قمة عراقية تركية
القمة الأمنية التركية العراقية تناقش عدة ملفات منها حزب العمال الكردستاني | Source: ina.iq

لا تعتبر القمة الأمنية التي تشهدها بغداد الخميس "حدثا اعتياديا" بين العراق وتركيا كما ينظر إليها مراقبون من كلا البلدين، ويرتبط ذلك بما سبقها من تمهيد وتلميح وزيارات انطلقت في غالبيتها من أنقرة ووصلت قبل يومين إلى الحدود التي دائما ما تشكّل أساس التوتر بينهما.

ويحضر القمة من الجانب التركي وزير الخارجية، حقان فيدان ورئيس الاستخبارات، إبراهيم قالن ووزير الدفاع، يشار غولر، بالإضافة إلى أحد نواب وزير الداخلية التركية، كما ذكرت وسائل إعلام رسمية.

ومن الجانب العراقي يشارك في القمة وزير الخارجية، فؤاد حسين ووزير الدفاع، ثابت محمد العباسي، ومسؤولون كبار من عدد من المؤسسات بما فيها الاستخبارات، وفق وسائل إعلام عراقية.

ستكون نتيجة المحادثات "مهمة" من حيث إظهار المسار الذي ستتبعه القوات التركية في عملية جديدة بشمال العراق، وفق ما ذكرت صحف مقربة من الحكومة  في تركيا بينها "حرييت".

وذكر موقع "سي إن إن تورك" من جانبه أن المسؤولين سيناقشون زيارة الرئيس رجب طيب إردوغان المقررة إلى بغداد في أبريل المقبل، وأنها ستكون الأولى منذ 12 عاما.

وعلاوة على ذلك سيبحثون على "الطاولة الأمنية" قضايا أساسية هي: "اعتراف بغداد بحزب العمال الكردستاني كمنظمة إرهابية، ومشروع طريق التنمية، وملف مياه نهري الفرات ودجلة".

"تلميحات تركية"

ورغم أن القمة الحالية ليست الأولى أمنيا بين بغداد وأنقرة حيث كانت الأولى في تركيا ديسمبر 2023، تثير النتائج التي ستتمخض عنها اهتمام المراقبين، ولاسيما أن إردوغان مهد للملفات التي ستتناولها في وقت مسبق.

الرئيس التركي قال في الرابع من مارس الحالي إنهم "بصدد إتمام الطوق الأمني لتأمين الحدود التركية مع العراق"، وقال: "أوشكنا على إتمامه، وخلال الصيف القادم سنكون قد قمنا بحل هذه المسألة بشكل دائم".

وبينما أكد أن "تركيا لاتزال مصممة على المضي قدما في إنشاء حزام أمني بعمق 30-40 كم على حدودها" أشار إلى ذلك وزير دفاعه غولر قبل أن يصل إلى بغداد لحضور القمة بيومين.

الوزير أعلن أيضا أن "تركيا بحاجة الآن إلى الانتقال إلى مرحلة أخرى"، وأوضح أنه سيتم الانتهاء من عملية "المخلب القفل" صيف عام 2024، وسيتم توسيع العمليات لتشمل المناطق التي تحتاج إليها.

وأضاف أن الهدف هو "إنشاء ممر أمني لوقف الهجمات ضد تركيا من هذه المنطقة بشكل كامل".

وجاء حديثه بعد وصول رئيس الاستخبارات قالن في زيارة سابقة إلى بغداد وأربيل من أجل إجراء مناقشات، وفي أعقاب سلسلة هجمات تعرض لها الجيش التركي في شمال العراق ما أسفر عن مقتل عناصر على يد "حزب العمال الكردستاني".

هل من تغيّر طرأ؟

وتمتلك تركيا قواعد عسكرية في شمالي العراق، تقدرها وكالة رويترز بـ"العشرات"، وتبدأ من الحدود العراقية التركية وتنتشر عبر الجبال وحتى مناطق متقدمة من محافظة نينوى، على بعد 200 كيلومتر تقريبا من الحدود بين البلدين.

وانتقدت الحكومة العراقية تكرارا طوال سنوات الوجود التركي، لكنها لم تأخذ خطوات عملية حذرا كما يبدو من تهديد العلاقات مع تركيا، حسب ذات الوكالة.

وتقول تركيا إن وجودها العسكري في شمال العراق إنه يأتي بهدف تأمين حدودها من "حزب العمال الكردستاني" المدرج على قائمة "المنظمات الإرهابية" التي وضعتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة.

ويتواجد الحزب المحظور هناك منذ ثمانينيات القرن الماضي، وحتى الآن لم تتوصل تركيا والعراق إلى تفاهم أو اتفاق يضمن تبديد المخاوف التركية وكبح الهجمات، التي تصاعدت في الفترة الأخيرة على نحو كبير. 

ويعتقد الباحث السياسي التركي والزميل غير المقيم في "المجلس الأطلسي"، عمر أوزكيزيلجيك أن ما يجري على خط العلاقة بين أنقرة وبغداد يعتبر نتاج "نجاح السلطات في تركيا في إقناع العراق بزيادة مستوى تعاونه".

ومع ذلك يرى أوزكيزيلجيك "تغيرا أكثر أهمية" يمكن التماسه من ما يحصل بين البلدين وهو مشروع "طريق التنمية"، الذي في حال تنفيذه سيدر 4 مليارات دولار سنويا، وسيحسن الأهمية الجيواستراتيجية والاقتصادية للعراق.

الباحث يعتبر أن "حزب العمال الكردستاني يشكل تهديدا أمنيا خطيرا وعقبة أمام تنفيذ المشروع"، ويرى أنه "لدى بغداد الآن حافظ للتعاون على خلاف الموقف الذي كانت عليه في السابق".

ما هو "طريق التنمية"؟

يعتبر مشروع "طريق التنمية" أكثر فعالية من حيث التكلفة من الممر التجاري بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، كما يراه الباحث التركي.

ويقول: "ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا يهمش كلا من العراق وتركيا، ولذلك من مصلحة البلدين تنفيذ المبادرة".

وتم الإعلان لأول مرة عن "طريق التنمية" خلال زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى تركيا، في مارس 2023، حيث كشف عنه في مؤتمر صحفي مشترك للسوداني والرئيس التركي، إردوغان.

وأكد السوداني حينها اتخاذ خطوات جادة تجاه "تعزيز العلاقات بين البلدين في المجالات كافة وخاصة المجال الاقتصادي ووضع أسس تعزيز التعاون مع الأشقاء والجيران في هذا المجال الاقتصادي"، بحسب تقرير سابق لوكالة الأنباء العراقية "واع".

وأشار إلى أن "مشروع طريق التنمية.. ليس فقط للعراق وتركيا وإنما للمنطقة والعالم، وهو الممر العالمي لنقل البضائع والطاقة ويربط الشرق بالغرب"، لافتا إلى أن "هذا الممر سينقل البضائع والطاقة".

وكشف أن "طريق التنمية" يتضمن "خط للسكك الحديدية ينقل البضائع، في المرحلة الأولى بسعة 3.5 مليون طن، لنصل في المرحلة الثانية إلى 7.5 مليون طن، وطريق التنمية (القناة الجافة) سيشتمل على النقل البري وخطوط نقل الطاقة، فضلا عن ميناء الفاو".

وهناك أعمال قائمة حاليا لتأهيل ميناء الفاو في أقصى جنوب العراق والمجاور لدول الخليج والذي سيكون محطة أساسية لتسلم البضائع قبل نقلها برا.

ويسمح هذا المشروع للعراق باستغلال موقعه الجغرافي والتحول إلى نقطة عبور للبضائع والتجارة بين الخليج وتركيا ثم أوروبا، ناهيك عن إعادة تأهيل البنية التحتية في البلاد، بحسب تقرير سابق لوكالة "فرانس برس".

ويهدف المشروع كذلك إلى بناء 15 محطة قطار للبضائع والركاب على طول الخط، تنطلق من البصرة جنوبا مرورا ببغداد وصولا إلى الحدود مع تركيا.

وعلى مدى الأشهر الماضية لطالما أكد إردوغان عزم بلاده على إنجاز المشروع بالشراكة مع العراق، وفي تصريحات له أواخر العام الماضي قال: "سواء الإمارات أم قطر أم السعودية أم العراق، كلهم مصممون بشدة على هذا الموضوع (المشروع)".

كما أكد أنه "لمس ذات التصميم حيال المشروع من الولايات المتحدة وألمانيا واليابان".

ما الأصداء في العراق؟

ينظر إحسان الشمري رئيس مركز "التفكير السياسي" وأستاذ السياسات العامة في جامعة بغداد إلى التحركات النشطة أمنيا ودبلوماسيا تركيا وعراقيا بأنها "تعود إلى الملفات العديدة التي تربط البلدين، وما تزال التفاهمات بشأنها عالقة".

الملفات تبدأ من "قضية مكافحة الإرهاب" والمتمثل بـ"حزب  العمال" حسب وجهة النظر التركية، حسب الشمري، وقضية الوجود العسكري التركي في شمال العراق وقضية المياه التي تشكل ملفا ضاغطا على بغداد بشكل كبير. 

إضافة إلى ملف "مشروع طريق التنمية" وما يمكن أن يحققه من زيادة روابط بين البلدين وملف تصدير النفط مرة أخرى عبر الأراضي التركية وتوسيع حجم التبادل التجاري.

ويقول الشمري لموقع "الحرة": "هذه الملفات هي من تقرّب الأطراف، مع الأخذ بعين الاعتبار التنافس وصراع المشاريع الاقتصادية في المنطقة".

ويدفع الصراع الذي أشار إليه أستاذ السياسات العامة العراقية كلا من بغداد وأنقرة إلى "تكثيف مستويات التنسيق"، وأردف بالقول: "نتحدث عن الطريق الأخضر من الهند عبر الإمارات وطريق الحرير ومن هنا تنبع أهمية طريق التنمية".

ولا يمكن فصل ما يحصل بين أنقرة وبغداد عن المشهد العام في المنطقة، وفق الشمري.

ويضيف: "البلدان يريدان أن يكون لهما موقف ورؤية موحدة، وخاصة أن الحرب في غزة باتت ترسم ملامح التسوية في المنطقة".

ماذا عن الحدود؟

وتحافظ تركيا على وجود عسكري شامل في شمال العراق وشمال سوريا ضمن نطاق "القضاء على المشكلة من مصدرها في الحرب ضد الإرهاب".

وما تزال تؤكد حتى الآن على نيتها إطلاق حملات عسكرية إضافية، عبر البر والجو.

ووصلت قبل زيارة المسؤولين الأتراك إلى بغداد إلى حد إعادة الحديث عن "منطقة أمنية بعمق 40 كيلومترا"، حسبما صرح وزير الدفاع يشار غولر.

كما عقد قائد الجيش الثاني الترطي الفريق متين توكل والوفد المرافق له اجتماعا أمنيا على الحدود مع المسؤولين المحليين العراقيين، قبل يومين.

وقالت وزارة الدفاع التركية في بيان إن "الاجتماع حصل داخل حدود منطقة عملية المخلب، وتمت مناقشة أمن الخط الحدودي العراقي التركي فيه وإجراءات زيادة أمن المواطنين العراقيين".

وانتشر الجيش العراقي مؤخرا في منطقة استراتيجية في شمال العراق لمساعدة الجيش التركي ضد "حزب العمال الكردستاني"، وبدأ القادة على الأرض في تنسيق تحركاتهم، كما يشير الباحث التركي، عمر أوزكيزيلجيك.

ومع ذلك يقول إنه "لا يزال الحذر ضروريا، حيث يمكن لإيران أن تلعب دورا مفسدا كبيرا وتقوض هذا الزخم والخطط الجديدة".

أوزكيزيلجيك يرى أن "تركيا في القضاء على معظم وجود حزب العمال الكردستاني بالقرب من منطقة الحدود التركية، مما جعل الحدود التركية العراقية آمنة". 

لكنه يوضح أن "الوجود المتبقي لحزب العمال الكردستاني يقع الآن جنوبا في جبال جارا، وجبال سنجار، وجبال مخمور، وجبال قنديل".

ويضيف: "لمقاتلته هناك يحتاج الجيش التركي إلى دعم استخباراتي ولوجستي وعسكري من قوات البيشمركة الكردية والجيش العراقي، وبدون دعمهم، قد تكون أي عملية عسكرية مكلفة للغاية".

"مقايضة وأوراق"

بدوره يقول أستاذ السياسات العامة العراقي، إحسان الشمري إن "العراق يريد أن ينظم علاقته الأمنية العسكرية مع تركيا خصوصا أن التواجد التركي كقواعد وبشكل عملياتي يحرج بغداد بشكل كبير جدا".

ولذلك "قد تجد بغداد أن مقايضة ملف المياه بالملف الأمني يمكن أن يحقق لها مكاسب كبيرة جدا".

ويعاني العراق بشدة من نقص المياه، وتقول بغداد إن هذه الأزمة سببت بتصحر نحو 70 بالمئة من الأراضي الزراعية في البلاد، بينما تلقي باللوم على كل من تركيا وإيران بشأن إقامة السدود التي قللت الحصة المائية للعراق بشكل كبير.

ومنذ سنوات، يحاول العراق الحصول على إطلاقات مائية أكبر من الأنهار التي تنبع من كلا البلدين، لكن مشاريع السدود التي يقيمها البلدان على تلك الأنهار تسببت بانخفاض واردات العراق المائية بشكل كبير.

الشمري يرى من جانب آخر أن "تركيا تستغل الانشغالات في المنطقة نتيجة حرب غزة وتريد أن تعمل على تصفير ملف حزب العمال عسكريا على أقل تقدير"، ويضيف أنها "قد تذهب مع العراق بتنسيق أعلى يصب في صالحها من خلال مذكرة تفاهم".

ومن الجانب العراقي "قد تكون المذكرة من أهم القضايا التي يمكن أن يقدمها كتنازل لتركيا، لغرض أن تخوض حرب التصفير مع حزب العمال في شمال العراق".

ويتابع الشمري أنه "يجب أيضا الأخذ بالاعتبار أن طريق التنمية بحاجة بيئة أمنية في شمال العراق، ولذلك قد يكون هناك اتفاق ضمن المذكرة بأن تقوم تركيا بتوفير هذه البيئة ما بين سنجار والحدود التركية العراقية".

"الملف الأمني في الصدارة والزيارة الحاصلة أمنية بامتياز، ونحن أمام استراتيجية لاستخدام كل الأوراق التي يمكن أن تحقق مكاسب الدولتين"، حسبما أكد الشمري في ختام حديثه مع "الحرة".

ويشير الباحث التركي أوزكيزيلجيك إلى أنه "من المقرر أن يزور الرئيس إردوغان العراق، ليصبح أول رئيس تركي يقوم بذلك منذ تورغوت أوزال"، مضيفا أن كل ذلك يأتي "بعدما اتخذ وزير الخارجية والدفاع التركيان مبادرة دبلوماسية تجاه العراق، في خطة لتنسيق الجهود بين الأتراك والأكراد والعرب لمحاربة حزب العمال".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

يحتل العراق المرتبة 157 (من 180) في مؤشر منظمة الشفافية الدولية
يحتل العراق المرتبة 157 (من 180) في مؤشر منظمة الشفافية الدولية

بعدما كان "ركيزة أساسية" يعَوّل عليها في ملاحقة كامل الخيوط المتعلقة بـ"سرقة القرن" وضعت "الخفايا" التي كشف عنها رئيس هيئة النزاهة في العراق، حيدر حنون، القضاء في البلاد في "قفص الاتهام"، وجاء ذلك بعد سلسلة "فضائح مليارية" أزاح الستار عنها مع عدد من النواب خلال الأيام الماضية.

حنون كان قد عقد مؤتمرا صحفيا في أربيل، قبل يومين، وعلى نحو مفاجئ ولافت استخدم لغة هجومية وحادة استهدف بها مجلس القضاء الأعلى" والقاضي ضياء جعفر، الذي يتولى قضية نور زهير المتهم الأول بقضية سرقة الأمانات الضريبية، فيما يعرف بـ"سرقة القرن".

وبعدما عبّر أمام حشد من الصحفيين عن غضبه من "استضعاف هيئة النزاهة"، أشار إلى "اختفاء ملفات من قضية زهير لدى القاضي جعفر"، وأن ذلك "يشكّل تحديا كبيرا لجهود مكافحة الفساد، واستعادة أموال الدولة المنهوبة".

لم يقتصر الأمر عند ذلك فقط، فأضاف حنون أن "ملف زهير الذي تمت إحالته إلى محكمة الجنايات المركزية، يحتوي على 114 صكا ماليا". وفي حين أن القانون يقتضي فتح 114 قضية منفصلة "جرى التعامل معها كقضية واحدة"، وفق قوله.

ولم يصدر أي موقف من جانب مجلس القضاء الأعلى حتى الآن، كما لم يرد القاضي جعفر على الاتهامات التي وجهها حنون ضده، وحاول موقع "الحرة" التواصل مع الأخير ومسؤولين آخرين في "مجلس القضاء الأعلى"، ولم يتلق ردا حتى ساعة نشر هذا التقرير.

وبدوره لم يقدم مدير المكتب الإعلامي لهيئة النزاهة في العراق، علي محمد أية تفاصيل إضافية عن دوافع ما كشف عنه حنون، وأوضح لموقع "الحرة" أنه "يجب ترك الموضوع حاليا".

وتضمنت الاتهامات التي وجهها رئيس هيئة النزاهة حديثه عن "سرقة في ملف سكك حديدية تقدر قيمتها بـ18 مليار دولار، دون أن يتم اتخاذ أي إجراء من قبل القاضي جعفر منذ شهرين"، حسب تعبيره.

ومن ناحية أخرى اتهم حنون "زهير بالتورط في سرقة الودائع الجمركية بما يزيد عن تريليون دينار عراقي"، مطالبا "بعقد جلسة علنية بحضور القاضي جعفر لكشف الحقائق أمام الشعب"، كما أضاف أن الأخير "أصدر أمر قبض بحقه ويلاحقه بشكل شخصي".

كيف بدأت المواجهة؟

المواجهة الحاصلة واللافتة كما يعتبرها باحثون ونواب عراقيون جاءت بعد أسبوع واحد من هروب المتهم بـ"سرقة القرن" نور زهير خارج البلاد، مما أثار جدلا وتساؤلات عن كيفية فراره، وهو المتهم الأبرز في أكبر قضية فساد شهدتها البلاد منذ عام 2003.

وشيئا فشيئا وبينما كانت الأنظار تتركز على قرار إلقاء القبض الذي أصدره القضاء بحق زهير للمرة الثانية بدأت تظهر بالتدريج "فضائح فساد مليارية" جديدة، وكان أبرزها تلك التي كشف عنها النائب في البرلمان العراقي، ياسر الحسيني، وتداولتها وسائل إعلام على نطاق واسع.

وجاء في اتهامات رئيس كتلة "الآمال" النيابية أن "الشركة العامة لسكك الحديد" وقعت عقدا لإعادة تأهيل خط سككي بقيمة 22 مليار دولار ونصف، قبل ثلاثة أشهر، وأن المشروع أحيل إلى 3 شركات، واحدة منها أجنبية وأخرى محلية، والثالثة تابعة لزهير المتهم بـ"سرقة القرن".

وفي حين نفت وزارة النقل، عبر حديث متلفز أدلى به المتحدث باسمها ميثم الصافي، الاتهامات التي أطلقها الحسيني أشار خبراء قانون ونواب سابقون إلى أن "الفضائح" التي باتت تنكشف على نحو كبير ترتبط دوافعها وحيثياتها بشكل وثيق.

وأوضح بعض النواب وخبراء القانون أن الأسباب التي تقف وراء ذلك تتعلق بجذور وصراعات سياسية فيما ذهب آخرون للإشارة إلى مآلات وتداعيات المواجهة الحاصلة التي اندلعت ما بين هيئة النزاهة و"المجلس الأعلى للقضاء".

ويقول الخبير القانوني العراقي، أمير الدعمي، إن الصراعات في العراق باتت تشتد على كافة المستويات السياسية، ويضيف أنه "قد نشهد صراعا بين مؤسستين مهمتين، الأولى هي مجلس الوزراء والثانية هي مجلس القضاء الأعلى".

ويشير في حديثه لموقع "الحرة" أنه "ولأول مرة قد يكون مجلس القضاء الأعلى طرفا في صراع مثل هذا".

ويسود اعتقاد لدى بعض المراقبين والباحثين العراقيين أن المواجهة الحاصلة بين "النزاهة" والقضاء تقف وراءها وفي الكواليس مواجهة خفية ما بين رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني و"المجلس الأعلى للقضاء".

لكن مستشار السوداني فادي الشمري تحدث في تصريحات نقلتها وسائل إعلام عراقية، الجمعة، عن "محاولات قامت بها الحكومة لثني رئيس هيئة النزاهة من عقد المؤتمر الصحفي الأخير في أربيل".

وأوضح الشمري أن "حنون رفض التراجع"، وأن "طريقته في طرح هواجسه كانت مضرة بالاستقرار السياسي، وأن اجتهاده كان في غير محله".

ومن المقرر أن تعقد جلسة استثنائية في مجلس النواب العراقي، لمتابعة تطورات المشهد الحالي، وخاصة فيما يتعلق بملفات الفساد الكبرى، كما يكشف عضو اللجنة القانونية النيابية في العراق، عارف الحمامي، لموقع "الحرة".

وبالنسبة لمسألة التحقيق والقضاء يقول: "نحن نحترم القضاء ونشد على يده لإكمال التحقيق والخروج بنتائج مرضية للشعب العراقي".

ويعتقد عضو اللجنة القانونية النيابية العراقية أن "حديث حنون كان نتيجة ضغوط".

ويعتبر أن رئيس هيئة النزاهة "يجابه منظومة فساد كبرى، ويحتاج الدعم الكبير والمؤازرة من مجلس النواب العراقي والقضاء والوقوف على حقائق الأمور".

"قضية نور زهير هي قضية فساد كبرى وفيها رؤوس.. وهذه الرؤوس تريد خلط الأوراق والتشويش على القضاء وهيئة النزاهة"، ويرى الحمامي أن "حدوث مشكلة ما بين القضاء والنزاهة من صالح الفاسدين".

"من زهير إلى جوحي"

رغم أن الأضواء في العراق تتسلط وعلى نحو كبير باتجاه قضية "سرقة القرن" وخيوطها التي يتم الكشف عنها بالتوالي بعيدا عن كشف أسماء "الرؤوس" انشغلت الساحة السياسية في البلاد خلال الأيام الماضية بقضية عرفت باسم "شبكة التنصت" أو "شبكة جوحي".

وفي التفاصيل وبحسب إفادات سابقة للنائب مصطفى سند، فإن محكمة تحقيق الكرخ، المختصة بقضايا الإرهاب أقدمت قبل أسبوع على "اعتقال شبكة من القصر الحكومي لمكتب رئيس الوزراء، وعلى رأسهم المقرب (محمد جوحي)، وعدد من الضباط والموظفين".

وذكر مصطفى أن الشبكة "كانت تمارس عدة أعمال غير نظيفة؛ ومنها التنصت على هواتف عدد من النواب والسياسيين (وعلى رأسهم رقم هاتفي)"، وكذلك "تقوم الشبكة بتوجيه جيوش إلكترونية، وصناعة أخبار مزيفة، وانتحال صفات لسياسيين ورجال أعمال ومالكي قنوات"، بحسب النائب في البرلمان.

وبعدما أثار الحديث عن "شبكة التنصت" ضجة نشر "مجلس القضاء الأعلى" بيانا وصف فيه المعلومات المتداولة بشأن "قضية جوحي" بأنها غير دقيقة، واعتبر أنها "مبنية على التحليل والاستنتاج بعيدا عن الحقيقة".

"تضخيم إعلامي"

ورفض مستشار سياسي لرئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، السبت، الاتهامات التي ترددت في الآونة الأخيرة بأن موظفين في مكتب رئيس الوزراء تجسسوا وتنصتوا على مسؤولين كبار وسياسيين.

وقال المستشار فادي الشمري في مقابلة مع إحدى جهات البث العراقية أذيعت في وقت متأخر من مساء أمس الجمعة "هذه كذبة مضخمة"، وهو النفي الأكثر صراحة من عضو كبير في فريق رئيس الوزراء.

وأضاف أن الاتهامات تهدف إلى التأثير سلبا على السوداني قبل الانتخابات البرلمانية المتوقع إجراؤها العام المقبل.

وتابع "كل ما حدث خلال الأسبوعين الأخيرين هو مجرد تضخيم إعلامي يخالف الواقع والحقيقة".

وقال الشمري إنه تم إلقاء القبض على شخص في مكتب رئيس الوزراء في أغسطس، إلا أن الأمر لا علاقة له علاقة بالتجسس أو التنصت.

وأضاف أن ذلك الموظف اعتقل بعد اتصاله بأعضاء في البرلمان وسياسيين آخرين منتحلا صفة شخص آخر.

وأردف "تحدث مع نواب مستخدما أرقاما مختلفة وأسماء وهمية وطلب منهم عددا من الملفات المختلفة". ولم يخض الشمري في تفاصيل. وتابع "لم يكن هناك تجسس ولا تنصت".

ويشير عضو اللجنة القانونية النيابية الحمامي إلى أنه وحتى الآن "لا تستطيع أن ننفي أو نؤيد ما تم تداوله عن قضية التنصت"، ويقول إنها "حساسة.. وننتظر نتائج التحقيق".

وكن المتحدث باسم الحكومة العراقية باسم العوادي قال في وقت سابق إن الحكومة العراقية "تتابع الحملات المضللة التي تستهدف إعاقة عملها في مختلف المجالات، ومنها ما جرى تناوله من معلومات غير دقيقة تستبطن الغمز، وبعضها تضمن الاتهام المباشر للحكومة تجاه قضايا تخضع الآن لنظر القضاء".

وأضاف العوادي في بيان أن "السلطة التنفيذية تنتظر ما سيصدر عنه (القضاء) بهذا الصدد، مع تأكيد الحكومة المستمر على الالتزام بالقانون واحترام قرارات القضاء".

وشدد العوادي أن "هناك من يعمل على جرّ الحكومة وإشغالها عن نهجها الوطني عبر محاولات يائسة لا تصمد أمام الإجراءات القانونية الحقيقية والفعلية، التي تعمل الحكومة على تنفيذها ودعمها".

ولم يتطرق البيان إلى أي أسماء متورطة يتم تداولها في وسائل الإعلام أو من قبل أعضاء في مجلس النواب العراقي بشأن القضية.

ومن جانب آخر اعتبر وائل عبد اللطيف القاضي العراقي السابق أن ما يتم الحديث عنه من "ملفات فساد وفضائح من قبل حيدر حنون هو أقل من السرقات الموجودة في البلد".

ويقول عبد اللطيف لموقع "الحرة" إن "البلد بات بؤرة فساد والسرقات تأكله في جميع مرافقه.. ولا أستثني منها أي مرفق". 

القاضي السابق أشار إلى المعلومات التي تحدث عنها حنون بشأن "قطع الأراضي التي منحها رئيس الوزراء السابق، مصطفى الكاظمي لرئيس وأعضاء مجلس القضاء الأعلى ورئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية والوزراء لشراء الولاء".

وأوضح أن رئيس هيئة النزاهة حصل على جزء من تلك الأراضي، وهو ما أكده في المؤتمر الصحفي بقوله: "وقبلناها جميعا (من الكاظمي)".

ويتابع عبد اللطيف: "حنون كان رئيس استئناف العمارة وأخذ قطعتي أرض وعنده منزل. ماذا يريد بعد ذلك؟ وكذلك الحال مع ضياء جعفر. ما يحصل عبارة عن صراع تشارك فيه القوى السياسية".

"كارثة وانتحار سياسي"

وتباينت ردود الفعل إزاء ما كشف عنه حنون من أربيل، وكانت المواقف منقسمة ما بين مؤيد ومعارض للطريقة التي تم فيها إطلاق الاتهامات.

ودافع رئيس ائتلاف "دولة القانون"، نوري المالكي، بشدة عن القضاء، الخميس، وبدا مستاءً من اتهامات رئيس هيئة النزاهة للقضاء، وإن لم يذكر اسمه بالتحديد خلال كلمته.

ومن جهته، دعا زعيم "تيار الحكمة"، عمار الحكيم، إلى ما وصفها بـ"محاكمة القرن" لمقاضاة "سرقة القرن"، وقال في كلمة مسجلة: "لتكن هذه المحاكمة علنية، كما فعلنا مع صدام حسين، حتى لو وردت فيها أسماء شخصيات كبيرة".

وتتمثل "سرقة القرن" باختفاء مبلغ 3.7 تريليون دينار عراقي، بما يعادل نحو مليارين ونصف مليار دولار، من أموال الأمانات الضريبية. وكانت جهات متعددة قد كشفت عن السرقة قبل نحو شهرين من انتهاء مدة حكم الحكومة العراقية السابقة برئاسة، مصطفى الكاظمي.

وكشف كتاب رسمي صادر عن هيئة الضرائب أن مبلغ 2.5 مليار دولار، جرى سحبه بين سبتمبر 2021 وأغسطس 2022 من مصرف الرافدين الحكومي، عبر 247 صكا ماليا، حرّر إلى 5 شركات، قامت بصرفها نقدا مباشرة.

وعلى إثر انكشاف السرقة تحركت "هيئة النزاهة" والسلطة القضائية للتحقيق في القضية، وصدرت عدة أوامر قبض قضائية، وكان أول المعتقلين نور زهير، واسمه الكامل "نور زهير جاسم المظفر"، وكنيته "أبو فاطمة"، وهو من مواليد بغداد عام 1980.

بعد ذلك تم إيداعه السجن بالإضافة إلى آخرين، إلى جانب قرارات قضائية بمصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة للمتورطين بالسرقة وكذلك أُسرهم، وفق وكالة "شفق نيوز".

وفي عام 2023، قرر القضاء العراقي رفع إشارة الحجز عن شركة تابعة لزهير، ومن ثم أعلن رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، عن قيام المتهم الأول بـ"سرقة القرن" بتوزيع أمواله على متنفذين من بينهم "سياسيون وإعلاميون"، ملمحا إلى ارتفاع عدد المتهمين.

ووقتها أعلن السوداني أيضا أن القاضي المختص (ضياء جعفر) أصدر أمرا بإطلاق سراح نور زهير "بكفالة"، مقابل تعهده بتسليم كامل المبلغ المسروق خلال مدة أسبوعين، مشيرا إلى أن القسم الأكبر من المبلغ لدى المتهم عبارة عن عقارات وأملاك.

ويشكّل المبلغ الذي أعاده زهير إلى خزينة الدولة بعد خروجه من السجن بكفالة ما نسبته 12 بالمئة من كامل الأموال التي تتجاوز 2.5 مليار دولار، وفق تصريحات سابقة للنائب في البرلمان العراقي، ماجد شنكالي.

وحتى الآن لا يعرف ما إذا كان المسارات ستصل إلى إعادة إلقاء القبض على زهير، بموجب المذكرة التي صدرت بحقه قبل أسبوع، وبعد انتشار صورة له من العاصمة اللبنانية بيروت، مدعيا أنه "تعرض لإصابة في حادث سير".

ويعتبر الخبير القانوني الدعمي أن "التدخل أو إقحام القضاء بمثل هكذا صراعات هو خطأ، بل كارثة على اعتبار أن المجلس الأعلى للقضاء الآن هو الحصن الأخير الذي يمكن أن نلوذ به".

ويرى أن "محاولة إقحام القضاء في الصراع السياسي أو جره لهذا الصراع هو انتحار سياسي"، في إشارة منه للمؤتمر الذي عقده حنون.

"الكل متورط في العراق"

لكن وفي المقابل يوضح الكاتب والباحث في الشأن العراقي، يحيى الكبيسي أن "مراجعة الوقائع المرتبطة بسرقة الأمانات الضريبية تظهر بوضوح اشتراك سلطات الدولة ومؤسساتها المختلفة في هذه السرقة، سواء بشكل مباشر أو بشكل ضمني، بما في ذلك السلطة القضائية نفسها".

ويقول لموقع "الحرة" إن الدليل على ذلك "هو عدم اتخاذ القضاء العراقي أي إجراء طوال أكثر من شهرين، من لحظة كشف السرقة إلى لحظة محاولة هروب المتهم الرئيسي عبر مطار بغداد".

وتبع ذلك وفق الكبيسي "إطلاق سراح المتهم بسرعة غير مفهومة، ورفع الحجز عن شركاته وممتلكاته، ورفع منع السفر عنه، وعدم حضوره المحاكمة، وما يستتبع ذلك من دفع الكفلاء لمبلغ الكفالة لتنتهي القضية بحكم غيابي لا قيمة له عمليا".

ما قاله حنون "كان في جوهره اتهامات للقضاء العراقي"، ورغم أنه لم يقدم معلومة جديدة "كسر التواطؤ الجماعي الذي يغطي على الفساد في العراق في سياق الصراع بين السلطات"، بحسب الكاتب الكبيسي.

ويتابع أن "الفساد في العراق منذ العام 2006 ليس فساد أفراد، بل فساد بنيوي، والكل شركاء فيه".

ويحتل العراق المرتبة 157 (من 180) في مؤشر منظمة الشفافية الدولية عن "مدركات الفساد"، وغالبا ما تستهدف المحاكمات في قضايا الفساد، في حال حصلت، مسؤولين في مراكز ثانوية.

ويعتقد القاضي السابق، وائل عبد اللطيف أن المناكفات الحاصلة بين "النزاهة" و"المجلس الأعلى للقضاء" ترتبط "بغياب الاستقرار وتنظيم العمل في الدولة".

وبالإضافة إلى ذلك يؤكد أن "الفساد مستشر في الدولة العراقية"، وأن ما نراه الآن أيضا مرتبط بالصراع الحاصل بين القوى السياسية.

أما الخبير القانوني الدعمي فيؤكد أنه "يجب عدم المساس بالقضاء وإقحامه بالصراعات السياسية المعروفة أساساتها على اعتبار الفساد المستشري في الدولة العراقية".

ويعتقد الدعمي أن "الصراع الحاصل بين النزاهة والمجلس الأعلى للقضاء ينذر بكوارث"، ويعتبر أن "القضاء أسمى من أن يكون طرف بصراع سياسي أو مفسدة سياسية تقوم بها الكيانات والطبقة السياسية".