مقاتلون يمنيون في خمسينيات القرن الماضي. (تعبيرية)
مقاتلون يمنيون في خمسينيات القرن الماضي. (تعبيرية)

ضابط عراقي لعب دوراً كبيراً في إثراء الحياة السياسية باليمن حتى إنه قاد ثورة كادت أن تُطيح بالحُكم الإمامي ونصّبته قائدًا للجيش طيلة تمسك الثوار بالسُلطة، هو النقيب جمال جميل.

بحسب ما ذكره الباحث ياسين العسكري، في بحثه "الشهيد العراقي الرئيس جمال جميل ودوره في قيام ثورة 1948 في اليمن"، فقد وُلد جميل عام 1912 في الموصل. وهناك تعلّم حتى المرحلة الإعدادية.

بعدها، دخل في المدرسة العسكرية الملكية عام 1928، ليسير على خُطى أخويه؛ الفريق الركن خليل جميل الذي ترقّى في الجيش حتى كان آمراً لبغداد وقت قيام ثورة 1958، وكذلك اللواء الركن فوزي جميل.

في 1931، تخرج جمال برتبة ملازم ثان. وعقب تخرجه بسنواتٍ قليلة أظهر حماساً ثورياً دفعه للانخراط في مغامرات سياسية داخل العراق وخارجه حتى دفع حياته ثمناً لها.

 

حركة بكر صدقي وقتل وزير الدفاع

 

وفقاً لكتاب "الرصاص السياسي في العراق" للباحث التاريخي فايز الخفاجي، فإن جميل الذي كان برتبة ملازم أول، شارك في انقلاب بكر صدقي سنة 1936، كما أنه أحد الضباط الخمسة الذين تحفّظوا على جعفر العسكري وزير الدفاع وقتها.

بصحبة عددٍ من رفاقه، اقتاد جميل وزير الدفاع حتى ضفة النهر وهناك أطلقوا عليه النار وقتلوه.

رغم تقديم الضباط الخمسة إلى المحاكمة إلا أنهم استفادوا من قانون العفو العام الذي أصدره السياسي حكمت سليمان بعد تعيينه رئيساً للحكومة، استجابةً لمطالب قادة الانقلاب.

 

الطريق إلى ثورة اليمن

 

في 1938، وبعد ضغوطٍ شديدة وافق الإمام يحيى حميد الدين على إرسال 20 فرداً من شباب اليمن لتلقي دراسات عسكرية بالعراق، ثم أُرسلت بعثتان أخريان، لتشكل  هذه البعثات طبقة جديدة من العسكريين اليمنيين الذين آمنوا بضرورة التغيير ومثّلوا لاحقاً العمود الفقري للثورات المتتالية التي لاحقت الحُكم الإمامي.

في هذه الأثناء، عاش اليمن في عُزلة كبيرة عن العالم بسبب معارضة قائده الإمام يحيى لاتخاذ أي إجراء يؤدي لتحديث البلاد.

ذكرت مروى سليمان، في بحثها "العلاقات السعودية- اليمنية في الفترة من 1932 حتى 1953"، أن الإمام يحيى فرض على بلاده ستاراً من العُزلة جعله يُحجم عن تعميق علاقاته البلاد الخارجية بأيٍّ من دول العالم، فكان يأمر مندوبه في الجامعة العربية بعدم الحديث أبداً خلال الجلسات وعدم الإعراب عن أي رأي في أي قضية حتى بات سلوكه الصامت دوماً أمراً يثير السخرية في أروقة الجامعة العربية.

بفعل سياسته الحذرة من الانفتاح على العالم، أمر الإمام بالكفِّ عن إرسال البعثات للخارج على أن يأتي المُدربون العرب ليُمارسوا عملهم تحت رقابة الإمام في المجتمع اليمني المغلق بدلاً من الإقدام على المجهول وإرسال اليمنيين إلى مجتمعات عربية منفتحة، أحد هؤلاء المدربين كان جمال جميل الذي وصل البلاد في 1940.

ووفقاً  لكتاب "العسكريون العرب وقضية الوحدة" لمجدي حماد، فإنه عقب انتهاء مدة بعثته (3 سنوات) خاف النقيب جمال جميل من العودة للعراق كيلا تُعاد محاكمته بتهمة قتل جعفر العسكري فطلب من الإمام أن يُبقيه مدرباً للجيش.

وورد في كتاب "الثقافة الجمهورية في اليمن"، للباحث اليمني علي زيد، أن جميل حمَل أفكار الحرية والتغيير إلى اليمن ونشرها بين المتدربين، ليحقق شعبية كبيرة بين تلاميذه، حتى إنه عُيّن مديراً لأمن صنعاء، وهو ما علّق عليه عبد الرحمن سلطان في كتابه "الثورة اليمنية وقضايا المستقبل" بالقول إن "روحه (جميل) الثورية دعّمت الكثير من الأفكار التحررية عند كثير من الضباط اليمنيين الذين دربهم".

خلال هذه الفترة زاد تطلُّع عددٍ كبيرٍ من الأسر الهاشمية إلى العرش رافضة حصره على أسرة حميد الدين تحديداً ومنهم عبد الله الوزير زوج ابنة الإمام الذي ينحدر من البيت الهاشمي أيضاً، ما جعله يعتبر نفسه أهلاً للعرش اليمني.

تعاوَن الوزير مع اثنين من الثوريين العرب الذين اعتبروا أن الحُكم الإمامي عقبة أمام تطوير اليمن، هما الضابط العراقي جمال جميل والجزائري فضيل الورتلاني عضو جماعة الإخوان المسلمين، على تدبير ثورة ضد الإمام.

هذا الدور خلّده الشاعر الثائر عبد الله البردوني في أحد أبيات قصيدته "بطاقة موظف متقاعد"، حيث قال "تقصّيتُ ضيفاً يُسمّى جمالاً.. تعقّبتُ ضيفاً يُسمّى الفُضيل".

 

ثورة الـ25 يوماً

 

في فبراير 1948 هاجم الثوار الإمام يحيى حميد الدين عقب خروجه من إحدى مزارعه القريبة من صنعاء، ونجحوا في قتل الإمام وتنصيب عبد الله الوزير بدلاً منه.

وفور مقتل الإمام يحيى، قاد جميل قاد فرقة عسكرية  -كان عبد الله السلال أول رئيس للجمهورية اليمنية عضواً فيها- داهمت قصر الإمام واستولت على المستودعات الحكومية ومخازن النقود، بحسب كتاب "تاريخ اليمن المعاصر".

ولعب جميل دوراً رئيسياً في الانقلاب بعد قتل الحسن والحسين ابني الإمام. وبعد نجاح الحركة في السيطرة على صنعاء، بادر القادة الجُدد إلى تعيين الضابط العراقي قائداً عاماً للجيش اليمني ومديراً للأمن العام في صنعاء.

بدت الثورة في طريقها للنجاح بعدما اعترف شيوخ صنعاء بالوزير إماماً ودعوا في صلاة الجمعة باقي الشعب اليمني للاعتراف به ملكاً على عموم البلاد، إلا أن ولي العهد أحمد سارَع إلى تكوين جيش من القبائل المتحالفة مع والده بعدما تلقت دعماً مالياً من الملك سعود الرافض لهذا الانقلاب.

وفي مارس من العام  نفسه، دخل أحمد صنعاء، بعد 25 يوماً من استيلاء الثوار عليها، ونصّب نفسه إماماً خلفاً لوالده.

في كتابه "اليمن: الإنسان والحضارة"، وثّق القاضي عبد الله الشماحي اللحظات الأخيرة من حياة جميل، حاكياً أن اليوم الأخير للحُكم الثوري انتهى بعدما هاجم جيش الإمام أحمد صنعاء وحوّلها إلى "شعلة صراخ وطلقات وبنادق ورشاشات" انتهت بالاستيلاء على مقر الحُكم والقبض على الوزير ثم مقر الإذاعة ولم يبقَ إلا مقر قيادة جمال جميل".

وأضاف: "أحاطت القبائل بمقر قيادة جميل وصبّت عليه وابلاً من الرصاص، وقد قاوم مقاومة الأبطال حتى خرج من باب خلفي فوقع في الفخ وقُبض عليه".

أعدَّ الإمام أحمد للضابط العراقي "موكب عار" اقتيد فيه بصحبة 70 من قادة الانقلاب مربوطين بالأغلال من أيديهم وأعناقهم إلى محافظة حجة (127 كم بعيداً عن صنعاء)، خلال الرحلة الشاقة طاف الجنود بهم على القرى حيث تُركوا لعوام الناس من أنصار الإمام ليقذفوهم بالطوب والشتائم والقاذورات طوال الطريق، قبل أن يصلوا إلى ساحة قصر الإمام أحمد، وفيها جرى إعدامه بالسيف، ليكون رأسه هو "القربان الذي قدمه المناضلون للثورة اليمنية"، على حد وصف عبد الرحمن سلطان.

من أكثر المواقف التي خلّدت لحظة وفاة جميل بأنه صرخ في وجه الإمام قبل وفاته بعبارته الشهيرة "أحبلناها وستلد"، في إشارة إلى أن الثورة العسكرية المقبلة التي ستطيح بحُكمه لن تتأخر كثيراً.

وهو ما تحقق في السنوات التالية. فرغم فشل حركتهم إلا أن هذا الانقلاب أثار رجّة في المجتمع اليمني بعدما نُظر إليه كمحاولة أولى لإنهاء النظام الإمامي.

ووفقاً لما ذُكر في كتاب "تاريخ اليمن المعاصر"، فإن "الذين شاركوا في هذا الانقلاب لهم فضل في إيقاظ جماهير اليمن بقُدرة الشعب على تقرير مصيره وتحمّل مسؤولية أعماله".

ورغم سقوط انقلاب جميل فإن بعض تلاميذه استمروا في محاولات التغيير ودخلوا السجون وبعضهم شارك في بناء النظام الجمهوري الذي قام على أنقاض الحُكم الإمامي، منهم محمد علي الأكوع الذي شارك في حركة 1955 وعقب فشلها هرب إلى عدن ثم عاد إلى اليمن خلال العهد الجمهوري ليعيّن وزيراً للداخلية.

وأيضاً أحمد الحافي، الضابط اليمني الذي شارك في تشكيل عصبة "الحق والعدالة" أول تنظيم سياسي ثوري عرفه اليمن عقب فشل ثورة 1948.

وشهدت هذه الحركة مشاركة ثلاثة ضباط هم عبد الله السلال وحمود الجائفي وأحمد الثلايا، الذين سُجنوا بسبب ذلك، إلا أنهم أُعيدوا للخدمة مرة أخرى.

وفي 1955، قاد الثلايا تمردا آخر فشل مُجدداً وهذه المرة أُعدم لقاء ذلك.

أما السلال، فقاد ثورة 1962 التي أنهت الحُكم الإمامي في اليمن، وكان من قرارتها الرئيسية اعتبار جمال جميل "بطلاً وطنياً وشهيداً من أجل تحرير اليمن"، كما أطلق اسمه على شارع رئيس في صنعاء.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

يحتل العراق المرتبة 157 (من 180) في مؤشر منظمة الشفافية الدولية
يحتل العراق المرتبة 157 (من 180) في مؤشر منظمة الشفافية الدولية

بعدما كان "ركيزة أساسية" يعَوّل عليها في ملاحقة كامل الخيوط المتعلقة بـ"سرقة القرن" وضعت "الخفايا" التي كشف عنها رئيس هيئة النزاهة في العراق، حيدر حنون، القضاء في البلاد في "قفص الاتهام"، وجاء ذلك بعد سلسلة "فضائح مليارية" أزاح الستار عنها مع عدد من النواب خلال الأيام الماضية.

حنون كان قد عقد مؤتمرا صحفيا في أربيل، قبل يومين، وعلى نحو مفاجئ ولافت استخدم لغة هجومية وحادة استهدف بها مجلس القضاء الأعلى" والقاضي ضياء جعفر، الذي يتولى قضية نور زهير المتهم الأول بقضية سرقة الأمانات الضريبية، فيما يعرف بـ"سرقة القرن".

وبعدما عبّر أمام حشد من الصحفيين عن غضبه من "استضعاف هيئة النزاهة"، أشار إلى "اختفاء ملفات من قضية زهير لدى القاضي جعفر"، وأن ذلك "يشكّل تحديا كبيرا لجهود مكافحة الفساد، واستعادة أموال الدولة المنهوبة".

لم يقتصر الأمر عند ذلك فقط، فأضاف حنون أن "ملف زهير الذي تمت إحالته إلى محكمة الجنايات المركزية، يحتوي على 114 صكا ماليا". وفي حين أن القانون يقتضي فتح 114 قضية منفصلة "جرى التعامل معها كقضية واحدة"، وفق قوله.

ولم يصدر أي موقف من جانب مجلس القضاء الأعلى حتى الآن، كما لم يرد القاضي جعفر على الاتهامات التي وجهها حنون ضده، وحاول موقع "الحرة" التواصل مع الأخير ومسؤولين آخرين في "مجلس القضاء الأعلى"، ولم يتلق ردا حتى ساعة نشر هذا التقرير.

وبدوره لم يقدم مدير المكتب الإعلامي لهيئة النزاهة في العراق، علي محمد أية تفاصيل إضافية عن دوافع ما كشف عنه حنون، وأوضح لموقع "الحرة" أنه "يجب ترك الموضوع حاليا".

وتضمنت الاتهامات التي وجهها رئيس هيئة النزاهة حديثه عن "سرقة في ملف سكك حديدية تقدر قيمتها بـ18 مليار دولار، دون أن يتم اتخاذ أي إجراء من قبل القاضي جعفر منذ شهرين"، حسب تعبيره.

ومن ناحية أخرى اتهم حنون "زهير بالتورط في سرقة الودائع الجمركية بما يزيد عن تريليون دينار عراقي"، مطالبا "بعقد جلسة علنية بحضور القاضي جعفر لكشف الحقائق أمام الشعب"، كما أضاف أن الأخير "أصدر أمر قبض بحقه ويلاحقه بشكل شخصي".

كيف بدأت المواجهة؟

المواجهة الحاصلة واللافتة كما يعتبرها باحثون ونواب عراقيون جاءت بعد أسبوع واحد من هروب المتهم بـ"سرقة القرن" نور زهير خارج البلاد، مما أثار جدلا وتساؤلات عن كيفية فراره، وهو المتهم الأبرز في أكبر قضية فساد شهدتها البلاد منذ عام 2003.

وشيئا فشيئا وبينما كانت الأنظار تتركز على قرار إلقاء القبض الذي أصدره القضاء بحق زهير للمرة الثانية بدأت تظهر بالتدريج "فضائح فساد مليارية" جديدة، وكان أبرزها تلك التي كشف عنها النائب في البرلمان العراقي، ياسر الحسيني، وتداولتها وسائل إعلام على نطاق واسع.

وجاء في اتهامات رئيس كتلة "الآمال" النيابية أن "الشركة العامة لسكك الحديد" وقعت عقدا لإعادة تأهيل خط سككي بقيمة 22 مليار دولار ونصف، قبل ثلاثة أشهر، وأن المشروع أحيل إلى 3 شركات، واحدة منها أجنبية وأخرى محلية، والثالثة تابعة لزهير المتهم بـ"سرقة القرن".

وفي حين نفت وزارة النقل، عبر حديث متلفز أدلى به المتحدث باسمها ميثم الصافي، الاتهامات التي أطلقها الحسيني أشار خبراء قانون ونواب سابقون إلى أن "الفضائح" التي باتت تنكشف على نحو كبير ترتبط دوافعها وحيثياتها بشكل وثيق.

وأوضح بعض النواب وخبراء القانون أن الأسباب التي تقف وراء ذلك تتعلق بجذور وصراعات سياسية فيما ذهب آخرون للإشارة إلى مآلات وتداعيات المواجهة الحاصلة التي اندلعت ما بين هيئة النزاهة و"المجلس الأعلى للقضاء".

ويقول الخبير القانوني العراقي، أمير الدعمي، إن الصراعات في العراق باتت تشتد على كافة المستويات السياسية، ويضيف أنه "قد نشهد صراعا بين مؤسستين مهمتين، الأولى هي مجلس الوزراء والثانية هي مجلس القضاء الأعلى".

ويشير في حديثه لموقع "الحرة" أنه "ولأول مرة قد يكون مجلس القضاء الأعلى طرفا في صراع مثل هذا".

ويسود اعتقاد لدى بعض المراقبين والباحثين العراقيين أن المواجهة الحاصلة بين "النزاهة" والقضاء تقف وراءها وفي الكواليس مواجهة خفية ما بين رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني و"المجلس الأعلى للقضاء".

لكن مستشار السوداني فادي الشمري تحدث في تصريحات نقلتها وسائل إعلام عراقية، الجمعة، عن "محاولات قامت بها الحكومة لثني رئيس هيئة النزاهة من عقد المؤتمر الصحفي الأخير في أربيل".

وأوضح الشمري أن "حنون رفض التراجع"، وأن "طريقته في طرح هواجسه كانت مضرة بالاستقرار السياسي، وأن اجتهاده كان في غير محله".

ومن المقرر أن تعقد جلسة استثنائية في مجلس النواب العراقي، لمتابعة تطورات المشهد الحالي، وخاصة فيما يتعلق بملفات الفساد الكبرى، كما يكشف عضو اللجنة القانونية النيابية في العراق، عارف الحمامي، لموقع "الحرة".

وبالنسبة لمسألة التحقيق والقضاء يقول: "نحن نحترم القضاء ونشد على يده لإكمال التحقيق والخروج بنتائج مرضية للشعب العراقي".

ويعتقد عضو اللجنة القانونية النيابية العراقية أن "حديث حنون كان نتيجة ضغوط".

ويعتبر أن رئيس هيئة النزاهة "يجابه منظومة فساد كبرى، ويحتاج الدعم الكبير والمؤازرة من مجلس النواب العراقي والقضاء والوقوف على حقائق الأمور".

"قضية نور زهير هي قضية فساد كبرى وفيها رؤوس.. وهذه الرؤوس تريد خلط الأوراق والتشويش على القضاء وهيئة النزاهة"، ويرى الحمامي أن "حدوث مشكلة ما بين القضاء والنزاهة من صالح الفاسدين".

"من زهير إلى جوحي"

رغم أن الأضواء في العراق تتسلط وعلى نحو كبير باتجاه قضية "سرقة القرن" وخيوطها التي يتم الكشف عنها بالتوالي بعيدا عن كشف أسماء "الرؤوس" انشغلت الساحة السياسية في البلاد خلال الأيام الماضية بقضية عرفت باسم "شبكة التنصت" أو "شبكة جوحي".

وفي التفاصيل وبحسب إفادات سابقة للنائب مصطفى سند، فإن محكمة تحقيق الكرخ، المختصة بقضايا الإرهاب أقدمت قبل أسبوع على "اعتقال شبكة من القصر الحكومي لمكتب رئيس الوزراء، وعلى رأسهم المقرب (محمد جوحي)، وعدد من الضباط والموظفين".

وذكر مصطفى أن الشبكة "كانت تمارس عدة أعمال غير نظيفة؛ ومنها التنصت على هواتف عدد من النواب والسياسيين (وعلى رأسهم رقم هاتفي)"، وكذلك "تقوم الشبكة بتوجيه جيوش إلكترونية، وصناعة أخبار مزيفة، وانتحال صفات لسياسيين ورجال أعمال ومالكي قنوات"، بحسب النائب في البرلمان.

وبعدما أثار الحديث عن "شبكة التنصت" ضجة نشر "مجلس القضاء الأعلى" بيانا وصف فيه المعلومات المتداولة بشأن "قضية جوحي" بأنها غير دقيقة، واعتبر أنها "مبنية على التحليل والاستنتاج بعيدا عن الحقيقة".

"تضخيم إعلامي"

ورفض مستشار سياسي لرئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، السبت، الاتهامات التي ترددت في الآونة الأخيرة بأن موظفين في مكتب رئيس الوزراء تجسسوا وتنصتوا على مسؤولين كبار وسياسيين.

وقال المستشار فادي الشمري في مقابلة مع إحدى جهات البث العراقية أذيعت في وقت متأخر من مساء أمس الجمعة "هذه كذبة مضخمة"، وهو النفي الأكثر صراحة من عضو كبير في فريق رئيس الوزراء.

وأضاف أن الاتهامات تهدف إلى التأثير سلبا على السوداني قبل الانتخابات البرلمانية المتوقع إجراؤها العام المقبل.

وتابع "كل ما حدث خلال الأسبوعين الأخيرين هو مجرد تضخيم إعلامي يخالف الواقع والحقيقة".

وقال الشمري إنه تم إلقاء القبض على شخص في مكتب رئيس الوزراء في أغسطس، إلا أن الأمر لا علاقة له علاقة بالتجسس أو التنصت.

وأضاف أن ذلك الموظف اعتقل بعد اتصاله بأعضاء في البرلمان وسياسيين آخرين منتحلا صفة شخص آخر.

وأردف "تحدث مع نواب مستخدما أرقاما مختلفة وأسماء وهمية وطلب منهم عددا من الملفات المختلفة". ولم يخض الشمري في تفاصيل. وتابع "لم يكن هناك تجسس ولا تنصت".

ويشير عضو اللجنة القانونية النيابية الحمامي إلى أنه وحتى الآن "لا تستطيع أن ننفي أو نؤيد ما تم تداوله عن قضية التنصت"، ويقول إنها "حساسة.. وننتظر نتائج التحقيق".

وكن المتحدث باسم الحكومة العراقية باسم العوادي قال في وقت سابق إن الحكومة العراقية "تتابع الحملات المضللة التي تستهدف إعاقة عملها في مختلف المجالات، ومنها ما جرى تناوله من معلومات غير دقيقة تستبطن الغمز، وبعضها تضمن الاتهام المباشر للحكومة تجاه قضايا تخضع الآن لنظر القضاء".

وأضاف العوادي في بيان أن "السلطة التنفيذية تنتظر ما سيصدر عنه (القضاء) بهذا الصدد، مع تأكيد الحكومة المستمر على الالتزام بالقانون واحترام قرارات القضاء".

وشدد العوادي أن "هناك من يعمل على جرّ الحكومة وإشغالها عن نهجها الوطني عبر محاولات يائسة لا تصمد أمام الإجراءات القانونية الحقيقية والفعلية، التي تعمل الحكومة على تنفيذها ودعمها".

ولم يتطرق البيان إلى أي أسماء متورطة يتم تداولها في وسائل الإعلام أو من قبل أعضاء في مجلس النواب العراقي بشأن القضية.

ومن جانب آخر اعتبر وائل عبد اللطيف القاضي العراقي السابق أن ما يتم الحديث عنه من "ملفات فساد وفضائح من قبل حيدر حنون هو أقل من السرقات الموجودة في البلد".

ويقول عبد اللطيف لموقع "الحرة" إن "البلد بات بؤرة فساد والسرقات تأكله في جميع مرافقه.. ولا أستثني منها أي مرفق". 

القاضي السابق أشار إلى المعلومات التي تحدث عنها حنون بشأن "قطع الأراضي التي منحها رئيس الوزراء السابق، مصطفى الكاظمي لرئيس وأعضاء مجلس القضاء الأعلى ورئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية والوزراء لشراء الولاء".

وأوضح أن رئيس هيئة النزاهة حصل على جزء من تلك الأراضي، وهو ما أكده في المؤتمر الصحفي بقوله: "وقبلناها جميعا (من الكاظمي)".

ويتابع عبد اللطيف: "حنون كان رئيس استئناف العمارة وأخذ قطعتي أرض وعنده منزل. ماذا يريد بعد ذلك؟ وكذلك الحال مع ضياء جعفر. ما يحصل عبارة عن صراع تشارك فيه القوى السياسية".

"كارثة وانتحار سياسي"

وتباينت ردود الفعل إزاء ما كشف عنه حنون من أربيل، وكانت المواقف منقسمة ما بين مؤيد ومعارض للطريقة التي تم فيها إطلاق الاتهامات.

ودافع رئيس ائتلاف "دولة القانون"، نوري المالكي، بشدة عن القضاء، الخميس، وبدا مستاءً من اتهامات رئيس هيئة النزاهة للقضاء، وإن لم يذكر اسمه بالتحديد خلال كلمته.

ومن جهته، دعا زعيم "تيار الحكمة"، عمار الحكيم، إلى ما وصفها بـ"محاكمة القرن" لمقاضاة "سرقة القرن"، وقال في كلمة مسجلة: "لتكن هذه المحاكمة علنية، كما فعلنا مع صدام حسين، حتى لو وردت فيها أسماء شخصيات كبيرة".

وتتمثل "سرقة القرن" باختفاء مبلغ 3.7 تريليون دينار عراقي، بما يعادل نحو مليارين ونصف مليار دولار، من أموال الأمانات الضريبية. وكانت جهات متعددة قد كشفت عن السرقة قبل نحو شهرين من انتهاء مدة حكم الحكومة العراقية السابقة برئاسة، مصطفى الكاظمي.

وكشف كتاب رسمي صادر عن هيئة الضرائب أن مبلغ 2.5 مليار دولار، جرى سحبه بين سبتمبر 2021 وأغسطس 2022 من مصرف الرافدين الحكومي، عبر 247 صكا ماليا، حرّر إلى 5 شركات، قامت بصرفها نقدا مباشرة.

وعلى إثر انكشاف السرقة تحركت "هيئة النزاهة" والسلطة القضائية للتحقيق في القضية، وصدرت عدة أوامر قبض قضائية، وكان أول المعتقلين نور زهير، واسمه الكامل "نور زهير جاسم المظفر"، وكنيته "أبو فاطمة"، وهو من مواليد بغداد عام 1980.

بعد ذلك تم إيداعه السجن بالإضافة إلى آخرين، إلى جانب قرارات قضائية بمصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة للمتورطين بالسرقة وكذلك أُسرهم، وفق وكالة "شفق نيوز".

وفي عام 2023، قرر القضاء العراقي رفع إشارة الحجز عن شركة تابعة لزهير، ومن ثم أعلن رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، عن قيام المتهم الأول بـ"سرقة القرن" بتوزيع أمواله على متنفذين من بينهم "سياسيون وإعلاميون"، ملمحا إلى ارتفاع عدد المتهمين.

ووقتها أعلن السوداني أيضا أن القاضي المختص (ضياء جعفر) أصدر أمرا بإطلاق سراح نور زهير "بكفالة"، مقابل تعهده بتسليم كامل المبلغ المسروق خلال مدة أسبوعين، مشيرا إلى أن القسم الأكبر من المبلغ لدى المتهم عبارة عن عقارات وأملاك.

ويشكّل المبلغ الذي أعاده زهير إلى خزينة الدولة بعد خروجه من السجن بكفالة ما نسبته 12 بالمئة من كامل الأموال التي تتجاوز 2.5 مليار دولار، وفق تصريحات سابقة للنائب في البرلمان العراقي، ماجد شنكالي.

وحتى الآن لا يعرف ما إذا كان المسارات ستصل إلى إعادة إلقاء القبض على زهير، بموجب المذكرة التي صدرت بحقه قبل أسبوع، وبعد انتشار صورة له من العاصمة اللبنانية بيروت، مدعيا أنه "تعرض لإصابة في حادث سير".

ويعتبر الخبير القانوني الدعمي أن "التدخل أو إقحام القضاء بمثل هكذا صراعات هو خطأ، بل كارثة على اعتبار أن المجلس الأعلى للقضاء الآن هو الحصن الأخير الذي يمكن أن نلوذ به".

ويرى أن "محاولة إقحام القضاء في الصراع السياسي أو جره لهذا الصراع هو انتحار سياسي"، في إشارة منه للمؤتمر الذي عقده حنون.

"الكل متورط في العراق"

لكن وفي المقابل يوضح الكاتب والباحث في الشأن العراقي، يحيى الكبيسي أن "مراجعة الوقائع المرتبطة بسرقة الأمانات الضريبية تظهر بوضوح اشتراك سلطات الدولة ومؤسساتها المختلفة في هذه السرقة، سواء بشكل مباشر أو بشكل ضمني، بما في ذلك السلطة القضائية نفسها".

ويقول لموقع "الحرة" إن الدليل على ذلك "هو عدم اتخاذ القضاء العراقي أي إجراء طوال أكثر من شهرين، من لحظة كشف السرقة إلى لحظة محاولة هروب المتهم الرئيسي عبر مطار بغداد".

وتبع ذلك وفق الكبيسي "إطلاق سراح المتهم بسرعة غير مفهومة، ورفع الحجز عن شركاته وممتلكاته، ورفع منع السفر عنه، وعدم حضوره المحاكمة، وما يستتبع ذلك من دفع الكفلاء لمبلغ الكفالة لتنتهي القضية بحكم غيابي لا قيمة له عمليا".

ما قاله حنون "كان في جوهره اتهامات للقضاء العراقي"، ورغم أنه لم يقدم معلومة جديدة "كسر التواطؤ الجماعي الذي يغطي على الفساد في العراق في سياق الصراع بين السلطات"، بحسب الكاتب الكبيسي.

ويتابع أن "الفساد في العراق منذ العام 2006 ليس فساد أفراد، بل فساد بنيوي، والكل شركاء فيه".

ويحتل العراق المرتبة 157 (من 180) في مؤشر منظمة الشفافية الدولية عن "مدركات الفساد"، وغالبا ما تستهدف المحاكمات في قضايا الفساد، في حال حصلت، مسؤولين في مراكز ثانوية.

ويعتقد القاضي السابق، وائل عبد اللطيف أن المناكفات الحاصلة بين "النزاهة" و"المجلس الأعلى للقضاء" ترتبط "بغياب الاستقرار وتنظيم العمل في الدولة".

وبالإضافة إلى ذلك يؤكد أن "الفساد مستشر في الدولة العراقية"، وأن ما نراه الآن أيضا مرتبط بالصراع الحاصل بين القوى السياسية.

أما الخبير القانوني الدعمي فيؤكد أنه "يجب عدم المساس بالقضاء وإقحامه بالصراعات السياسية المعروفة أساساتها على اعتبار الفساد المستشري في الدولة العراقية".

ويعتقد الدعمي أن "الصراع الحاصل بين النزاهة والمجلس الأعلى للقضاء ينذر بكوارث"، ويعتبر أن "القضاء أسمى من أن يكون طرف بصراع سياسي أو مفسدة سياسية تقوم بها الكيانات والطبقة السياسية".