجامعة المستنصرية وائل البياتي أن المنظومة الانتخابية في العراق "تعاني من عدم الاستقرار نتيجة أسباب عديدة، منها رغبة الأحزاب السياسية المهيمنة على مقاعد البرلمان في أن يكون قانون الانتخاب مصمماً على مقاساتها كي تستطيع إعادة إنتاج نفسها في كل انتخابات".

ويبين لـ"ارفع صوتك" أن الأهداف التي تبتغي الكتل النيابية الوصول إليها عبر طرح التعديل مرة أخرى، تأتي من "اعتبار هذه الكتل انتخابات مجالس المحافظات مؤشراً أو عملية استقراء للنتائج التي ستسفر عنها الانتخابات التي تُجرى داخل مجلس النواب لاحقاً".

ويرى البياتي أن الأحزاب السياسية المهيمنة على المشهد السياسي "تعتمد على طرح حلول تتلاءم مع دمج العمليتين الانتخابيتين بطريقة تترجم من خلالها هذه النصوص قانونيا، لإعادة صياغة القانون على ضوء الدروس المستنبطة من نتائج الانتخابات المحلية، كي تستمر في إجراء الانتخابات بقانون يفتقر في الكثير من الأحيان لضمان العدالة الانتخابية بين المتنافسين، خصوصاً بين الأحزاب الكبيرة والأحزاب الصغيرة".

وحول إمكانية إجراء التعديلات المطروحة من قبل "الإطار التنسيقي"، يقول البياتي إن هناك خيارين لذلك، الأول "يتمثل بزيادة نسبة المقعد الأول في ما يتعلق بعملية تطبيق سانت ليغو عبر اعتماد نسبة 1.9 بدلا من 1.7".

في حال حصول ذلك، سيتسبب بفقدان الأحزاب التي تحصل على مقعد واحد فرصتها في هذا المقعد الذي يتم تحويله لصالح الأحزاب الكبيرة، بحسب البياتي.

أما الخيار الثاني، فهو "دمج الطريقة التي طبقت في الانتخابات النيابية 2021 مع إجراء بعض التعديلات عليها من طريقة التمثيل النسبي بآلية سانت ليغو، بالتالي الدمج في ما بينها بطريقة تعزز هيمنة الأحزاب الكبيرة".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".