تجاوزت موازنة العراق 150 مليار دولار، بعجز بلغ 60 مليار دولار.

يسعى العراق إلى تطوير علاقاته مع دول الخليج عبر سياسات التعاون الاقتصادي والسياسي والأمني التي جرت ترجمتها على هيئة استثمارات مشتركة، بدايةً من الربط الكهربائي ووصولاً إلى طريق التنمية.

ويرى مختصون أن الظروف الإقليمية الحالية تشكل فرصة سانحة للعراق ودول الخليج لترميم العلاقات التي شابها انعدام الثقة لعقود طويلة بعد حرب الخليج الثانية، عبر المشاركة في استثمار الفرص الهائلة المتاحة على أرض العراق.

تأتي هذه التطورات المالية التي تهدف إلى تحسين فرص العراق الاستثمارية لتنويع أنشطة البلاد الاقتصادية بشكل فعال، بعد أن أشار تقرير المرصد الاقتصادي للعراق الصادر عن البنك الدولي تحت عنوان "فرصة جديدة للإصلاح" إلى أنه ما لم يبدأ العراق في تنفيذ إصلاحات هيكلية عميقة وتنويع أنشطة البلاد الاقتصادية بشكل فعال، فإن اعتماده على النفط يجعله عرضة لخطر تقلبات أسعار السلع الأولية وانخفاض الطلب العالمي.

 

"دبلوماسية منتجة"

 

يشرح الأكاديمي والخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني لـ"ارفع صوتك" الوضع الحرج لموازنة العراق التي وصلت إلى أكثر من 150 مليار دولار بعجز بلغ 60 مليار دولار، قائلا إن: "ثلثي هذا المبلغ تتجه إلى الموازنة التشغيلية التي يتم عن طريقها دفع الرواتب والأجور وسداد فوائد الدين العام".

ويستدرك: "بالتالي ليس لدينا فرصة للانطلاق بالموازنة الاستثمارية إلا بالاعتماد على الاستثمار الأجنبي، وهي فرصة متاحة لجميع من يود أن يقدم شيئا للعراق".

ويضيف: "لاحظنا تحول التحركات العراقية الحالية من النمط الاستهلاكي إلى الدبلوماسية المنتجة، لأن وجهة نظر رئيس الوزراء تعتبر أنه ما لم ترتبط دول المنطقة بمشاريع اقتصادية كبرى ومصالح استثمارية فإن العراق لن يستقر".

ويرى أن الاستقرار الاقتصادي والأمني والسياسي "يأتي نتيجة الارتباط بمصالح اقتصادية داخل الدولة، وأول فكرة كانت عبر طريق التنمية عندما اجتمع وزير النقل بدول الجوار، وأضاف لهم مصر ومسقط والإمارات، فجلسوا وتباحثوا حول طريق التنمية وطرح الموضوع للاستثمار شرط أن يتم الاحتكام إلى آليات العمل القانونية".

ويعتقد المشهداني أنه من هذه النقطة "بدأت كل دول المنطقة تهتم بالعراق كونه أرضا بكرا للاستثمار ، وكلف الإنتاج فيه قليلة، ولهذا شرعت دول الخليج بإعلان استعدادها للاستثمار"، ضارباً المثل "بقطر التي عبرت عن استعدادها للاستثمار في الطريق بمبلغ خمسة مليارات دولار، وكذلك القطاع الخاص القطري".

وهذا يعني ، حسب المشهداني، "أنه أصبح لدينا عشرة مليارات دولار من دولة واحدة، في حين نحتاج إلى 17 مليار دولار كلفة إنشاء الطريق البري وسكك الحديد وملحقاته، كما دخلت الإمارات على الخط بأكثر من مشروع".

ينطبق نفس الأمر مع السعودية، كما يشير المشهداني: "فقبل أسبوع واحد كان هناك وفد سعودي قدم إلى العراق من شركة أجيال للاستثمار بمشاريع الصناعات البتروكيمياوية والمصافي والسيليكا، وناقش موضوع إمكانية إنشاء مصنع للبتروكيمياويات في البصرة طاقته مليون ونصف المليون طن وإنشاء مصاف لإنتاج المشتقات النفطية ومحطات الكهرباء".

تأتي كل هذه التطورات "بعد عقود طويلة من التوترات بين العراق ودول الخليج التي بدأت ترى أن استقرار العراق هو استقرار للمنطقة بأكملها".

 

عقود من التوترات

 

التوترات التي تحدث عنها المشهداني وردت في تقرير نشره "معهد دول الخليج العربية في واشنطن" عام 2023، والذي أشار إلى تاريخ طويل من "العلاقات المعقدة" بين دول الخليج والعراق.

ففي أوائل الثمانينيات حين تم تأسيس مجلس التعاون الخليجي لم يقبل العراق عضواً عامل في المجلس بسبب نظامه السياسي المُغاير للأنظمة الملكية الخليجية، ومع ذلك مولت دول الخليج العراق في حربه ضد إيران ومنحته صفة مراقب.

وهو منصب ألغي لاحقاً عقب غزو العراق للكويت وأعقبه اعتقاد ساد لدى دول المجلس مفاده أن قوة العراق العسكرية تشكل تهديداً كبيراً للأمن الإقليمي، لتقطع علاقاتها مع العراق طوال تسعينات القرن الماضي.

بعد العام 2003، الذي شهد تغيير النظام السياسي في العراق، استمرت التوترات وسوء الفهم بين العراق ودول الخليج، ولم تبدأ العلاقات بالتحسن البطيء إلا عقب الظهور الدراماتيكي لداعش في العرق 2014، والذي شكل خطره حاجة للتعاون مع العراق.

أجبرت هذه التطورات دول مجلس التعاون الخليجي على إعادة تقييم استراتيجيتها الإقليمية الشاملة وخلص صناع القرار في الرياض إلى أن تكاليف فك الارتباط مع العراق كانت باهظة.

وعليه، بدأت العلاقات تأخذ مجرى تصاعديا منذ أن أصبح حيدر العبادي الذي كان يُعتقد أنه ليس مقرباً كثيراً من إيران، ومدعوماً من الولايات المتحدة رئيساً لوزراء العراق. وعرضت دول المجلس المساعدة الأمنية للعراق، وانضمت إلى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، ما ساعد على تعزيز الثقة بين الجانبين.

وضع هذا التقارب الحذر الأساس للانخراط مجدداً بين السعودية والعراق ففي عام 2015، عينت الرياض أول سفير لها في بغداد منذ 25 عاماً، كما استضافت السعودية والإمارات وفوداً عراقية رفيعة المستوى وتكللت أولى خطوات هذا التقارب باتفاقية الربط الكهربائي بين دول الخليج والعراق خلال حكومة مصطفى الكاظمي.

ويقول بحث حمل عنوان "حكومة السوداني ومسارات العلاقة بين العراق ودول مجلس التعاون الخليجي" أن دول الخليج وخصوصاًالسعودية تحاول ربط العراق بالترتيبات السياسية والأمنية والاقتصادية التي يمكن أن تشهدها منطقة الخليج، إدراكاً منها بأن وجود العراق في إطار هذه الترتيبات سيجعل منه عنصر استقرار إقليمي مع التجارب السابقة التي برهنت على أن محاولة عزل العراق قد أدت إلى نتائج كارثية.

ويؤشر على تصاعد قيمة العراق في الإدراك الاستراتيجي الخليجي، بحسب التقرير، قناعة دول الخليج بأن العراق من أهم ساحات التجاذب بين القوى المتناحرة إقليمياً ودولياً، ومن ثم فإن أي علاقة خليجية أوسع مع العراق قد تنجح في تخليصه من حالة التنافس الإقليمي وتحويله إلى ساحة للتعاون.

 

استثمارات متعددة

 

يرى الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني أن ما يميز التحركات الاقتصادية الخليجية التي يتم الحديث عنها في العراق كونها "استثمارية وليست استهلاكية".

حفل إطلاق الفرص الاستثمارية لمشروعي مترو بغداد، وقطار كربلاء-النجف السريع
المشروع الذي طال انتظاره.. ما هي تفاصيل "مترو" بغداد؟
يشار إلى أن مشروع مترو بغداد يتكون من 7 خطوط، و 14 محطّة طرقية متوزعة بين مناطق؛ العلاوي، والشعب، وساحة الطيران، والبلديات، والكاظمية، ومطار بغداد، والدورة، وساحة ميسلون، والزعفرانية، وساحة عدن، والبياع، والقادسية، ويمر في مسارات متعددة، بطاقة نقل استيعابية تصل إلى ثلاثة ملايين راكب يومياً. ويغطي 85% من مساحة العاصمة بغداد.

ويقول: "هذه الفرص إذا ما تكللت بالنجاح فإنها قادرة على جذب المزيد من الاستثمارات في مشاريع أطول أمداً وأكثر تأثيرا على السوق المحلية".

ويضرب المثل بـ"مصانع الصافي وجبس ليز وحقول الدواجن التي افتُتحت في إقليم كردستان والتي يستفيد العراق منها في تشغيل اليد العاملة، وتستفيد السعودية منها لقربها من سوق استهلاكها وتختصر الكثير من الضرائب والرسوم بفضل إقامتها داخل البلد".

الاستثمار الأكثر أهمية، كما يرى المشهداني، يكمن في تفاصيل طريق التنمية "الذي يتطلب بناء العديد من المصانع على طوله الممتد من الجنوب إلى الشمال وصولاً إلى أوربا، من بينها مصانع البتروكيمياويات والحديد في البصرة، ومصانع الزجاج والسليكا في الأنبار".

ويستطرد: "مشروع مترو بغداد الذي بدأ الحديث عنه منذ 2010، هو واحد من أهم الاستثمارات طويلة الأمد، والذي بدأت شركة ماليزية بوضع تصاميمه ويمتد الاستثمار فيه إلى 40 عاماً ".

وفي معرض رده عن سؤال لـ"ارفع صوتك" يتعلق بقدرة العراق على توفير الاستقرار الأمني الذي يعتبر ضرورة لجذب الاستثمار الأجنبي متوسط وطويل الأمد، قال المشهداني: "العراق غير مستعد للعودة إلى لمربع الأول فيما يتعلق بالأمن، لأننا اليوم نعيش في حالة جيدة من الاستقرار".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.