صورة أرشيفية لمبنى البنك المركزي العراقي- تعبيرية
صورة أرشيفية لمبنى البنك المركزي العراقي- تعبيرية

تسعى بغداد إلى طي صفحة العقوبات الأميركية التي تعرضت لها بعض بنوك عراقية منعتها من إجراء معاملات بالدولار منذ قرابة ثمانية أشهر.

محافظ البنك المركزي العراقي، علي العلاق، أعلن في تصريحات، الخميس، التوصل إلى اتفاق مع وزارة الخزانة الأميركية بشأن إعادة النظر في العقوبات المفروضة على بنوك عراقية، وفقا لما أوردته وكالة الأنباء العراقية الرسمية "واع".

وفي يوليو الماضي، منعت الولايات المتحدة 14 مصرفا عراقيا من إجراء معاملات بالدولار في إطار حملة شاملة على تحويل العملة الأميركية إلى إيران ودول أخرى خاضعة للعقوبات في الشرق الأوسط، بحسب تقرير سابق لصحيفة وول ستريت جورنال.

ويشهد الدينار العراقي تذبذبا في أسعار الصرف مقابل الدولار، وهو ما عزاه البنك المركزي "إلى وجود تجارة غير شرعية يقوم بها صغار التجار وبعض المضاربين التي تمول عبر سحب الدولار الكاش من السوق"، على ما أفاد بيان للمكتب الإعلامي لرئيس اللجنة المالية النيابية، عطوان العطواني.

وبدأ العراق تطبيق معايير نظام التحويلات الدولي "سويفت"، منذ منتصف نوفمبر من عام 2022، للوصول إلى احتياطات العراق من الدولار الموجودة في الولايات المتحدة التي تقدر بعشرات مليارات الدولارات، وفق فرانس برس.

 

"أولوية" للجهاز المصرفي العراقي

الخبير الاقتصادي العراقي، محمود داغر، يرجح أن الحديث "عن تفاهمات بين المركزي العراقي والخزانة الأميركية ليست لإعادة النظر في العقوبات، إنما قد يكون المقصود فيها مباحثات لمناقشة أوضاع الجهاز المصرفي في العراق، وإمكانية تطويره".

وأضاف الخبير داغر وهو مسؤول سابق في البنك المركزي العراقي في رد على استفسارات موقع "الحرة" أن "المركزي العراقي لا بد أنه أعرب عن جدية في رغبته بإعادة النظر في العقوبات على المصارف"، لافتا إلى أنه يجب اعتبارها "أولوية" لضمان استقرار الجهاز المصرفي العراقي.

ويرى أنه توجد مشكلة في مسألة فرض العقوبات، ويقول إنها "غير واضحة في فرضها على المصارف العراقية، إذ أن الخزانة الأميركية تقول إنها ليست عقوبات وإنما تقييد لوصول هذه المؤسسات المالية للدولار، ولكن هذا ما هو إلا عقوبة شديدة تقيّد من مرونة الجهاز المصرفي العراقي ككل".

المحلل الاقتصادي العراقي، علاء الفهد، يرى أن إزالة العقوبات "ستنعكس بالضرورة على رشاقة وكفاءة الجهاز المصرفي العراقي، وإعادة الثقة به وتساهم بالاستقرار المالي، وهو ما سيساعد الاقتصاد العراقي".

ويؤكد في حديث لموقع "الحرة" أن عودة عمل هذه البنوك بطاقتها القصوى يعني "تحريك المزيد من الأموال داخل الاقتصاد العراقي، حيث يوجد لدى هذه البنوك شريحة متعاملين يمتلكون ودائع، ولكن القطاع المصرفي يحتاج أيضا لجذب ودائع العراقيين التي تتكدس في المنازل، حيث تشير التقديرات إلى أن أكثر من 80 في المئة من السيولة النقدية موجودة في البيوت".

وفرضت العقوبات على مصارف ومنعت من التداول بالدولار في العراق، بعد الكشف عن معلومات تفيد بأن البنوك المستهدفة متورطة في عمليات غسيل أموال ومعاملات احتيالية، بحسب وول ستريت جورنال.

وتمكنت مصارف وشركات صرافة من تحقيق أرباح ضخمة من تعاملاتها الدولار، باستخدام عمليات استيراد احتيالية ومخططات أخرى، وفقا لما نقلته الصحيفة الأميركية عن مسؤولين أميركيين وعراقيين حاليين وسابقين.

ويمكن لهذه المصارف والشركات إعادة بيع الدولار، الذي تشتريه من البنك المركزي العراقي بالسعر الرسمي، بسعر السوق الذي يكون عادة مرتفعا بشكل ملحوظ.

وينبغي على المصارف العراقية حاليا تسجيل تحويلاتها بالدولار على منصة إلكترونية، تدقق الطلبات، ويقوم الاحتياطي الأميركي الفيدرالي بفحصها وإذا كانت لديه شكوك يقوم بتوقيف التحويل.

ورفض الاحتياطي الفيدرالي العديد من طلبات التحويلات من البنوك العراقية، بسبب شكوكه في المستلمين النهائيين للمبالغ التي سيتم تحويلها، بحسب مصدر حكومي عراقي تحدث في تقرير سابق لفرانس برس.

أستاذ العلاقات الاقتصادية الدولية في الجامعة العراقية، عبدالرحمن نجم المشهداني، كان قد شرح في حديث سابق لموقع "الحرة"، في يناير عام 2023، أساليب "تهريب العملة الأجنبية من العراق"، موضحا أن السيناريو الأكثر شيوعا يرتبط في "استيراد بضائع من إيران ودول مجاورة، بفواتير إما لصفقات سلع وهمية، أو بفواتير مزورة يتم تضخيم الأسعار فيها بمستويات كبيرة".

وأضاف أن بعض التجار والمستوردين يخفون أسماءهم من تعاملاتهم التجارية حتى لا تظهر ضمن قوائم "البنك المركزي، أو الضريبة والجمارك"، وبعضهم لا يمتلك شهادة مستورد تتيح له بالأصل إجراءات تبادلات تجارية.

مع استمرار أزمة الدولار في العراق، وانخفاض سعر العملة المحلية، تظاهر مئات العراقيين الأربعاء، أمام مقر البنك المركزي في بغداد مطالبين بتخفيض سعر الدولار، ويحمولونه مسؤولية ما آلت إليه الأمور.

وبين المشهداني أنه بعد الإجراءات التي فرضها المركزي بتتبع مصادر الحوالات، سواء المستقبِل أو المرسِل، والتدقيق على "شحن البضائع ووصولها للعراق" دفعت التجار وناشطين في تهريب العملة باللجوء إلى السوق النقدي، بحيث تم "تهريب دولار الكاش".

وأوضح المشهداني أن البعض يقوم بشراء "الدولار الكاش" من السوق العراقية، "ليتم نقلها عبر المنافذ الحدودية بحيث يتم تهريبها إلى دول مجاورة مثل إيران وتركيا وسوريا".

وكان رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، قد أعلن، في أغسطس الماضي، القبض على شبكة "مضاربين" بالعملة يجمعون الدولارات ويرسلونها إلى إقليم كردستان في شمال العراق، ثم يتم تهريبها إلى الخارج، دون أن يحدد الوجهة.

 

هل طال تأثير العقوبات الجهاز المصرفي العراقي؟

وأكد محافظ البنك المركزي العراقي، العلاق، على أهمية "وضع قواعد أساسية من أجل مراقبة عملية الحوالات الخارجية والداخلية"، لافتا إلى أن "العقوبات الخارجية التي فُرضت على عدد كبير من مصارفنا المحلية، عرقلت مساعي وخطط فتح علاقات وخطوط تواصل مع بنوك عالمية مراسلة معتمدة".

وذكر أن "عملية طباعة العملة المحلية تتم وفق الغطاء المالي المطلوب وبالشكل الذي يوازن بين العملة الأجنبية والمحلية ويمنع حصول أي تضخم مالي".

وأشار العلاق إلى أن المركزي العراقي "ينسق حاليا مع الجهات المعنية بشأن تطبيق خطة تنظيم التجارة الخارجية.. إذ تُجرى اجتماعات متواصلة مع الخزانة الأميركية"، داعيا إلى عدم اتخاذ قرارات منفردة بالعقوبات "ويجب ألا تصدر مستقبلا، إلا بعد مناقشة وإطلاع المركزي العراقي، كونه المعني بمراقبة نشاطها".

أوضح البنك المركزي العراقي، الخميس، أن حرمان 14 مصرفا من إجراء معاملات بالدولار يأتي على خلفية تدقيق بشأن حوالات المصارف للسنة الماضية، وقبل تشكيل الحكومة الحالية في البلاد.

من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي، داغر، أن "العقوبات التي فُرضت على عدد من البنوك العراقية، أثّرت بشكل كبير عليها وعرقلت خططها للتطوير، وقللت من عمليات التعامل بينها وبين البنوك الأجنبية"، وهو الأمر الذي انعكس بطريقة أو بأخرى على الجهاز المصرفي العراقي.

ويرى أن الأمر لم يتوقف عند هذه المصارف، إذ أنه أثر على "حركة الاستيراد لتلبية حاجة السوق العراقية التي تبلغ قرابة 200 مليون دولار يوميا".

ويوضح المحلل، الفهد، أنه يوجد "تأثير كبير لهذه العقوبات على القطاع المصرفي العراقي، إذ أنها تشمل 14 مصرفا لديها جمهور من المتعاملين، ما أوجد نوعا من الخلل في دورة السيولة داخل الاقتصاد العراقي"، مشيرا إلى أن "العراق يشكو من ضعف الجهاز المصرفي".

وأضاف "أنه طالما التزمت هذه المصارف بتعليمات البنك المركزي العراقي التي تتلائم مع المعايير الدولية" لا حاجة للإبقاء على القيود أو العقوبات.

وقلل مسؤولون أميركيون تحدثوا في تقرير سابق لصحيفة وول ستريت جورنال من تأثير العقوبات على الاقتصاد العراقي، مستشهدين بإحصاءات داخلية أظهرت أن البنوك الأربعة عشر مجتمعة تمتلك 1.29 في المئة فقط من إجمالي الأصول المصرفية في العراق.

وأضافوا أن الكثير من الأنشطة المصرفية المشروعة في العراق تجري من قبل البنوك المملوكة للدولة، مبينين أن البلاد فيها 46 مصرفا تجاريا آخر غير متأثر بحظر الدولار.

وكان المركزي العراقي قد أقر بضعة إجراءات للدفع باستقرار أسعار الصرف، منها "توسيع عرض النقد الأجنبي لتلبية طلب الجمهور على الدولار النقدي، كما تم توجيه إدارة النافذة لتلبية طلبات المصارف للأيام القادمة بشكل أسرع من خلال تنفيذ طلبات مضاعفة كما تم إعطاء سعر تفضيلي لتنفيذ الاعتمادات المستندية، ولغرض تغطية الطلب المحلي".

وأقر رئيس الوزراء العراقي، السوداني، أن الإجراءات التي اتخذها المركزي العراقي خلال الأشهر الماضية خفضت الكتلة النقدية بالعملة الصعبة المتوفرة في السوق من "200 إلى 300 مليون دولار" في اليوم إلى "30 و40 و50 مليون دولار"، بحسب تقرير لفرانس برس.

وفي سبتمبر، قال السوداني إن التجار الذين يتعاملون مع طهران يصبحون مُرغَمين على التحول إلى السوق الموازية للحصول على العملة، نظرا لأن إيران بلد "عليه عقوبات، وغير مسموح له تسيير تحويلات مالية".

منع العراق، يوم الأحد، ثمانية بنوك تجارية محلية من التعامل بالدولار، وذلك في إطار الإجراءات المتخذة للحد من عمليات الاحتيال وغسل الأموال وغير ها من الاستخدامات غير المشروعة للعملة الأمريكية.

وجاء القرار العراقي بعد أيام من زيارة مسؤول كبير بوزارة الخزانة الأمريكية إلى بغداد.

وأكد في الوقت ذاته أن المصرفين المركزيين في العراق وإيران يناقشان "آلية" من أجل "تنظيم التجارة"، من شأنها أن "تقسم ظهر السوق الموازي"، وشجعت السلطات المصارف والمستوردين على استخدام عملات أخرى غير الدولار، مثل اليورو أو الدرهم الإماراتي أو اليوان الصيني.

وتمنح واشنطن العراق استثناء للتعامل مع إيران ودفع مستحقات طهران مقابل واردات العراق من الغاز، حيث تغطي ثلث احتياجات العراق.

ودافع مستشار رئيس الوزراء، مظهر صالح، عن القيود المصرفية التي تهدف إلى "التحقق من هذه التحويلات"، بهدف طمأنة "المجتمع المالي الدولي ولدواعٍ أيضا تتعلق بالمجتمع العراقي: هل هذه التحويلات تذهب فعلا لتمويل تجارة العراق؟".

أزمة الدولار في العراق ما تزال مستمرة، إذ لم تنجح الإجراءات الرسمية في كبح ارتفاع أسعار صرف الدولار أمام الدينار العراقي، فيما تترافق هذه المشكلة مع "معضلة تهريب الدولار لبعض دول الجوار".

ويضيف لفرانس برس أن "ما يحدث لا علاقة له بقوة الاقتصاد العراقي، العراق اليوم في أعلى مستويات الاحتياطات الأجنبية في تاريخه المالي"، إنما "حدثت تغيرات هيكلية في مسائل التعاطي مع العملة الأجنبية".

ويذكر كذلك أنه من أجل حماية البلد، الذي بلغ عدد سكانه 43 مليون نسمة، من التضخم، فإن للمستوردين إمكانية الوصول إلى الدولار وشرائه بالسعر الرسمي، وهو أكثر إفادة، ويتعلق الأمر خصوصا بالمواد الغذائية والأدوية ومواد البناء. ويرى صالح أن ذلك "يخلق جوا من الاستقرار، هذا الأمر مضاد للسوق الموازية".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".