تجاوزت موازنة العراق 150 مليار دولار، بعجز بلغ 60 مليار دولار.

يسعى العراق إلى تطوير علاقاته مع دول الخليج عبر سياسات التعاون الاقتصادي والسياسي والأمني التي جرت ترجمتها على هيئة استثمارات مشتركة، بدايةً من الربط الكهربائي ووصولاً إلى طريق التنمية.

ويرى مختصون أن الظروف الإقليمية الحالية تشكل فرصة سانحة للعراق ودول الخليج لترميم العلاقات التي شابها انعدام الثقة لعقود طويلة بعد حرب الخليج الثانية، عبر المشاركة في استثمار الفرص الهائلة المتاحة على أرض العراق.

تأتي هذه التطورات المالية التي تهدف إلى تحسين فرص العراق الاستثمارية لتنويع أنشطة البلاد الاقتصادية بشكل فعال، بعد أن أشار تقرير المرصد الاقتصادي للعراق الصادر عن البنك الدولي تحت عنوان "فرصة جديدة للإصلاح" إلى أنه ما لم يبدأ العراق في تنفيذ إصلاحات هيكلية عميقة وتنويع أنشطة البلاد الاقتصادية بشكل فعال، فإن اعتماده على النفط يجعله عرضة لخطر تقلبات أسعار السلع الأولية وانخفاض الطلب العالمي.

 

"دبلوماسية منتجة"

 

يشرح الأكاديمي والخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني لـ"ارفع صوتك" الوضع الحرج لموازنة العراق التي وصلت إلى أكثر من 150 مليار دولار بعجز بلغ 60 مليار دولار، قائلا إن: "ثلثي هذا المبلغ تتجه إلى الموازنة التشغيلية التي يتم عن طريقها دفع الرواتب والأجور وسداد فوائد الدين العام".

ويستدرك: "بالتالي ليس لدينا فرصة للانطلاق بالموازنة الاستثمارية إلا بالاعتماد على الاستثمار الأجنبي، وهي فرصة متاحة لجميع من يود أن يقدم شيئا للعراق".

ويضيف: "لاحظنا تحول التحركات العراقية الحالية من النمط الاستهلاكي إلى الدبلوماسية المنتجة، لأن وجهة نظر رئيس الوزراء تعتبر أنه ما لم ترتبط دول المنطقة بمشاريع اقتصادية كبرى ومصالح استثمارية فإن العراق لن يستقر".

ويرى أن الاستقرار الاقتصادي والأمني والسياسي "يأتي نتيجة الارتباط بمصالح اقتصادية داخل الدولة، وأول فكرة كانت عبر طريق التنمية عندما اجتمع وزير النقل بدول الجوار، وأضاف لهم مصر ومسقط والإمارات، فجلسوا وتباحثوا حول طريق التنمية وطرح الموضوع للاستثمار شرط أن يتم الاحتكام إلى آليات العمل القانونية".

ويعتقد المشهداني أنه من هذه النقطة "بدأت كل دول المنطقة تهتم بالعراق كونه أرضا بكرا للاستثمار ، وكلف الإنتاج فيه قليلة، ولهذا شرعت دول الخليج بإعلان استعدادها للاستثمار"، ضارباً المثل "بقطر التي عبرت عن استعدادها للاستثمار في الطريق بمبلغ خمسة مليارات دولار، وكذلك القطاع الخاص القطري".

وهذا يعني ، حسب المشهداني، "أنه أصبح لدينا عشرة مليارات دولار من دولة واحدة، في حين نحتاج إلى 17 مليار دولار كلفة إنشاء الطريق البري وسكك الحديد وملحقاته، كما دخلت الإمارات على الخط بأكثر من مشروع".

ينطبق نفس الأمر مع السعودية، كما يشير المشهداني: "فقبل أسبوع واحد كان هناك وفد سعودي قدم إلى العراق من شركة أجيال للاستثمار بمشاريع الصناعات البتروكيمياوية والمصافي والسيليكا، وناقش موضوع إمكانية إنشاء مصنع للبتروكيمياويات في البصرة طاقته مليون ونصف المليون طن وإنشاء مصاف لإنتاج المشتقات النفطية ومحطات الكهرباء".

تأتي كل هذه التطورات "بعد عقود طويلة من التوترات بين العراق ودول الخليج التي بدأت ترى أن استقرار العراق هو استقرار للمنطقة بأكملها".

 

عقود من التوترات

 

التوترات التي تحدث عنها المشهداني وردت في تقرير نشره "معهد دول الخليج العربية في واشنطن" عام 2023، والذي أشار إلى تاريخ طويل من "العلاقات المعقدة" بين دول الخليج والعراق.

ففي أوائل الثمانينيات حين تم تأسيس مجلس التعاون الخليجي لم يقبل العراق عضواً عامل في المجلس بسبب نظامه السياسي المُغاير للأنظمة الملكية الخليجية، ومع ذلك مولت دول الخليج العراق في حربه ضد إيران ومنحته صفة مراقب.

وهو منصب ألغي لاحقاً عقب غزو العراق للكويت وأعقبه اعتقاد ساد لدى دول المجلس مفاده أن قوة العراق العسكرية تشكل تهديداً كبيراً للأمن الإقليمي، لتقطع علاقاتها مع العراق طوال تسعينات القرن الماضي.

بعد العام 2003، الذي شهد تغيير النظام السياسي في العراق، استمرت التوترات وسوء الفهم بين العراق ودول الخليج، ولم تبدأ العلاقات بالتحسن البطيء إلا عقب الظهور الدراماتيكي لداعش في العرق 2014، والذي شكل خطره حاجة للتعاون مع العراق.

أجبرت هذه التطورات دول مجلس التعاون الخليجي على إعادة تقييم استراتيجيتها الإقليمية الشاملة وخلص صناع القرار في الرياض إلى أن تكاليف فك الارتباط مع العراق كانت باهظة.

وعليه، بدأت العلاقات تأخذ مجرى تصاعديا منذ أن أصبح حيدر العبادي الذي كان يُعتقد أنه ليس مقرباً كثيراً من إيران، ومدعوماً من الولايات المتحدة رئيساً لوزراء العراق. وعرضت دول المجلس المساعدة الأمنية للعراق، وانضمت إلى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، ما ساعد على تعزيز الثقة بين الجانبين.

وضع هذا التقارب الحذر الأساس للانخراط مجدداً بين السعودية والعراق ففي عام 2015، عينت الرياض أول سفير لها في بغداد منذ 25 عاماً، كما استضافت السعودية والإمارات وفوداً عراقية رفيعة المستوى وتكللت أولى خطوات هذا التقارب باتفاقية الربط الكهربائي بين دول الخليج والعراق خلال حكومة مصطفى الكاظمي.

ويقول بحث حمل عنوان "حكومة السوداني ومسارات العلاقة بين العراق ودول مجلس التعاون الخليجي" أن دول الخليج وخصوصاًالسعودية تحاول ربط العراق بالترتيبات السياسية والأمنية والاقتصادية التي يمكن أن تشهدها منطقة الخليج، إدراكاً منها بأن وجود العراق في إطار هذه الترتيبات سيجعل منه عنصر استقرار إقليمي مع التجارب السابقة التي برهنت على أن محاولة عزل العراق قد أدت إلى نتائج كارثية.

ويؤشر على تصاعد قيمة العراق في الإدراك الاستراتيجي الخليجي، بحسب التقرير، قناعة دول الخليج بأن العراق من أهم ساحات التجاذب بين القوى المتناحرة إقليمياً ودولياً، ومن ثم فإن أي علاقة خليجية أوسع مع العراق قد تنجح في تخليصه من حالة التنافس الإقليمي وتحويله إلى ساحة للتعاون.

 

استثمارات متعددة

 

يرى الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني أن ما يميز التحركات الاقتصادية الخليجية التي يتم الحديث عنها في العراق كونها "استثمارية وليست استهلاكية".

حفل إطلاق الفرص الاستثمارية لمشروعي مترو بغداد، وقطار كربلاء-النجف السريع
المشروع الذي طال انتظاره.. ما هي تفاصيل "مترو" بغداد؟
يشار إلى أن مشروع مترو بغداد يتكون من 7 خطوط، و 14 محطّة طرقية متوزعة بين مناطق؛ العلاوي، والشعب، وساحة الطيران، والبلديات، والكاظمية، ومطار بغداد، والدورة، وساحة ميسلون، والزعفرانية، وساحة عدن، والبياع، والقادسية، ويمر في مسارات متعددة، بطاقة نقل استيعابية تصل إلى ثلاثة ملايين راكب يومياً. ويغطي 85% من مساحة العاصمة بغداد.

ويقول: "هذه الفرص إذا ما تكللت بالنجاح فإنها قادرة على جذب المزيد من الاستثمارات في مشاريع أطول أمداً وأكثر تأثيرا على السوق المحلية".

ويضرب المثل بـ"مصانع الصافي وجبس ليز وحقول الدواجن التي افتُتحت في إقليم كردستان والتي يستفيد العراق منها في تشغيل اليد العاملة، وتستفيد السعودية منها لقربها من سوق استهلاكها وتختصر الكثير من الضرائب والرسوم بفضل إقامتها داخل البلد".

الاستثمار الأكثر أهمية، كما يرى المشهداني، يكمن في تفاصيل طريق التنمية "الذي يتطلب بناء العديد من المصانع على طوله الممتد من الجنوب إلى الشمال وصولاً إلى أوربا، من بينها مصانع البتروكيمياويات والحديد في البصرة، ومصانع الزجاج والسليكا في الأنبار".

ويستطرد: "مشروع مترو بغداد الذي بدأ الحديث عنه منذ 2010، هو واحد من أهم الاستثمارات طويلة الأمد، والذي بدأت شركة ماليزية بوضع تصاميمه ويمتد الاستثمار فيه إلى 40 عاماً ".

وفي معرض رده عن سؤال لـ"ارفع صوتك" يتعلق بقدرة العراق على توفير الاستقرار الأمني الذي يعتبر ضرورة لجذب الاستثمار الأجنبي متوسط وطويل الأمد، قال المشهداني: "العراق غير مستعد للعودة إلى لمربع الأول فيما يتعلق بالأمن، لأننا اليوم نعيش في حالة جيدة من الاستقرار".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

وسائل إعلام محلية وبرلمانيون يتحدثون أن موظفين في مكتب السوداني قُبض عليهم بتهم التجسس على مسؤولين كبار- أرشيفية
وسائل إعلام محلية وبرلمانيون يتحدثون أن موظفين في مكتب السوداني قُبض عليهم بتهم التجسس على مسؤولين كبار- أرشيفية

رفض مستشار سياسي لرئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني اتهامات ترددت في الآونة الأخيرة بأن موظفين في مكتب رئيس الوزراء تجسسوا وتنصتوا على مسؤولين كبار وسياسيين.

ومنذ أواخر أغسطس، تتحدث وسائل إعلام محلية وبرلمانيون عراقيون عن أن موظفين في مكتب السوداني قُبض عليهم بتهم التجسس على مسؤولين كبار.

وقال المستشار فادي الشمري في مقابلة مع إحدى جهات البث العراقية أذيعت في وقت متأخر من مساء أمس الجمعة "هذه كذبة مضخمة"، وهو النفي الأكثر صراحة من عضو كبير في فريق رئيس الوزراء.

وأضاف أن الاتهامات تهدف إلى التأثير سلبا على السوداني قبل الانتخابات البرلمانية المتوقع إجراؤها العام المقبل.

وتابع "كل ما حدث خلال الأسبوعين الأخيرين هو مجرد تضخم إعلامي يخالف الواقع والحقيقة".

وأثارت التقارير قلقا في العراق الذي يشهد فترة من الاستقرار النسبي منذ تولي السوداني السلطة في أواخر عام 2022 في إطار اتفاق بين الفصائل الحاكمة أنهى جمودا سياسيا استمر عاما.

وقال الشمري إنه تم إلقاء القبض على شخص في مكتب رئيس الوزراء في أغسطس، إلا أن الأمر لا علاقة له علاقة بالتجسس أو التنصت.

وأضاف أن ذلك الموظف اعتقل بعد اتصاله بأعضاء في البرلمان وسياسيين آخرين منتحلا صفة شخص آخر.

وأردف "تحدث مع نواب مستخدما أرقاما مختلفة وأسماء وهمية وطلب منهم عددا من الملفات المختلفة". ولم يخض الشمري في تفاصيل.

وتابع "لم يكن هناك تجسس ولا تنصت".