من أحد أسواق العاصمة العراقية بغداد خلال رمضان 2024
من أحد أسواق العاصمة العراقية بغداد خلال رمضان 2024- تعبيرية

ما زالت أسعار اللحوم والمنتجات الحيوانية تسجل ارتفاعا مستمرا في الأسواق العراقية رغم الخطوات التي تتخذها الحكومة العراقية للحد من هذا الأمر الذي يتكرر كل عام في رمضان.

وأقر مجلس الوزراء خلال جلسته الاعتيادية التي عقدها الثلاثاء الماضي، توصية بتخفيض مقدار الرسم الجمركي على الحيوانات الحية المستوردة لأغراض الذبح أو التربية (العجول والأغنام والأبقار) بنسبة 50% من الرسوم الحالية، لتصبح 2% بالنسبة (للعجول والأغنام والأبقار) المستوردة لأغراض الذبح، و5% للمستوردة منها بغرض التربية، على أن يراجع بعد مرور سنة.

ورغم حالة الركود الذي تعيشها الأسواق المحلية في البلاد بسبب الأزمة الاقتصادية وتذبذب أسعار الدينار العراقي أمام العملات الأجنبية، إلا أن أسواق المواد الغذائية شهدت انتعاشا نسبيا قبل حلول رمضان بسبب زيادة الطلب عليها.

يقول الخبير الاقتصادي، نبيل جبار التميمي، إن ارتفاع أسعار السلع مع قدوم كل رمضان "مسألة طبيعية؛ لازدياد الطلب عن حدوده الطبيعة مع كل سنة، بالتالي يمكن أن يستثمر عدد التجار حالة الطلب المتزايد هذه لرفع أسعار بعض السلع".

"لكن رمضان هذا العام لم يشهد ارتفاع الأسعار بالشكل الكبير، باستثناء ارتفاع أسعار اللحوم"، يضيف التميمي.

ويبين لـ"ارفع صوتك": "لم تكن للحكومة خطط استباقية في مجال اللحوم وتسبب هذا بارتفاع أسعارها، أما استقرار أسعار المواد الغذائية الأخرى فيعود لاستمرار توزيع البطاقة التموينية للمواطنين وأيضا البطاقة الغذائية الثانية المدعومة لذوي الرعاية الاجتماعية أو ذوي الحماية الاجتماعية الخاصة، ما أسهم في دعم هذه الطبقات والسيطرة بشكل غير مباشر على الأسواق".

وأعلن جهاز الأمن الوطني العراقي، الثلاثاء الماضي، تنفيذ حملات رقابية على الأسواق التجارية في عموم المحافظات لمنع المضاربين بالأسعار.

وقال في بيان، إن مفارز الأمن الاقتصادي التابعة له، نفذت حملات رقابية لمتابعة الأسواق والمحال التجارية لمنع التلاعب بأسعار المواد الغذائية ومحاسبة المخالفين عبر الإجراءات القانونية.

بالنسبة لملاك حسين، التي تقطن بغداد، فإن هذه الخطوات "مهمة لكنها ليست كافية للسيطرة على أسعار السلع في الأسواق".

وتروي لـ"ارفع صوتك": "زوجي أستاذ مدرسة يستلم شهريا نحو 750 ألف دينار عراقي، أكثر من نصف المبلغ يذهب لإيجار البيت ووالمواصلات، وما يتبقى لا يسد حاجة البيت، رغم أننا عائلة صغيرة مكونة من 4 أفراد".

وترى ملاك أنه ينبغي على الحكومة "توزيع جميع المواد الغذائية بما فيها اللحوم والمنتجات الحيوانية كافة من خلال البطاقة التموينية وبكميات تسد حاجة العائلة خلال شهر" فحينها فقط "ستتمكن من السيطرة على الأسواق" وفق تعبيرها.

في السياق نفسه، يقول الخبير الاقتصادي خطاب عمران الضامن إن وزارة التجارة لديها إستراتيجية تتمثل في استيراد بعض السلع الغذائية المعرضة أسعارها للارتفاع كي تحافظ على استقرار أسعارها وتمنع احتكارها من قبل بعض التجار.

ويرى أن استيراد العراق لكميات كبيرة من اللحوم المجمدة "لن يكون له هذا التأثير في استقرار أسعار اللحوم في الأسواق"، موضحاً لـ"ارفع صوتك": "استيراد اللحوم خاصة المجمدة منها، لا يعتبر البديل المناسب للحم الغنم العراقي، بسبب الاختلاف في طعمها، وتجميدها لفترات طويلة وأيضا بسبب تفضيل السكان للحم العراقي، لذلك ما زالت أسعار لحم الغنم العراقي في ازدياد."

ويشير الضامن إلى أن حركة التسوق والإقبال على شراء السلع والمحاصيل الزراعية واللحوم مع حلول شهر رمضان "أنعشت الحركة التجارية والأسواق، وسيؤدي إلى تحقيق دخل لتجار الجملة والمفرد الذين يعملون في توزيع هذه المواد".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".