ظهر أحدث تفشٍّ للبكتيريا المقاومة خلال فبراير الماضي في مدينة الصدر الطبية بمحافظة النجف، وفقاً لوثائق رسمية صدرت عن وزارة الصحة.
ظهر أحدث تفشٍّ للبكتيريا المقاومة خلال فبراير الماضي في مدينة الصدر الطبية بمحافظة النجف، وفقاً لوثائق رسمية صدرت عن وزارة الصحة.

حذر مختصون من أن الاستخدام المفرط وغير المقيد للمضادات الحيوية في العراق أدى إلى ظهور بكتيريا مقاومة تسببت بمضاعفات وصلت إلى الإعاقة أو الوفاة، مطالبين باتباع بروتوكولات خاصة لتقليل الأثر السلبي.

وظهر أحدث تفشٍّ للبكتيريا المقاومة خلال فبراير الماضي في مدينة الصدر الطبية بمحافظة النجف، وفقاً لوثائق رسمية صدرت عن وزارة الصحة.

ووفقاً للوثائق، فإن البكتيريا التي سجلت أغلب الحالات كانت من نوع (PDR) والتي تمثل البكتيريا المقاومة لأنواع المضادات الحيوية كافة.

البكتيريا المقاومة ظهرت خلال ديسمبر من العام الماضي ومطلع العام الجاري، مسجلة سبع حالات إصابة أغلبها شديدة المقاومة، وأوصت الوثيقة بضرورة السيطرة على التفشي بجدية ومتابعة أي حالات جديدة خلال الأشهر المقبلة وتوعية كافة الكوادر الطبية بخطورة الموقف.

التفشي الذي أعلنت عنه الوثيقة لم يكن الأول من نوعه في العراق، فقد سبقته تحذيرات لمنظمة أطباء بلا حدود عام 2019 بعد رصدها لإصابة ما نسبته 40 بالمئة من المرضى الذين أدخلوا إلى مركز رعاية ما بعد الجراحة في الموصل بعدوى مقاومة للأدوية المتعددة.

 

"البكتيريا المقاومة"

 

تعني مقاومة المضادات الحيوية، كما يشرح نقيب الأطباء السابق جاسم العزاوي لـ"ارفع صوتك"، أن "الأدوية التي كانت تستخدم سابقاً لعلاج جرثومة أو بكتيريا معينة تسبب الالتهابات في الجسم تصبح غير فعالة، وهي حالة يمكن أن تؤدي إلى حدوث مضاعفات خطيرة قد تصل إلى الإعاقة أو زيادة معدل الوفيات".

وتنبع خطورة هذه البكتيريا "من كونها تعيش في المستشفيات أو المراكز الصحية وتبقى متعايشة مع الأدوية وتنتقل من جسم إلى آخر، وممكن أن تنتقل من المستشفى إلى مكان آخر مجاور له"، يضيف الجاسم.

ويؤكد الطبيب العراقي على ضرورة "اتخاذ إجراءات وقاية صارمة وألّا نسيء استخدام المضادات الحيوية".

ورغم تأكيد العزاوي على وجود وفيات بالبكتيريا المقاومة، يفتقر العراق للإحصائيات الخاصة بهذه الوفيات، مبيناً أن تلك البكتيريا "وجدت في حالات التدرن الرئوي والمصابين بالجروح والكسور، والمرضى الذين أجروا عمليات جراحية وتسببت بالتهابات طويلة الأمد صعبة العلاج".

ويتابع: "في بعض الحالات، تسبب البكتيريا حالات تسمم خطرة قد تفضي إلى الوفاة إذا ما دخلت في مجرى الدم".

 

ويطالب العزاوي بـ"اتخاذ إجراءات من شأنها تقليل القدرة على الوصول إلى المضادات الحيوية دون رقابة طبية تعتمد على الزرع المختبري وتحديد نوع الالتهاب، يتم على أساسه صرف وصفة طبية للمريض أسوة بما هو معمول به في الدول المتقدمة للحيلولة دون الوصول السهل لتلك العلاجات".

 

"بكتيريا العراق"

 

رغم انتشارها في العراق منذ وقت طويل، إلا أن البكتيريا المقاومة للمضادات لم تلق  الاهتمام اللازم إلا بعد العام 2003، حين اكتشفت في جروح جنود أميركيين أصيبوا بها في العراق، وتسببت في بتر أطراف بعضهم لتجنب انتشار العدوى في أجسامهم وقتلهم.

ونقل تقرير لرويترز نتائج دراسة نشرها مركز أبحاث "موارد المستقبل" عام 2009، الذي كان يتابع حالات الجنود سريرياً.

وبحسب التقرير، فإن هذه البكتيريا قاومت كل ما هو موجود في المستشفيات الأميركية من مضادات حيوية.

وفي العام 2023، أجرى فريق دولي بحثاً عن البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية أشارت نتائجه المنشورة في مجلة "BMJ Global Health"، إلى انتشار البكتيريا المقاومة بشكل حاد أولاً في العراق ثم انتشرت إلى جميع أنحاء المنطقة والعالم.

وقال الباحثون إنه من المحتمل أن يكون سبب ارتفاع مقاومة المضادات الحيوية في العراق ناجماً عن مزيج من البنية التحتية المدمَّرة لقطاع الرعاية الصحية، والمبالغة بصرف المضادات الحيوية والمستويات العالية من التلوث بالمعادن الثقيلة، وسوء الصرف الصحي.

وشكل العراق -بحسب البحث- مثالاً على "الإهمال" كونه شهد سلسلة من الصراعات منذ الثمانينات تزامنت مع ظهور وانتشار مسببات الأمراض بأنماط محددة من مقاومة المضادات الحيوية.

وتشمل هذه الصراعات بحسب البحث الحرب العراقية- الإيرانية (1980-1988)، وحرب الخليج الأولى عام 1991، والعقوبات الاقتصادية في أعقاب الغزو العراقي للكويت (1990-2003)، والغزو الأميركي (2003)، بما في ذلك فترة من العنف العسكري التي امتدت من 2005 إلى 2007، ثم الصراع مع تنظيم "داعش" في العراق وسوريا بين عامي 2014 و2017.

 

العودة إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية

 

بحسب أستاذ الصيدلة، مصطفى الهيتي، فإن نتائج مقاومة البكتيريا للأدوية المضادة للالتهابات "قادرة على أن تعيدنا إلى ما قبل الحرب الثانية، ويتحول ما تم اكتشافه من مضادات حيوية ساهمت في إنقاذ حياة الملايين منذ العام 1939 إلى رصاصة ترتد علينا إذا استمر الوضع على ما هو عليه حتى العام 2050".

وأشار الهيتي إلى أن العام 2019 شهد وفاة مليون و200 ألف شخص حول العالم بسبب البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية.

هذا الرقم بحسب الهيتي سيرتفع حتى العام 2050 إلى عشرة ملايين إنسان كما أعلنت منظمة الصحة العالمية.

وعلى المستوى المحلي، يضيف الهيتي، "يفتقر العراق  إلى بروتوكولات علاج محددة ترتكز على وصف المضاد المناسب للمريض، وبحسب جرعة مناسبة لنسبة الالتهاب مع تحديد الفترة الزمنية وتوثيق كل الإجراءات التي تؤدي إلى الإقلال من الأضرار على المرضى الحاليين وحتى بالنسبة للمرضى في المستقبل". 

ويضيف أن هذا البروتوكول العلاجي "يفترض به أن يحدّ من الاستخدام المفرط للمضادات الحيوية الذي نعاني منه في العراق ودول العالم الثالث، حيث لا توجد قوانين أو مراقبة على استخدامها وهو ما يعني الخضوع لإجراءات إضافية تتعلق بفحص نوع البكتيريا للمرضى في مختبرات خاصة".

هذه الإجراءات "تعني المزيد من الوقت والتكاليف. وأغلب الأحيان يتم صرف الدواء قبل القيام بهذه الإجراءات لاختصار التكاليف بسبب الوضع الاقتصادي للبلد"، بالإضافة إلى "عدم وجود ضوابط تحدّ من شراء المواطن المضادات وتناولها في غير محلها ".

ويضرب الهيتي المثل على ذلك بـ"استخدام المضادات الحيوية عند الاصابة بالإنفلونزا التي تتطلب علاجات مختلفة".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

السلطات الطاجيكية تشن حملة قمع ضد اللحى والحجاب
السلطات الطاجيكية تشن حملة قمع ضد اللحى والحجاب

بدأت طاجيكستان حملة قمع واسعة تستهدف المظاهر الدينية كاللحى الطويلة والحجاب، بعد اتهام عدد من الطاجيكيين بتنفيذ هجوم إرهابي كبير في موسكو، بحسب تقرير مطول لصحيفة "نيويورك تايمز".

وأشار مسؤولون أميركيون إلى أن تنظيم "داعش-خراسان" المتطرف، الذي ينشط في آسيا الوسطى، كان وراء الهجوم، وهو ما سلط الضوء على الدور الذي يلعبه الطاجيك المتطرفون في تنفيذ عمليات إرهابية على مستوى العالم.

وبعد اعتقال رجال طاجيك واتهامهم بشن هجوم إرهابي على قاعة حفلات في موسكو في مارس الماضي، أدى إلى مقتل 145 شخصاً وإصابة أكثر من 500، كان المواطنون هناك يتوقعون حملة قمع حكومية.

وتستعرض الصحيفة قصة فتاة طاجيكية في الـ27 من العمر، شاهدت عناصر من السلطات المحلية تحمل مقصا خارج أحد المطاعم في دوشانبي، عاصمة طاجيكستان، وهي تقص اللحى التي اعتبرت طويلة للغاية.

وتعرضت الفتاة بحسب حديثها للصحيفة إلى الاعتقال عدة مرات حتى قررت التخلي عن الحجاب حتى لا يؤثر على مستقبلها المهني.

 وتفرض الحكومة الطاجيكية برئاسة إمام علي رحمن، الذي يتولى السلطة منذ أكثر من ثلاثة عقود، كثيرا من القيود ومنها حظر الحجاب في المدارس منذ عام 2007 والمؤسسات العامة في طاجيكستان منذ عام 2009.

واعتمد البرلمان في الدولة ذات الأغلبية المسلمة التي يبلغ عدد سكانها حوالي 10 ملايين نسمة مسودة تعديلات على قانون "التقاليد والاحتفالات" والتي ستحظر ارتداء "الملابس الغريبة عن الثقافة الطاجيكية"، وهو مصطلح يستخدمه المسؤولون على نطاق واسع لوصف الملابس الإسلامية، بحسب إذاعة أوروبا الحرة "راديو ليبرتي". 

وتمنع التعديلات أيضا استيراد تلك الملابس وبيعها والإعلان عنها.

وفرضت غرامات مالية كبيرة  تتراوح ما بين 660 إلى 1400 دولار على من يخالف هذه القوانين، ما يزيد الضغط على السكان في بلد يعاني من الفقر والبطالة.

وفي عام 2018، قدمت طاجيكستان دليل الملابس الموصى بها الذي يحدد ألوان الملابس وأشكالها وأطوالها وموادها "المقبولة".

وأنشأت الحكومات المحلية فرق عمل خاصة بينما داهمت الشرطة الأسواق لاعتقال "المخالفين"، بحسب "راديو ليبرتي". 

فرق عمل حكومية في طاجيكستان تغرم النساء اللاتي ترتدين الحجاب في الشوارع

يُظهر مقطع فيديو حديث يُزعم أنه لموظفي مستشفى في جنوب طاجيكستان وهم يساعدون زائرتين ترتديان الحجاب في تنسيق غطاء الرأس "على الطريقة الطاجيكية" بربطه خلف رأسيهما كوشاح، بحسب راديو "ليبرتي". 

 

 

ويبدو أن المنطق وراء هذا هو القضاء على المظاهر العامة للإسلام المحافظ، وهو ما تعتقد الحكومة أن من شأنه أن يساعد في كبح جماح الإسلام المحافظ والحد من التطرف.

ورغم هذه التدابير، يشير خبراء مكافحة الإرهاب إلى أن هذه السياسة قد تأتي بنتائج عكسية.

ويرى لوكاس ويبر، المؤسس المشارك لمنظمة "ميليتانت واير" التي تركز على بحث نشاط الجماعات المتطرفة، إن الحملة القمعية التي تقودها الحكومة قد تؤدي إلى زيادة الغضب والاحتقان الاجتماعي، مما يغذي مزيدا من التطرف بدلا من الحد منه.

وأضاف أن ردود الفعل الحكومية على الهجمات الإرهابية قد تكون بالضبط ما يسعى إليه المتطرفون، إذ يرغبون في تأجيج التوترات بين المواطنين والسلطات.

إلى جانب القمع الداخلي، زادت طاجيكستان من تعاونها الأمني مع روسيا بعد الهجوم الإرهابي في موسكو، حيث يُنظر إلى الطاجيكيين المهاجرين في روسيا بريبة متزايدة.

ويعمل حوالي مليون طاجيكي في روسيا، ما يمثل نحو 10 في المئة من سكان البلاد، وهم يرسلون أموالا حيوية لعائلاتهم في الوطن.

ولكن في أعقاب الهجمات، أصبح الطاجيكيون هدفا رئيسيا للمداهمات الأمنية في روسيا، لتفتيش مساكنهم وأوراقهم الثبوتية بانتظام.

هذا الاعتماد الكبير على روسيا لم يمنع طاجيكستان من تعزيز علاقاتها مع دول أخرى، فقد بدأت أيضاً في تعزيز التعاون مع الصين، رغم التقارير التي تفيد ببناء قاعدة صينية في شمال البلاد، وهي تقارير نفتها بكين.

ووقعت طاجيكستان اتفاقية أمنية مع الولايات المتحدة في مايو الماضي، تهدف إلى تحسين مراقبة الأشخاص الذين يدخلون البلاد ويشتبه في صلتهم بالجماعات المتطرفة.

ويرى مراقبون أن التركيز على المظاهر الدينية قد لا يكون حلا فعالا لمكافحة الإرهاب، خاصة أن بعض أفراد عائلات المتهمين في الهجوم الإرهابي في موسكو أشاروا إلى أن المتورطين لم يظهروا أي علامات خارجية على التدين أو التطرف، مما يدل على أن هؤلاء المتطرفين قد يحاولون التهرب من التدابير الأمنية من خلال الابتعاد عن المظاهر الإسلامية التقليدية، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز".

وقالت جولراكات ميرزوييفا (59 عاما)، والدة أحد المتهمين في الهجوم، إن ابنها لم يكن متدينا بشكل علني ولم يظهر أي ميول للتطرف.

وأشارت إلى أن الفقر والظروف الاقتصادية القاسية هي التي دفعت ابنها إلى السفر مرارا للعمل في روسيا لتوفير احتياجات أسرته.

كان المهاجمون الأربعة المتهمون يعملون في روسيا لعدة أشهر على الأقل، وكان بعضهم يقوم برحلات متكررة للدخول والخروج.

ويشير خبراء في مجال حقوق الإنسان إلى أنه بدلا من أن تعالج الدولة المشاكل الجوهرية مثل الفساد وانعدام العدالة الاجتماعية، تبحث عن أمور مظهرية قد لا يكون لها علاقة بجذور أزمة التطرف. 

وقال العديد من سكان دوشانبي لراديو ليبرتي إنهم لا يدعمون حظر أنواع معينة من الملابس لأنهم يعتقدون أن الناس يجب أن يكونوا أحرارا في اختيار الملابس التي يريدون ارتدائها.