لافتة طبعت عليها صورة الشاب الراحل صفاء السراي، أبرز نشطاء التظاهرات، إلى جانب أشهر عباراته
لافتة طبعت عليها صورة الشاب الراحل صفاء السراي، أبرز نشطاء التظاهرات، إلى جانب أشهر عباراته

مرت 13 سنة على إصدار أول مسودة لقانون "حرية التعبير والتظاهر السلمي" في العراق، وجوبهت محاولات تمريرها باعتراضات الناشطين والحقوقيين ومنظمات المجتمع المدني بعد جدل حول انتهاك حرية التعبير.

بدأت حكاية القانون المثير للجدل بين عامي 2010 و2011 عندما طُرح مشروع القانون في البرلمان لمناقشته وتشريعه، غير أنه واجه هجمة شرسة من منظمات حقوقية وإعلامية أسهمت في ترحيله إلى دورة انتخابية لاحقة.

وجرت عدة محاولات لتمرير القانون خلال السنوات 2016 و2017 و2020 و2023، قبل أن تعلن لجنة الثقافة النيابية عن جهوزية القانون للتصويت أواخر مارس الماضي.

ومن جديد آثار القانون اعتراضات المدافعين عن حرية التعبير، فهو يضع حرية التعبير في العراق على المحك، لأنه يخالف التزامات العراق بالمواثيق الدولية الداعية إلى ضمان حرية التعبير، كما يقول المعترضون.

نقابة الصحافيين العراقيين أعلنت معارضتها للقانون على لسان نقيبها مؤيد اللامي خلال جلسة الاستماع العامة التي عقدتها لجنتا حقوق الإنسان والثقافة والإعلام النيابيتان في مقر البرلمان.

وقال اللامي إن "مسودة مشروع قانون حرية التعبير عن الرأي والاجتماع والتظاهر السلمي فيها تراجع كبير ولا تتوافق مع المعايير الدولية حتى بعد التعديلات".

بدورها، طالبت منظمة "هيومن رايتس ووتش" مجلس النواب العراقي بعدم تمرير مسودة قانون حرية التعبير والتظاهر السلمي، واصفة إياه بأنه "يجرّم حرية التعبير ويضيّق على الحريات ويخرق القانون الدولي"

Protest of Iraqi temporary contractors seeking permanent jobs in Baghdad
"قتل للديمقراطية".. رفض عراقي لقانون "يقيد" حرية التعبير والتظاهر السلمي
أثار قانون حرية التعبير عن الرأي والتظاهر السلمي الذي تم عرضه للقراءة الأولى في البرلمان العراقي، جدلاً وحالة من الاستياء والرفض بين الأوساط العامة جراء العديد من البنود التي تضمنها والتي وصفت بـ"المكممة والديكتاتورية".

 

"انعدام الثقة"

في فبراير الماضي، أعلن المرصد العراقي لحقوق الإنسان عن تشكيل "تحالف الدفاع عن حرية التعبير" ضم مجموعة منظمات غير حكومية وأعضاء برلمان ونشطاء في المجتمع المدني وخبراء قانونيين.

ومع إعلان التشكيل، أكد التحالف في بيان على "رفض محاولات تقييد حرية التعبير من قبل قوى سياسية ومسلحة تسعى إلى فرض قوانين تعيدنا إلى الحقبة الديكتاتورية البوليسية، خاصة ما يتعلق بمسودة مشروع قانون حرية التعبير عن الرأي والتظاهر السلمي".

تقول رئيسة مؤسسة "نما" للتدريب الإعلامي المنضوية ضمن التحالف، أمل صقر: "إذا تكلمنا بعيداً عن القانون فإن أساس المخاوف ينطلق من عدم الثقة بالمشرع وجهة صياغة القانون، لأنهما مارستا القمع بأقبح صورة ضد المتظاهرين منذ عام 2005، وحتى اليوم ما زالت هناك حالات اغتيال واختطاف وتغييب واعتقال وتلفيق التهم وحبس دون مبرر".

كل هذه الممارسات، كما تبيّن صقر لـ"ارفع صوتك" كانت بهدف "انتزاع تعهدات بعدم المشاركة في أية تظاهرة أو الدعوة لها أو حتى تأييدها من خلال مواقع التواصل الاجتماعي".

تتابع: "هذه الحالات كانت تتم في مراكز الشرطة ودون مسوغ قانوني وكان هناك تهديد مباشر بالقتل وملاحقة للكثير ممن برزوا خلال التظاهرات".

وفي ظل كل ما ذكرت صقر تتساءل "هل من الممكن أن نثق بجهة تشريع القانون وهي مجلس النواب والجهة التنفيذية التي صدر عنها القانون بنسخته الأخيرة ممثلة بمجلس الوزراء؟" مردفةً "مُحال طبعاً".

"أما إذا تحدثنا عن القانون نفسه فقد تم طرح فكرته وصياغته بناء على اجتهادات المشرع وتفسيراته وهي أيضا ليست موضع ثقة"، توضح صقر.

وتصف القانون بأنه "قمعيّ ويحتوي الكثير من المغالطات وصياغته ركيكة خصوصاً نسخته الأخيرة التي اطلعنا عليها وتضمنت فقرات من قانون العقوبات التي أُدرجت للعمل بها لم تكن موجودة سابقاً".

 

المادة (38)

تشير صقر إلى وجود خلاف حاد حول تفسير المادة (38) من الدستور  العراقي التي جاءت "مطلقة هي وجميع تفرعاتها عدا الفقرة الخاصة بحرية الاجتماع والتظاهر السلمي التي أكدت أن يتم تنظيمها بقانون، بينما جاءت حرية التعبير مطلقة ومكفولة دستورياً"، بحسب تعبيرها.

ونصت المادة (38) على أن "تتكفل الدولة وبما لا يخل بالنظام والآداب" وضمن ثلاث فقرات هي "أولا: حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل. ثانيا: حرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر. ثالثا: حرية الاجتماع والتظاهر السلمي وتنظم بقانون".

يتفق الصحافي والمدون عماد الشرع مع ما ذهبت إليه صقر، ففي ظل وجود هذه المادة  "سيكون أي قانون مطروح مخالفاً للدستور، لأن عبارة وتنظم بقانون تخص الفقرة الأخيرة المتعلقة بالتظاهر السلمي فقط وليس حرية التعبير".

ويرى أن القانون يجب أن يتم "إيقافه أو الفصل بين حرية التعبير والتظاهر السلمي. وأن يكون هناك قانون فقط للتظاهر السلمي كون حرية التعبير ليست بحاجة إلى قانون أصلاً".

وباعتبار استجاب المشرعون لهذه المطالب فإن الفقرات الخاصة بالتظاهر "تحتاج إلى إعادة النظر في الكثير من بنودها"، كما يقول الشرع لـ"ارفع صوتك".

ويشرح أن أحد أوجه الخلاف التي ظهرت في الندوات الكثيرة التي ناقشت فقرات القانون "تأتي من المؤيدين لإقرار القانون والمتعلقة بحالات السب والقذف التي تحصل بحجة حرية التعبير".

أما مؤيدو تشريع القانون "فيتناسون وجود مواد قانونية تجرّم هذه الأفعال وليس هناك علاقة بين القانون وإيقاف السب والشتم"، يضيف الشرع.

وفي حال تم الفصل بين الفقرات وأصبح هناك قانون واحد للتظاهر السلمي، فإن هناك فقرة "مضحكة" على حد تعبير الشرع، تتعلق بـ"فرض موافقة المسؤول الإداري للمنطقة ويمكنه رفض الطلب إذا رأى أنها غير مناسبة".

هذا التفصيل في التشريع، بحسب الشرع "يتعامل مع المتظاهر كأنه شخص يبحث عن رحلة ترفيهية وليس الخروج للمطالبة بحقوقه أو لوجود خلل يطالب بإصلاحه".

 

القانون "لم يبق على ما هو عليه"

في السياق ذاته، يبيّن عضو اللجنة القانونية النائب سجاد سالم لـ"ارفع صوتك" أن هناك "توجهاً داخل لجنة حقوق الإنسان لإلغاء الفقرات الخاصة بحرية التعبير في القانون والإبقاء على الفقرات الخاصة بالتظاهر السلمي فقط، ولهذا فإن القانون لم يبق على ما هو عليه سابقاً".

حاول فريق "ارفع صوتك " التواصل مع أعضاء في لجنة حقوق الإنسان للحصول على تفاصيل القانون بعد التعديل، إلا أن اللجنة لم تتجاوب مع الاتصالات.

بحسب سالم، فإن القانون المثير للجدل حالياً "تتم إعادة صياغته ولجنة حقوق الإنسان هي المسؤولة عن تقديمه إلى رئاسة البرلمان بهدف تحديد موعد لمناقشته وإقراره".

ويرى أن هناك العديد من التفاصيل التي تقاطع حرية التعبير حتى حين يتم الحديث عن قانون التظاهر السلمي. مثلاً "لدينا خلافات كثيرة على القانون منها نقطتان أساسيتان حسب المسودة الموجودة لدى لجنة حقوق الإنسان حالياً وهي عبارة الآداب العامة كونها كلمة مرنة وتحتمل الكثير من التأويل ويمكن أن تنتهك حرية التظاهر والاحتجاج السلمي".

أما النقطة الثانية، يقول سالم، "فتتعلق برئيس الوحدة الإدارية الذي من حقه أن يرفض أي تظاهرة دون أن يكون هناك إمكانية طعن في قراره وهو ما ينافي المادة (38) من الدستور التي أعطت الحرية للمواطن".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.