عقوبة الاتجار بالبشر في العراق تصل للمؤبد. أرشيفية
عقوبة الاتجار بالبشر في العراق تصل للمؤبد. أرشيفية

في العام الماضي فككت وزارة الداخلية العراقية 84 شبكة متخصصة بجرائم الاتجار بالبشر، وحررت 204 من ضحاياها.

حصل ذلك وسط تحديات "إلكترونية" تمثلت في اعتماد هذه الشبكات أكثر على مواقع التواصل في استدراج الفتيات للاستغلال الجنسي، والعمال الأجانب للعمل القسري.

ولا تقتصر جريمة الاتجار بالبشر في العراق على شكل محدد بحسب العميد الحقوقي مدير مكافحة الاتجار بالبشر والأعضاء البشرية، مصطفى الياسري، إنما أخذت صوراً وأشكالاً عديدة، "بحيث يمكن أن نقسم فئاتها إلى العمل القسري للعمالة الأجنبية، والاستغلال الجنسي، وتجارة الأعضاء البشرية، والتسول، وبيع الأطفال".

ويشمل الاتجار بالبشر حسب القانون العراقي طيفاً واسعاً من الجرائم تشمل تجنيد الأشخاص أو نقلهم أو إيواءهم أو استقبالهم بواسطة التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة.

وتشمل أيضا إعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سلطة أو ولاية على شخص آخر بهدف بيعهم أو استغلالهم في أعمال الدعارة أو الاستغلال الجنسي أو السخرة أو العمل القسري أو الاسترقاق أو التسول أو المتاجرة بأعضائهم البشرية أو لأغراض التجارب الطبية.

 

حملات استباقية

وضعت الحكومة العراقية، كما يشير الياسري، الاتجار بالبشر "في أولوياتها". ولذلك "وفرت الدعم المادي والمعنوي وكثفت الجهد الاستخباري ونفذت حملات مستمرة وغيرت اتجاهها ليكون استباقياً لإلقاء القبض على المتورطين بهذه الجرائم وتحرير الضحايا قبل وقوع الجريمة عليهم وتقديم الخدمات الإنسانية والطبية والقانونية لهم".

النتيجة المتحققة من تلك الحملات الاستباقية "تراجع الاتجار بالبشر بنسبة 80 %"، يقول الياسري.

وفي معرض رده عن سؤال لـ"ارفع صوتك" يتعلق بالعقوبات لمن يتم إلقاء القبض عليهم بتهمة الاتجار بالبشر، يبين الياسري أن التعامل يتم "وفق المواد العقابية (5 و6 و7) من قانون الاتجار بالبشر المرقم 28 لسنة 2012 من خلال إجراء التحقيقات وتحويلهم إلى القضاء الذي يقرر العقوبات الخاصة بهم".

أما من يتم المتاجرة بهم والذين يتم اعتبارهم ضحايا فيتم التعامل معهم وفق المادة (1/ ثانيا) من القانون وإحالتهم إلى دور الإيواء لتقديم الخدمات اللازمة لهم استناداً إلى أحكام المادة (11) بكافة فقراتها.

وتنص المواد التي ذكرها الياسري على عقوبة السجن لمدة لا تزيد عن 15 عاماً وغرامة عشرة ملايين دينار على من تثبت عليه تهمة الاتجار بالبشر. وتصل العقوبة إلى المؤبد وغرامة تصل إلى 25 مليون دينار في حال تم الاتجار بمن هم دون الـ18 عاماً، أو إذا كان المجني عليه أنثى أو من ذوي الإعاقة، وتصل العقوبة إلى الإعدام في حال وفاة المجني عليه.

 

سوء استخدام منظومة الاتصالات

يستخدم كثير من المتورطين في جرائم الاتجار بالبشر التكنولوجيا الحديثة في إيقاع ضحاياهم، وبشكل خاص عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما حث وزارة الداخلية على التنسيق مع وزارة الاتصالات لتوفير التقنيات اللازمة لدعم التحقيقات من أجل إيقاع المتورطين بقبضة العدالة واعتقال السماسرة وغلق المواقع المشبوهة التي تروج لهذه الجريمة.

إيقاع المتورطين بالاتجار بالبشر كما شرحه تقرير نشره مجلس القضاء الأعلى، يتم عبر الدخول في منظومة عمليات البيع والشراء والمشاركة في عملية التفاوض، ثم إلقاء القبض على المتاجرين خلال عملية التسليم.

أغلب تلك الحالات تتم لبيع النساء لأغراض البغاء أو العمل القسري، والأطفال لاستخدامهم في التسول وبأسعار تتراوح بين 3 و4 آلاف دولار أميركي.

يتم الحكم على من يتم إلقاء القبض عليهم وفق المادة السابعة من قانون الاتجار بالبشر، التي تعاقب بالحبس ثلاث سنوات أو غرامة لا تقل عن عشرة ملايين دينار لكل من أنشأ أو أدار موقعاً على شبكة المعلومات بقصد الاتجار بالبشر أو سهّل ذلك باستخدام شبكة المعلومات.

يقول المحامي خليفة الربيعي، لـ"ارفع صوتك"، إن "هناك أزمة حقيقية تتعلق بسوء استخدام منظومة الاتصالات الحديثة، فنلاحظ وجود قنوات تلفزيونية غنائية يتم من خلالها عرض أرقام هواتف للتواصل، أو استغلال الفتيات عبر مواقع التواصل والإيقاع بهن في فخ الاتجار بالبشر".

هذه الحالات، وفق الربيعي، تكون غالباً "متزامنة مع وجود تفكك أسري، وهو ما وصل بهذا النوع من الجرائم إلى مستويات عالية وأدى إلى تمكين المجرمين من استغلال الفئات الهشة في المجتمع وجرها إلى حالات مرعبة من العبودية"، على حد تعبيره.

يتابع: "عند حصول مثل هذه الحالات للفتيات بشكل خاص، فإنهن يكنّ غير قادرات على العودة إلى منازلهن خشية القتل أو التعنيف. بالنتيجة تكون الفتاة ضعيفة وبلا مأوى فتضطر إلى الموافقة على العمل سواء كان بالتسول أو في أماكن اللهو وغير قادرة على الإفلات".

 

حصاد الأعضاء

يضيف الربيعي أن تجارة الأعضاء تأخذ حيزاً كبيراً من جرائم الاتجار بالبشر في العراق، لافتاً إلى طرق "غير تقليدية يتم فيها بيع وشراء الأعضاء"، كأن تتم "عبر عصابة تستدرج الضحايا من العراقيين والوافدين من الجنسيات العربية والآسيوية إلى أحد بيوت اللهو التي يمتلكونها، ويوهمون الشخص بالاهتمام والرعاية وتقديم خدمات متنوعة لهم بطريقة الدفع بالآجل".

"وعندما تصبح المبالغ كبيرة ويكون الضحية غير قادر على التسديد، يتم تخيير الشخص بين الدفع أو السجن، أو حل الموضوع بطريقة أخرى وهي بيع إحدى كليتيه مقابل تلك الأموال، فيضطر الشخص إلى الخضوع ودفع ديونه بهذه الطريقة"، يوضح الربيعي.

يحصل هذا رغم تشديد وزارة الصحة على هذه الحالات ورغم تغليظ القضاء العراقي للعقوبات.

إحدى المشاكل التي يراها الربيعي "حين يكون الشخص هو من يطلب أن تتم المتاجرة به، كنوع من أنواع الخضوع للأمر الواقع. وفي هذه الحالات يتعلق الأمر بالظروف المحيطة به سواء كان مواطنا أو وافد أجنبيا، خصوصاً إذا كان دخوله إلى العراق غير شرعي ولا يمتلك عملا أو مأوى، فيسعى للعمل مع منظمات الجريمة التي توفر له ما يحتاجه".

حالة موافقة الضحية انتبه لها المشرع العراقي وأفرد لها المادة العاشرة من قانون الاتجار بالبشر، إذ اعتبر فيها أن "موافقة ضحايا جريمة الاتجار بالبشر لا يُعتدّ بها في كل الأحوال".

 

أرقام

تتحفظ وزارة الداخلية العراقية على التصريح حول أرقام وأعداد المتورطين وطبيعة قضايا الاتجار بالبشر أو من يتم الاتجار بهم بشكل تفصيلي.

في المقابل، أورد تقرير لوزارة الخارجية الأميركية، يتعلق بالاتجار بالبشر في العراق، أن وحدة مكافحة الاتجار بالبشر في وزارة الداخلية العراقية شرعت بالتحقيق مع 183 شخصاً عام 2021،  169 منهم بتهمة الاتجار بالجنس و14 شخصاً بتهمة العمل القسري.

وفي المجمل كما يشير التقرير فإن الحكومة حققت مع 312 شخصاً، ويشكل ذلك انخفاضاً في عدد التحقيقات في قضايا الاتجار المزعومة مقارنة بالفترة المشمولة بالتقرير السابق والتي بلغت 394 تحقيقاً.

أما أعداد من تم تقديمهم إلى المحاكمة فبلغ 184 شخصاً، بما في ذلك 163 متاجراً مزعوماً بالجنس و 21 متاجراً مزعوماً بالعمالة. وقد شكل هذا ارتفاعاً كبيراَ من عدد 35 شخصاً قدموا للمحاكمة في عام 2020، وهو ما شكّل انخفاضاً من 127 متاجراً أدينوا في الفترة المشمولة بالتقرير السابق.

ومن ضمن الـ 83 إدانة، أدين 77 شخصاً بالاتجار بالجنس، وستة أشخاص بالعمالة القسرية. وحكمت المحاكم على المتاجرين بالسجن لمدد تتراوح بين ست سنوات إلى السجن المؤبد، بينما حكم على عدد غير معروف من المتاجرين في قضيتين بعقوبة الإعدام.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

يحتل العراق المرتبة 157 (من 180) في مؤشر منظمة الشفافية الدولية
يحتل العراق المرتبة 157 (من 180) في مؤشر منظمة الشفافية الدولية

بعدما كان "ركيزة أساسية" يعَوّل عليها في ملاحقة كامل الخيوط المتعلقة بـ"سرقة القرن" وضعت "الخفايا" التي كشف عنها رئيس هيئة النزاهة في العراق، حيدر حنون، القضاء في البلاد في "قفص الاتهام"، وجاء ذلك بعد سلسلة "فضائح مليارية" أزاح الستار عنها مع عدد من النواب خلال الأيام الماضية.

حنون كان قد عقد مؤتمرا صحفيا في أربيل، قبل يومين، وعلى نحو مفاجئ ولافت استخدم لغة هجومية وحادة استهدف بها مجلس القضاء الأعلى" والقاضي ضياء جعفر، الذي يتولى قضية نور زهير المتهم الأول بقضية سرقة الأمانات الضريبية، فيما يعرف بـ"سرقة القرن".

وبعدما عبّر أمام حشد من الصحفيين عن غضبه من "استضعاف هيئة النزاهة"، أشار إلى "اختفاء ملفات من قضية زهير لدى القاضي جعفر"، وأن ذلك "يشكّل تحديا كبيرا لجهود مكافحة الفساد، واستعادة أموال الدولة المنهوبة".

لم يقتصر الأمر عند ذلك فقط، فأضاف حنون أن "ملف زهير الذي تمت إحالته إلى محكمة الجنايات المركزية، يحتوي على 114 صكا ماليا". وفي حين أن القانون يقتضي فتح 114 قضية منفصلة "جرى التعامل معها كقضية واحدة"، وفق قوله.

ولم يصدر أي موقف من جانب مجلس القضاء الأعلى حتى الآن، كما لم يرد القاضي جعفر على الاتهامات التي وجهها حنون ضده، وحاول موقع "الحرة" التواصل مع الأخير ومسؤولين آخرين في "مجلس القضاء الأعلى"، ولم يتلق ردا حتى ساعة نشر هذا التقرير.

وبدوره لم يقدم مدير المكتب الإعلامي لهيئة النزاهة في العراق، علي محمد أية تفاصيل إضافية عن دوافع ما كشف عنه حنون، وأوضح لموقع "الحرة" أنه "يجب ترك الموضوع حاليا".

وتضمنت الاتهامات التي وجهها رئيس هيئة النزاهة حديثه عن "سرقة في ملف سكك حديدية تقدر قيمتها بـ18 مليار دولار، دون أن يتم اتخاذ أي إجراء من قبل القاضي جعفر منذ شهرين"، حسب تعبيره.

ومن ناحية أخرى اتهم حنون "زهير بالتورط في سرقة الودائع الجمركية بما يزيد عن تريليون دينار عراقي"، مطالبا "بعقد جلسة علنية بحضور القاضي جعفر لكشف الحقائق أمام الشعب"، كما أضاف أن الأخير "أصدر أمر قبض بحقه ويلاحقه بشكل شخصي".

كيف بدأت المواجهة؟

المواجهة الحاصلة واللافتة كما يعتبرها باحثون ونواب عراقيون جاءت بعد أسبوع واحد من هروب المتهم بـ"سرقة القرن" نور زهير خارج البلاد، مما أثار جدلا وتساؤلات عن كيفية فراره، وهو المتهم الأبرز في أكبر قضية فساد شهدتها البلاد منذ عام 2003.

وشيئا فشيئا وبينما كانت الأنظار تتركز على قرار إلقاء القبض الذي أصدره القضاء بحق زهير للمرة الثانية بدأت تظهر بالتدريج "فضائح فساد مليارية" جديدة، وكان أبرزها تلك التي كشف عنها النائب في البرلمان العراقي، ياسر الحسيني، وتداولتها وسائل إعلام على نطاق واسع.

وجاء في اتهامات رئيس كتلة "الآمال" النيابية أن "الشركة العامة لسكك الحديد" وقعت عقدا لإعادة تأهيل خط سككي بقيمة 22 مليار دولار ونصف، قبل ثلاثة أشهر، وأن المشروع أحيل إلى 3 شركات، واحدة منها أجنبية وأخرى محلية، والثالثة تابعة لزهير المتهم بـ"سرقة القرن".

وفي حين نفت وزارة النقل، عبر حديث متلفز أدلى به المتحدث باسمها ميثم الصافي، الاتهامات التي أطلقها الحسيني أشار خبراء قانون ونواب سابقون إلى أن "الفضائح" التي باتت تنكشف على نحو كبير ترتبط دوافعها وحيثياتها بشكل وثيق.

وأوضح بعض النواب وخبراء القانون أن الأسباب التي تقف وراء ذلك تتعلق بجذور وصراعات سياسية فيما ذهب آخرون للإشارة إلى مآلات وتداعيات المواجهة الحاصلة التي اندلعت ما بين هيئة النزاهة و"المجلس الأعلى للقضاء".

ويقول الخبير القانوني العراقي، أمير الدعمي، إن الصراعات في العراق باتت تشتد على كافة المستويات السياسية، ويضيف أنه "قد نشهد صراعا بين مؤسستين مهمتين، الأولى هي مجلس الوزراء والثانية هي مجلس القضاء الأعلى".

ويشير في حديثه لموقع "الحرة" أنه "ولأول مرة قد يكون مجلس القضاء الأعلى طرفا في صراع مثل هذا".

ويسود اعتقاد لدى بعض المراقبين والباحثين العراقيين أن المواجهة الحاصلة بين "النزاهة" والقضاء تقف وراءها وفي الكواليس مواجهة خفية ما بين رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني و"المجلس الأعلى للقضاء".

لكن مستشار السوداني فادي الشمري تحدث في تصريحات نقلتها وسائل إعلام عراقية، الجمعة، عن "محاولات قامت بها الحكومة لثني رئيس هيئة النزاهة من عقد المؤتمر الصحفي الأخير في أربيل".

وأوضح الشمري أن "حنون رفض التراجع"، وأن "طريقته في طرح هواجسه كانت مضرة بالاستقرار السياسي، وأن اجتهاده كان في غير محله".

ومن المقرر أن تعقد جلسة استثنائية في مجلس النواب العراقي، لمتابعة تطورات المشهد الحالي، وخاصة فيما يتعلق بملفات الفساد الكبرى، كما يكشف عضو اللجنة القانونية النيابية في العراق، عارف الحمامي، لموقع "الحرة".

وبالنسبة لمسألة التحقيق والقضاء يقول: "نحن نحترم القضاء ونشد على يده لإكمال التحقيق والخروج بنتائج مرضية للشعب العراقي".

ويعتقد عضو اللجنة القانونية النيابية العراقية أن "حديث حنون كان نتيجة ضغوط".

ويعتبر أن رئيس هيئة النزاهة "يجابه منظومة فساد كبرى، ويحتاج الدعم الكبير والمؤازرة من مجلس النواب العراقي والقضاء والوقوف على حقائق الأمور".

"قضية نور زهير هي قضية فساد كبرى وفيها رؤوس.. وهذه الرؤوس تريد خلط الأوراق والتشويش على القضاء وهيئة النزاهة"، ويرى الحمامي أن "حدوث مشكلة ما بين القضاء والنزاهة من صالح الفاسدين".

"من زهير إلى جوحي"

رغم أن الأضواء في العراق تتسلط وعلى نحو كبير باتجاه قضية "سرقة القرن" وخيوطها التي يتم الكشف عنها بالتوالي بعيدا عن كشف أسماء "الرؤوس" انشغلت الساحة السياسية في البلاد خلال الأيام الماضية بقضية عرفت باسم "شبكة التنصت" أو "شبكة جوحي".

وفي التفاصيل وبحسب إفادات سابقة للنائب مصطفى سند، فإن محكمة تحقيق الكرخ، المختصة بقضايا الإرهاب أقدمت قبل أسبوع على "اعتقال شبكة من القصر الحكومي لمكتب رئيس الوزراء، وعلى رأسهم المقرب (محمد جوحي)، وعدد من الضباط والموظفين".

وذكر مصطفى أن الشبكة "كانت تمارس عدة أعمال غير نظيفة؛ ومنها التنصت على هواتف عدد من النواب والسياسيين (وعلى رأسهم رقم هاتفي)"، وكذلك "تقوم الشبكة بتوجيه جيوش إلكترونية، وصناعة أخبار مزيفة، وانتحال صفات لسياسيين ورجال أعمال ومالكي قنوات"، بحسب النائب في البرلمان.

وبعدما أثار الحديث عن "شبكة التنصت" ضجة نشر "مجلس القضاء الأعلى" بيانا وصف فيه المعلومات المتداولة بشأن "قضية جوحي" بأنها غير دقيقة، واعتبر أنها "مبنية على التحليل والاستنتاج بعيدا عن الحقيقة".

"تضخيم إعلامي"

ورفض مستشار سياسي لرئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، السبت، الاتهامات التي ترددت في الآونة الأخيرة بأن موظفين في مكتب رئيس الوزراء تجسسوا وتنصتوا على مسؤولين كبار وسياسيين.

وقال المستشار فادي الشمري في مقابلة مع إحدى جهات البث العراقية أذيعت في وقت متأخر من مساء أمس الجمعة "هذه كذبة مضخمة"، وهو النفي الأكثر صراحة من عضو كبير في فريق رئيس الوزراء.

وأضاف أن الاتهامات تهدف إلى التأثير سلبا على السوداني قبل الانتخابات البرلمانية المتوقع إجراؤها العام المقبل.

وتابع "كل ما حدث خلال الأسبوعين الأخيرين هو مجرد تضخيم إعلامي يخالف الواقع والحقيقة".

وقال الشمري إنه تم إلقاء القبض على شخص في مكتب رئيس الوزراء في أغسطس، إلا أن الأمر لا علاقة له علاقة بالتجسس أو التنصت.

وأضاف أن ذلك الموظف اعتقل بعد اتصاله بأعضاء في البرلمان وسياسيين آخرين منتحلا صفة شخص آخر.

وأردف "تحدث مع نواب مستخدما أرقاما مختلفة وأسماء وهمية وطلب منهم عددا من الملفات المختلفة". ولم يخض الشمري في تفاصيل. وتابع "لم يكن هناك تجسس ولا تنصت".

ويشير عضو اللجنة القانونية النيابية الحمامي إلى أنه وحتى الآن "لا تستطيع أن ننفي أو نؤيد ما تم تداوله عن قضية التنصت"، ويقول إنها "حساسة.. وننتظر نتائج التحقيق".

وكن المتحدث باسم الحكومة العراقية باسم العوادي قال في وقت سابق إن الحكومة العراقية "تتابع الحملات المضللة التي تستهدف إعاقة عملها في مختلف المجالات، ومنها ما جرى تناوله من معلومات غير دقيقة تستبطن الغمز، وبعضها تضمن الاتهام المباشر للحكومة تجاه قضايا تخضع الآن لنظر القضاء".

وأضاف العوادي في بيان أن "السلطة التنفيذية تنتظر ما سيصدر عنه (القضاء) بهذا الصدد، مع تأكيد الحكومة المستمر على الالتزام بالقانون واحترام قرارات القضاء".

وشدد العوادي أن "هناك من يعمل على جرّ الحكومة وإشغالها عن نهجها الوطني عبر محاولات يائسة لا تصمد أمام الإجراءات القانونية الحقيقية والفعلية، التي تعمل الحكومة على تنفيذها ودعمها".

ولم يتطرق البيان إلى أي أسماء متورطة يتم تداولها في وسائل الإعلام أو من قبل أعضاء في مجلس النواب العراقي بشأن القضية.

ومن جانب آخر اعتبر وائل عبد اللطيف القاضي العراقي السابق أن ما يتم الحديث عنه من "ملفات فساد وفضائح من قبل حيدر حنون هو أقل من السرقات الموجودة في البلد".

ويقول عبد اللطيف لموقع "الحرة" إن "البلد بات بؤرة فساد والسرقات تأكله في جميع مرافقه.. ولا أستثني منها أي مرفق". 

القاضي السابق أشار إلى المعلومات التي تحدث عنها حنون بشأن "قطع الأراضي التي منحها رئيس الوزراء السابق، مصطفى الكاظمي لرئيس وأعضاء مجلس القضاء الأعلى ورئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية والوزراء لشراء الولاء".

وأوضح أن رئيس هيئة النزاهة حصل على جزء من تلك الأراضي، وهو ما أكده في المؤتمر الصحفي بقوله: "وقبلناها جميعا (من الكاظمي)".

ويتابع عبد اللطيف: "حنون كان رئيس استئناف العمارة وأخذ قطعتي أرض وعنده منزل. ماذا يريد بعد ذلك؟ وكذلك الحال مع ضياء جعفر. ما يحصل عبارة عن صراع تشارك فيه القوى السياسية".

"كارثة وانتحار سياسي"

وتباينت ردود الفعل إزاء ما كشف عنه حنون من أربيل، وكانت المواقف منقسمة ما بين مؤيد ومعارض للطريقة التي تم فيها إطلاق الاتهامات.

ودافع رئيس ائتلاف "دولة القانون"، نوري المالكي، بشدة عن القضاء، الخميس، وبدا مستاءً من اتهامات رئيس هيئة النزاهة للقضاء، وإن لم يذكر اسمه بالتحديد خلال كلمته.

ومن جهته، دعا زعيم "تيار الحكمة"، عمار الحكيم، إلى ما وصفها بـ"محاكمة القرن" لمقاضاة "سرقة القرن"، وقال في كلمة مسجلة: "لتكن هذه المحاكمة علنية، كما فعلنا مع صدام حسين، حتى لو وردت فيها أسماء شخصيات كبيرة".

وتتمثل "سرقة القرن" باختفاء مبلغ 3.7 تريليون دينار عراقي، بما يعادل نحو مليارين ونصف مليار دولار، من أموال الأمانات الضريبية. وكانت جهات متعددة قد كشفت عن السرقة قبل نحو شهرين من انتهاء مدة حكم الحكومة العراقية السابقة برئاسة، مصطفى الكاظمي.

وكشف كتاب رسمي صادر عن هيئة الضرائب أن مبلغ 2.5 مليار دولار، جرى سحبه بين سبتمبر 2021 وأغسطس 2022 من مصرف الرافدين الحكومي، عبر 247 صكا ماليا، حرّر إلى 5 شركات، قامت بصرفها نقدا مباشرة.

وعلى إثر انكشاف السرقة تحركت "هيئة النزاهة" والسلطة القضائية للتحقيق في القضية، وصدرت عدة أوامر قبض قضائية، وكان أول المعتقلين نور زهير، واسمه الكامل "نور زهير جاسم المظفر"، وكنيته "أبو فاطمة"، وهو من مواليد بغداد عام 1980.

بعد ذلك تم إيداعه السجن بالإضافة إلى آخرين، إلى جانب قرارات قضائية بمصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة للمتورطين بالسرقة وكذلك أُسرهم، وفق وكالة "شفق نيوز".

وفي عام 2023، قرر القضاء العراقي رفع إشارة الحجز عن شركة تابعة لزهير، ومن ثم أعلن رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، عن قيام المتهم الأول بـ"سرقة القرن" بتوزيع أمواله على متنفذين من بينهم "سياسيون وإعلاميون"، ملمحا إلى ارتفاع عدد المتهمين.

ووقتها أعلن السوداني أيضا أن القاضي المختص (ضياء جعفر) أصدر أمرا بإطلاق سراح نور زهير "بكفالة"، مقابل تعهده بتسليم كامل المبلغ المسروق خلال مدة أسبوعين، مشيرا إلى أن القسم الأكبر من المبلغ لدى المتهم عبارة عن عقارات وأملاك.

ويشكّل المبلغ الذي أعاده زهير إلى خزينة الدولة بعد خروجه من السجن بكفالة ما نسبته 12 بالمئة من كامل الأموال التي تتجاوز 2.5 مليار دولار، وفق تصريحات سابقة للنائب في البرلمان العراقي، ماجد شنكالي.

وحتى الآن لا يعرف ما إذا كان المسارات ستصل إلى إعادة إلقاء القبض على زهير، بموجب المذكرة التي صدرت بحقه قبل أسبوع، وبعد انتشار صورة له من العاصمة اللبنانية بيروت، مدعيا أنه "تعرض لإصابة في حادث سير".

ويعتبر الخبير القانوني الدعمي أن "التدخل أو إقحام القضاء بمثل هكذا صراعات هو خطأ، بل كارثة على اعتبار أن المجلس الأعلى للقضاء الآن هو الحصن الأخير الذي يمكن أن نلوذ به".

ويرى أن "محاولة إقحام القضاء في الصراع السياسي أو جره لهذا الصراع هو انتحار سياسي"، في إشارة منه للمؤتمر الذي عقده حنون.

"الكل متورط في العراق"

لكن وفي المقابل يوضح الكاتب والباحث في الشأن العراقي، يحيى الكبيسي أن "مراجعة الوقائع المرتبطة بسرقة الأمانات الضريبية تظهر بوضوح اشتراك سلطات الدولة ومؤسساتها المختلفة في هذه السرقة، سواء بشكل مباشر أو بشكل ضمني، بما في ذلك السلطة القضائية نفسها".

ويقول لموقع "الحرة" إن الدليل على ذلك "هو عدم اتخاذ القضاء العراقي أي إجراء طوال أكثر من شهرين، من لحظة كشف السرقة إلى لحظة محاولة هروب المتهم الرئيسي عبر مطار بغداد".

وتبع ذلك وفق الكبيسي "إطلاق سراح المتهم بسرعة غير مفهومة، ورفع الحجز عن شركاته وممتلكاته، ورفع منع السفر عنه، وعدم حضوره المحاكمة، وما يستتبع ذلك من دفع الكفلاء لمبلغ الكفالة لتنتهي القضية بحكم غيابي لا قيمة له عمليا".

ما قاله حنون "كان في جوهره اتهامات للقضاء العراقي"، ورغم أنه لم يقدم معلومة جديدة "كسر التواطؤ الجماعي الذي يغطي على الفساد في العراق في سياق الصراع بين السلطات"، بحسب الكاتب الكبيسي.

ويتابع أن "الفساد في العراق منذ العام 2006 ليس فساد أفراد، بل فساد بنيوي، والكل شركاء فيه".

ويحتل العراق المرتبة 157 (من 180) في مؤشر منظمة الشفافية الدولية عن "مدركات الفساد"، وغالبا ما تستهدف المحاكمات في قضايا الفساد، في حال حصلت، مسؤولين في مراكز ثانوية.

ويعتقد القاضي السابق، وائل عبد اللطيف أن المناكفات الحاصلة بين "النزاهة" و"المجلس الأعلى للقضاء" ترتبط "بغياب الاستقرار وتنظيم العمل في الدولة".

وبالإضافة إلى ذلك يؤكد أن "الفساد مستشر في الدولة العراقية"، وأن ما نراه الآن أيضا مرتبط بالصراع الحاصل بين القوى السياسية.

أما الخبير القانوني الدعمي فيؤكد أنه "يجب عدم المساس بالقضاء وإقحامه بالصراعات السياسية المعروفة أساساتها على اعتبار الفساد المستشري في الدولة العراقية".

ويعتقد الدعمي أن "الصراع الحاصل بين النزاهة والمجلس الأعلى للقضاء ينذر بكوارث"، ويعتبر أن "القضاء أسمى من أن يكون طرف بصراع سياسي أو مفسدة سياسية تقوم بها الكيانات والطبقة السياسية".