يعد رفعت الجادرجي أحد أشهر المعماريين العراقيين. جمعت تصميماته بين الهندسة الإسلامية والمعمار الحديث.
يعد رفعت الجادرجي أحد أشهر المعماريين العراقيين. جمعت تصميماته بين الهندسة الإسلامية والمعمار الحديث.

دخل رفعت الجادرجي إلى عالم الهندسة المعمارية بـ"الصدفة" ليحصد لقب "فيلسوف العمارة"، محوّلاً جدران مبانيه إلى لوحات تشكيلية تجمع بين التراث والحداثة وتلبي احتياجات المجتمع.

اشتهر الجادرجي بتصميم القاعدة التي علق عليها الفنان جواد سليم "نصب الحرية" في ساحة التحرير ببغداد عام 1958، الذي أصبح مركزاً للاحتجاجات المناهضة للحكومات المتعاقبة.

تعمق الجادرجي بالفن التشكيلي وعشق التصوير الفوتوغرافي موثقاً التنوع الجغرافي والثقافي العراقي، ووجد في الكتابة منفذاً للحرية حين حُكم عليه بالسجن المؤبد، ليخرج منه مكلفاً بإعادة إعمار بغداد، قبل أن يختار الحياة في المنفى حتى وفاته بفيروس كورونا في العاشر من أبريل قبل أربع سنوات عن عمر 93 عاماً.

وصف الدكتور خالد السلطاني الذي أرخ للكثير من منجزات العمارة في العراق، منجز الجادرجي المعماري على أنه "تمرين إبداعي حيث يرتقي المعمار بصياغة واجهاته وأشكال عناصرها المألوفة إلى جماليات اللوحة التشكيلية دون أن تقتصر معالجته على الواجهة الأمامية فقط".

 

البداية

ينتمي رفعت الجادرجي إلى عائلة أرستقراطية ذات نفوذ كبير في العهد الملكي، فوالده هو السياسي كامل الجادرجي مؤسس "الحزب الوطني الديمقراطي" وصاحب جريدة "صوت الأهالي"، وجدّه الذي سمي على اسمه، كان رئيس بلدية بغداد أواخر العهد العثماني.

وفرت له عائلته كل الإمكانات المتاحة للدراسة والاطلاع منذ طفولته، وما إن أكمل الدراسة الثانوية حتى بدأ يفكر بالتوجه نحو هندسة الكهرباء.

في أحد لقاءاته التلفزيونية تحدث الجادرجي عن "عامل الصدفة" الذي ألقى به إلى عالم الهندسة المعمارية، قائلا: "كنت أتهيأ لدراسة هندسة الكهرباء وكنت أناقش الموضوع مع أحد الأصدقاء الذي سألني لماذا تدرس الكهرباء وأنت مطلع كثيرا على تاريخ الفن والشعر الإنجليزي والموسيقى، فلماذا لا تدرس شيئا له علاقة. وسألني كيف أنت مع العمارة؟ حينها قررت في نفس اليوم أن أدرس في هذا المجال".

انطلق لدراسة فنون العمارة والتصميم في لندن (1946-1952) بمدرسة "هامرسميث للفنون والحرف "، وحين عاد إلى العراق عام 1952 أسس مع مجموعة من المعماريين العراقيين الطموحين مكتب "الاستشاري العراقي" كما تم تعيينه مستشاراً في دائرة الأوقاف.

خلال تلك الفترة قام الجادرجي بترميم العديد من البيوت التراثية، كما اشتهر بتصميم البيوت والمباني الرسمية وغير الرسمية والنصب التذكارية التي اهتم من خلالها بإبراز فلسفته في الهندسة من خلال المزج بين العمارة التقليدية والحديثة، حتى تجاوز عددها 100 تصميم في مختلف محافظات العراق.

 

"نصب الحرية"

بعد الانقلاب الذي قاده عبد الكريم قاسم ضد الحكم الملكي عام 1958 كلفت أمانة بغداد الجادرجي بتنفيذ عدد من التصاميم، اثنان منها أصبحا لاحقاً من أشهر أعماله، وهما نصب "الجندي المجهول" ونصب "الحرية".

صمم الجادرجي القاعدة التي ثبت عليها جواد سليم منحوتاته كما قال في لقاء تلفزيوني عبر استلهام غليان الشارع العراقي بالمتظاهرين الذين يحملون لافتات مكتوبة عليها شعارات عديدة.

فصمم النصب على شكل لافتة عريضة بـ50 متراً وعلى ارتفاع 8 أمتار، ليتحول النصب إلى أحد أهم الرموز في بغداد حيث مقر المظاهرات والاحتجاجات آخرها كان "احتجاجات تشرين" في خريف 2019، التي طالبت بإسقاط الحكومة.

واستلهم الجادرجي نصب "الجندي المجهول" من معاناة الأم العراقية التي سقط ولدها "شهيداً" في المعركة، فكان التصميم يشبه أما تنحني لالتقاط طفلها الذي تمثله شعلة تغذيها منظومة غاز على مدار الساعة.

تميز النصب بالبساطة في المظهر فكان على هيئة جدار مقوس عال شبه مدبب من الأعلى، وفي قاعدتيه نافذتان على شكل هلال نهايتهما تشكل قاعدة النصب.

 

تدمير

خلال حياته شهد الجادرجي على هدم وتشويه العديد من أعماله، أهمها نصب "الجندي المجهول" الذي نفذه مطلع الستينيات بجانب الرصافة من بغداد في الساحة التي أطلق عليها اسم "ساحة الفردوس".

هُدم النصب عام 1982 بأوامر مباشرة من رئيس النظام الأسبق صدام حسين، وحضر الجادرجي العملية بنفسه ووثقها بكاميرته الشخصية، بل والتقط صورة له بالقرب من الأنقاض ومع الشخص الذي أشرف على الهدم.

وحين سؤل في لقاء تلفزيوني عن سر حضوره لعملية الهدم، قال: "كنت أرغب بتوثيق تلك اللحظة"، مبدياً قناعته بتوقع أنه "لن تبقى أي من أعماله" مردفاً: "نحن كمجتمع لا نحافظ على تراثنا... لذلك أنا أوثق أعمالي عند التصميم وحين يبدأ التشييد وحتى عند التشويه أو الهدم".

حل محلّ النصب تمثال لرئيس النظام السابق وهو يلوح للجماهير، وهو ذات التمثال الذي شهد العالم بأكمله على إسقاطه ثم سحله من قبل مدرعة أميركية ومواطنين عراقيين في عام 2003.

لم يكن نصب "الجندي المجهول" آخر أعمال الجادرجي التي تعرضت للهدم أو التشويه، فقد تعرض مبنى البريد المركزي في السنك بجانب الرصافة الذي بني أوائل السبعينيات للقصف خلال الحروب العديدة التي خاضها العراق، كما تعرض مبنى اتحاد الصناعات العراقي للحرق عام 2003.

وفي الموصل جرى تدمير مبنى "شركة التأمين الوطنية" التي صممها الجادرجي عام 1966 خلال المعارك مع تنظيم داعش، بعد أن حولها التنظيم المتشدد إلى مقر له ومركز للإعدام، لتشهد على إلقاء من يتم اتهامهم بالمثلية الجنسية من أعلى البناية.

 

توثيق فوتوغرافي

في لقاء تلفزيوني معها، وصفت زينة عريضة مديرة "المؤسسة العربية للصور" رفعت الجادرجي بأنه "مهووس بالتصوير".

وعلى الرغم من أنه ليس مصوراً محترفاً إلا أنه كان "يصور الحياة اليومية في الشوارع ليس في بغداد فحسب بل في كل المدن التي كان يزورها أو يعيش فيها".

بدأ ولع الجادرجي بالتصوير الفوتوغرافي من خلال والده الذي وثق في بضع مئات من الصور الحياة اليومية للعراقيين خلال الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، وأكمل الابن مسيرة والده عبر دراسة منهجية للتصوير الفوتوغرافي لمدة عامين في الولايات المتحدة الأميركية.

وظهر في فيلم وثائقي عن شارع الرشيد وهو يتجول برشاقة ويلتقط الصور ويتحدث عن عمارة الشارع التراثي وكيفية النهوض به من جديد.

أهدى الجادرجي قبل وفاته "المؤسسة العربية للصور" نحو 50 ألف صورة فوتوغرافية وثقت الحياة العراقية اليومية في جميع محافظات العراق.

جانب من شارع الرشيد في العاصمة العراقية بغداد- ارفع صوتك
"الرشيد".. شارع يروي تاريخ بغداد الاجتماعي والسياسي والفني
متوازياً مع نهر دجلة، وبخط متعرج يمتد شارع الرشيد التراثي، ليحكي تاريخ العاصمة العراقية بغداد منذ أوج ازدهارها في العهد العباسي، وصولاً إلى آخر الولاة العثمانيين الذي شق الطريق لأهداف حربية، ليتحول إلى أيقونة الثورات وواحداً من أهم شوارع المدينة.

 

بين ظلمتين

في عام 1978 حكم على الجادرجي بالسجن المؤبد خلال رئاسة أحمد حسن البكر، وأمضى قرابة عامين في سجن "أبو غريب" قبل أن يطلق سراحه من قبل صدام حسين للإشراف على استعدادات عقد مؤتمر عدم الانحياز بغداد عام 1983.

في تأبينها له، تحدثت بلقيس شرارة زوجة الجادرجي عن نظرته إلى الحياة التي تتميز  بـ"الإيجابية" حتى في أحلك الظروف التي مر بها بعد أن حُكم عليه بالسجن المؤبد، إذ  "استغل كل لحظة قضاها في السجن واتجه نحو الكتابة".

أنهى الجادرجي في السجن كتابين هما "صورة أب" و"شارع طه وهمرسمث"، وبدأ في كتابه "الأخيضر والقصر البلوري" الذي أنهى معظمه في السجن.

فتحت له الكتابة أبواباً جديدة، فكرس حياته لها، واستمر في البحث والكتابة حتى بعد أن أفرج عنه من السجن، فكتب أكثر من عشر مؤلفات أحدها وثق الفترة التي سجن فيها عبر كتاب حمل عنوان "جدار بين ظلمتين" كتبه بالتعاون مع زوجته.

ونال الجادرجي عدة جوائز منها "الأغا خان" عام 1986 وجائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2008 عن مؤلفه "في سببية وجدلية العمارة"، وجائزة "تميز" للإنجاز المعماري مدى الحياة عام 2015.

استمر في عمله بعد خروجه من السجن للأعوام( 1982-1983) قبل أن يقرر ترك التصميم المعماري والتفرغ للعمل الأكاديمي والتأليف بشكل كامل.

هاجر الجادرجي العراق في 1983 واستقر لما تبقى من حياته في بريطانيا حتى وفاته عام 2020 بكورونا.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.