علم قوس قزح الذي يرمز لمجتمع الميم حول العالم- تعبيرية
علم قوس قزح الذي يرمز لمجتمع الميم حول العالم- تعبيرية

انتهى البرلمان العراقي، الاثنين، إلى إرجاء مشروع قانون مثير للجدل، يفرض عقوبة الإعدام أو السجن المؤبد، على ممارسة العلاقات الجنسية المثلية.

وقال نائبان في البرلمان، وفقا لرويترز، إن سبب تأجيل التصويت هو ضيق الوقت، وإن هناك بعض الخلافات بشأن التعديلات المقترحة.

ويقول محللون، تحدثوا لموقع "الحرة"، إن إقرار مثل هذا القانون قد يضر بعلاقات العراق السياسية والاقتصادية، خصوصا مع الدول الغربية.

وفي تصريح لموقع "الحرة" قال الكاتب المحلل السياسي عقيل عباس إن تشريع هذا القانون سيدفع الدول الغربية إلى اتخاذ موقف، قد يصل إلى فرض نوع من العقوبات على العراق. "هذه العقوبات،" يوضح عباس، "لن تكون ذات طابع سياسي، وإنما قد تشمل مجالات التعاون والدعم في المؤسسات الدولية.

ولا يجرم العراق الذي تقطنه أغلبية مسلمة الجنس المثلي حاليا، ولكن تُستخدم بنود فضفاضة في قانون العقوبات لاستهداف مجتمع الميم.

وشهد العراق خلال الفترة الماضية ارتكاب عدة جرائم بحق المثليين، هزت المجتمع، كان أبرزها  مقتل البلوغر "نور بي أم".

وأثارت حادثة قتل البلوغر وخبير التجميل العراقي نور، الذي يسمي نفسه "نور بي أم" نهاية العام الماضي، القلق لدى الناشطين الحقوقيين في العراق، والذين حمل بعضهم المسؤولية لـ"خطاب الكراهية".

وكان يتم التضييق على أفراد مجتمع الميم-عين في العراق، بالاستناد إلى المادة 8 من قانون مكافحة البغاء الذي عدل عام 1988، وعرف البغاء فيه بأنه "تعاطي الزنا أو اللواطة بأجر مع أكثر من شخص"، وفقا لـ"جيم"، وهي مؤسسة إعلامية نسوية.

وتجرم أكثر من 60 دولة مثلية الجنس، في حين أن الممارسات المثلية قانونية في أكثر من 130 دولة، وفق بيانات منظمة (أور ورلد إن داتا).

وعادة ما تتعرض الدول التي تجرم الجنسية المثلية وتلاحق أفراد مجتمع الميم، لانتقادات من الدول الغربية والمنظمات غير الحكومية، وتنديدات من منظمات حقوق الإنسان.

وعندما سنت أوغندا في مايو الماضي قانونا يتضمن عقوبة الإعدام لبعض الأفعال الجنسية المثلية، أوقف البنك الدولي القروض الجديدة للدولة الواقعة في شرق أفريقيا، .

 

احترام حقوق الإنسان

يقول الدبلوماسي الأميركي، السفير السابق، تيم كارني، إنه "ما من شك أن قانونا بهذه الصياغة يمكن أن يؤثر على علاقات بغداد بالدول التي تحترم الحقوق".

وفي اتصال مع موقع الحرة، أشار كارني، الذي شغل منصب سفير فوق العادة للولايات المتحدة ومفوض للسودان (1995-1997)، أن الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة تولي مسألة الحريات اهتماما خاصا "وتجعلها بوصلة علاقاتها من هذه الحكومة أو تلك".

ويشير عباس إلى أن "العراق حليف للولايات المتحدة، ويحظى بدعم الاتحاد الأوروبي، ويقوم الدعم الغربي للعراق على "افتراض دعم ديمقراطية ناشئة تواجه صعوبات، وليس نظاما استبداديا".

في المقابل، يرى مايكل أوهونان، من معهد بروكينغز، في واشنطن، أن الولايات المتحدة قد تصدر بيانات استنكار إذا ما تم إقرار مثل هذا القانون "لكن لن تكون هناك أية إجراءات ميدانية حيال ذلك".

وفي حديث لموقع "الحرة" شدد أوهونان على أن الدول الغربية والولايات المتحدة ستستنكر حتما المساس بالحريات الفردية، لكن ذلك لن يمس بالعلاقات الاقتصادية لبغداد "على الأقل مع واشنطن"، حسب اعتقاده.

أوهونان قال ملخصا "لا أعتقد أن تتم ترجمة المعارضة لهذا القانون بإجراءات ملموسة".

وكانت رشا يونس، وهي باحثة في حقوق مجتمع الميم في منظمة هيومن رايتس ووتش قالت العام الماضي عندما أثير مشروع القانون لأول مرة، إن القانون المقترح لــ"مناهضة مجتمع الميم في العراق سيهدد حياة العراقيين الذين يواجهون أصلا بيئة معادية لأفراد مجتمع الميم". 

وأكدت على  أن المشرعين العراقيين كانوا بصدد توجيه "رسالة مروعة إلى مجتمع الميم مفادها أن تعبيرهم إجرامي وأن لا أهمية لحياتهم".  

في 15 أغسطس 2023، قدّم العضو المستقل في مجلس النواب العراقي، رائد المالكي، مشروع قانون يهدف إلى تعديل "قانون مكافحة البغاء" رقم 8 لسنة 1988، ليُجرِّم جنائيا العلاقات المثلية والتعبير عن العبور الجندري. 

وقال المالكي حين قدم مشروع القانون إن الهدف منه "الحفاظ على المجتمع العراقي من الانحراف والدعوات إلى الشذوذ التي غزت العالم".

ورجح الكاتب عقيل عباس أن طرح مشروع القانون في هذا التوقيت يرتبط بصراعات سياسية داخلية "قد تكون على صلة بزيارة رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني إلى واشنطن، والتي تبدو لحد الآن زيارة ناجحة".

ويشير كارني إلى أنه لا يوجد شك في أن الولايات المتحدة الأميركية ترفض أن تكون لعها علاقات وطيدة مع حكومات تشرع قوانين "غير إنسانية" تجاه ما تعتبره هي -دون آخرين- جريمة.

وكشف أنه إذا تم إقرار المشروع ليصبح قانونا فعليا فيمكن "أن نرى عقوبات أميركية وغربية باتجاه العراق".

وقال "كل شيء مرتبط بالكونغرس الأميركي، إذا رأى أن هذا القانون مساس بحق المواطن العراقي في الحياة فسيفرض عقوبات حتما على النظام هناك".

وتابع "أفترض أن يسبق ذلك تقليص المساعدات الإنسانية والتقنية للعراق" ثم استدرك "مثال أوغندا ليس ببعيد".

وفي يونيو 2017، أعلنت الولايات المتحدة، أنها ستفرض قيودا على تأشيرات دخول الأشخاص المتهمين "بتقويض العملية الديمقراطية" في أوغندا بعد سن قانون مناهض للمثليين في الدولة الواقعة شرقي أفريقيا.

ولم يذكر بيان صدر وقتها عن وزارة الخارجية الأميركية أسماء أي أفراد مستهدفين.

وقال البيان إن الولايات المتحدة ستنظر في الإجراءات المحتملة الأخرى "لتعزيز المساءلة للمسؤولين الأوغنديين وغيرهم من الأفراد المسؤولين عن أو المتواطئين في تقويض العملية الديمقراطية في أوغندا، أو انتهاك حقوق الإنسان، بما في ذلك الأشخاص من مجتمع 'ميم عين+' أو الانخراط في ممارسات فاسدة".

الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، والمتخصص في شؤون الشرق الأوسط والخليج، حسين عبد الحسين، قال من جانبه، إن مشروع القانون العراقي "يتعارض مع مفهوم الحرية الفردية".

وفي حديث لموقع "الحرة" شدد عبد الحسين على أن التشريع، يتضمن "عقوبات غير إنسانية لممارسات تدخل في إطار الحريات الفردية" وفق تعبيره.

وقال إن ذلك يتعارض مع مساعي الولايات المتحدة والدول الغربية لبعث أسس المساواة والحرية في الدول الصديقة.

لكنه عاد ليؤكد أن تأثير التشريع على العلاقات بين العراق وواشنطن مرتبط بالإدارة التي تُسيّر الولايات المتحدة، هل هي من الحزب الديمقراطي أم الجمهوري.

وقال إن مستقبل العلاقة بين العراق وواشطن في هذا الخصوص بالتحديد يتوقف على نوع الإدارة بالبيت الأبيض "إذا كان الرئيس ديمقراطي فستتأثر العلاقة أما إذا كان جمهوريا فلا أرى أن يكون للتشريع أي تأثير".

عبد الحسين لفت إلى أن المشرعين العراقيين يستسهلون الإعدام ويبررونه انطلاقا من فكرة أن المثلية تتعارض مع ما يصفونه بعادات وتقاليد ودين البلاد "رغم أن العابسبيين العرب الذين حكموا بغداد عرفوا المثلية" ثم أردف " أشهر مثلي معروف هو أبو نواس وكان الرجل في بغداد".

وبالعودة إلى تأثير مثل هذا التشريع على علاقات العراق، قال عبد الحسين "لا شك أننا سنسمع اعتراضات من دول غربية عديدة، لكن لا شيء أكثر".

ولفت عبد الحسين إلى أن علاقات الدول والحكومات الغربية مع دول عديدة تحظر المثلية الجنسية مثل السعودية ودول الخليج ومصر لم تتأثر، بسبب موقفها من المثلية "عدا بعض التنديد من وزارت حقوق الإنسان والمنظمات المعنية بالدفاع عن مجتمع الميم عبر العالم".

وقال دبلوماسيون من ثلاث دول غربية، لوكالة رويترز، إنهم ضغطوا على السلطات العراقية لعدم إقرار مشروع القانون بسبب مخاوف تتعلق بحقوق الإنسان ولأنه سيجعل أيضا العمل مع العراق صعبا من الناحية السياسية في وقت تحاول فيه البلاد تخفيف عزلتها الدولية بعد سنوات من الاضطرابات.

وقال دبلوماسي بارز طلب من رويترز عدم كشف هويته "سيكون من الصعب للغاية تبرير العمل الوثيق مع دولة كهذه في بلادنا".

وأضاف "كنا صريحين للغاية.. في حالة إقرار هذا القانون بصيغته الحالية، فستكون له عواقب كارثية على علاقاتنا الثنائية والتجارية".

وانعقد البرلمان للتصويت على مشروع القانون قبل ساعات فقط من لقاء رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بالرئيس الأميركي، جو بايدن، في واشنطن في إطار زيارة تركز على زيادة الاستثمارات الأميركية.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

يحتل العراق المرتبة 157 (من 180) في مؤشر منظمة الشفافية الدولية
يحتل العراق المرتبة 157 (من 180) في مؤشر منظمة الشفافية الدولية

بعدما كان "ركيزة أساسية" يعَوّل عليها في ملاحقة كامل الخيوط المتعلقة بـ"سرقة القرن" وضعت "الخفايا" التي كشف عنها رئيس هيئة النزاهة في العراق، حيدر حنون، القضاء في البلاد في "قفص الاتهام"، وجاء ذلك بعد سلسلة "فضائح مليارية" أزاح الستار عنها مع عدد من النواب خلال الأيام الماضية.

حنون كان قد عقد مؤتمرا صحفيا في أربيل، قبل يومين، وعلى نحو مفاجئ ولافت استخدم لغة هجومية وحادة استهدف بها مجلس القضاء الأعلى" والقاضي ضياء جعفر، الذي يتولى قضية نور زهير المتهم الأول بقضية سرقة الأمانات الضريبية، فيما يعرف بـ"سرقة القرن".

وبعدما عبّر أمام حشد من الصحفيين عن غضبه من "استضعاف هيئة النزاهة"، أشار إلى "اختفاء ملفات من قضية زهير لدى القاضي جعفر"، وأن ذلك "يشكّل تحديا كبيرا لجهود مكافحة الفساد، واستعادة أموال الدولة المنهوبة".

لم يقتصر الأمر عند ذلك فقط، فأضاف حنون أن "ملف زهير الذي تمت إحالته إلى محكمة الجنايات المركزية، يحتوي على 114 صكا ماليا". وفي حين أن القانون يقتضي فتح 114 قضية منفصلة "جرى التعامل معها كقضية واحدة"، وفق قوله.

ولم يصدر أي موقف من جانب مجلس القضاء الأعلى حتى الآن، كما لم يرد القاضي جعفر على الاتهامات التي وجهها حنون ضده، وحاول موقع "الحرة" التواصل مع الأخير ومسؤولين آخرين في "مجلس القضاء الأعلى"، ولم يتلق ردا حتى ساعة نشر هذا التقرير.

وبدوره لم يقدم مدير المكتب الإعلامي لهيئة النزاهة في العراق، علي محمد أية تفاصيل إضافية عن دوافع ما كشف عنه حنون، وأوضح لموقع "الحرة" أنه "يجب ترك الموضوع حاليا".

وتضمنت الاتهامات التي وجهها رئيس هيئة النزاهة حديثه عن "سرقة في ملف سكك حديدية تقدر قيمتها بـ18 مليار دولار، دون أن يتم اتخاذ أي إجراء من قبل القاضي جعفر منذ شهرين"، حسب تعبيره.

ومن ناحية أخرى اتهم حنون "زهير بالتورط في سرقة الودائع الجمركية بما يزيد عن تريليون دينار عراقي"، مطالبا "بعقد جلسة علنية بحضور القاضي جعفر لكشف الحقائق أمام الشعب"، كما أضاف أن الأخير "أصدر أمر قبض بحقه ويلاحقه بشكل شخصي".

كيف بدأت المواجهة؟

المواجهة الحاصلة واللافتة كما يعتبرها باحثون ونواب عراقيون جاءت بعد أسبوع واحد من هروب المتهم بـ"سرقة القرن" نور زهير خارج البلاد، مما أثار جدلا وتساؤلات عن كيفية فراره، وهو المتهم الأبرز في أكبر قضية فساد شهدتها البلاد منذ عام 2003.

وشيئا فشيئا وبينما كانت الأنظار تتركز على قرار إلقاء القبض الذي أصدره القضاء بحق زهير للمرة الثانية بدأت تظهر بالتدريج "فضائح فساد مليارية" جديدة، وكان أبرزها تلك التي كشف عنها النائب في البرلمان العراقي، ياسر الحسيني، وتداولتها وسائل إعلام على نطاق واسع.

وجاء في اتهامات رئيس كتلة "الآمال" النيابية أن "الشركة العامة لسكك الحديد" وقعت عقدا لإعادة تأهيل خط سككي بقيمة 22 مليار دولار ونصف، قبل ثلاثة أشهر، وأن المشروع أحيل إلى 3 شركات، واحدة منها أجنبية وأخرى محلية، والثالثة تابعة لزهير المتهم بـ"سرقة القرن".

وفي حين نفت وزارة النقل، عبر حديث متلفز أدلى به المتحدث باسمها ميثم الصافي، الاتهامات التي أطلقها الحسيني أشار خبراء قانون ونواب سابقون إلى أن "الفضائح" التي باتت تنكشف على نحو كبير ترتبط دوافعها وحيثياتها بشكل وثيق.

وأوضح بعض النواب وخبراء القانون أن الأسباب التي تقف وراء ذلك تتعلق بجذور وصراعات سياسية فيما ذهب آخرون للإشارة إلى مآلات وتداعيات المواجهة الحاصلة التي اندلعت ما بين هيئة النزاهة و"المجلس الأعلى للقضاء".

ويقول الخبير القانوني العراقي، أمير الدعمي، إن الصراعات في العراق باتت تشتد على كافة المستويات السياسية، ويضيف أنه "قد نشهد صراعا بين مؤسستين مهمتين، الأولى هي مجلس الوزراء والثانية هي مجلس القضاء الأعلى".

ويشير في حديثه لموقع "الحرة" أنه "ولأول مرة قد يكون مجلس القضاء الأعلى طرفا في صراع مثل هذا".

ويسود اعتقاد لدى بعض المراقبين والباحثين العراقيين أن المواجهة الحاصلة بين "النزاهة" والقضاء تقف وراءها وفي الكواليس مواجهة خفية ما بين رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني و"المجلس الأعلى للقضاء".

لكن مستشار السوداني فادي الشمري تحدث في تصريحات نقلتها وسائل إعلام عراقية، الجمعة، عن "محاولات قامت بها الحكومة لثني رئيس هيئة النزاهة من عقد المؤتمر الصحفي الأخير في أربيل".

وأوضح الشمري أن "حنون رفض التراجع"، وأن "طريقته في طرح هواجسه كانت مضرة بالاستقرار السياسي، وأن اجتهاده كان في غير محله".

ومن المقرر أن تعقد جلسة استثنائية في مجلس النواب العراقي، لمتابعة تطورات المشهد الحالي، وخاصة فيما يتعلق بملفات الفساد الكبرى، كما يكشف عضو اللجنة القانونية النيابية في العراق، عارف الحمامي، لموقع "الحرة".

وبالنسبة لمسألة التحقيق والقضاء يقول: "نحن نحترم القضاء ونشد على يده لإكمال التحقيق والخروج بنتائج مرضية للشعب العراقي".

ويعتقد عضو اللجنة القانونية النيابية العراقية أن "حديث حنون كان نتيجة ضغوط".

ويعتبر أن رئيس هيئة النزاهة "يجابه منظومة فساد كبرى، ويحتاج الدعم الكبير والمؤازرة من مجلس النواب العراقي والقضاء والوقوف على حقائق الأمور".

"قضية نور زهير هي قضية فساد كبرى وفيها رؤوس.. وهذه الرؤوس تريد خلط الأوراق والتشويش على القضاء وهيئة النزاهة"، ويرى الحمامي أن "حدوث مشكلة ما بين القضاء والنزاهة من صالح الفاسدين".

"من زهير إلى جوحي"

رغم أن الأضواء في العراق تتسلط وعلى نحو كبير باتجاه قضية "سرقة القرن" وخيوطها التي يتم الكشف عنها بالتوالي بعيدا عن كشف أسماء "الرؤوس" انشغلت الساحة السياسية في البلاد خلال الأيام الماضية بقضية عرفت باسم "شبكة التنصت" أو "شبكة جوحي".

وفي التفاصيل وبحسب إفادات سابقة للنائب مصطفى سند، فإن محكمة تحقيق الكرخ، المختصة بقضايا الإرهاب أقدمت قبل أسبوع على "اعتقال شبكة من القصر الحكومي لمكتب رئيس الوزراء، وعلى رأسهم المقرب (محمد جوحي)، وعدد من الضباط والموظفين".

وذكر مصطفى أن الشبكة "كانت تمارس عدة أعمال غير نظيفة؛ ومنها التنصت على هواتف عدد من النواب والسياسيين (وعلى رأسهم رقم هاتفي)"، وكذلك "تقوم الشبكة بتوجيه جيوش إلكترونية، وصناعة أخبار مزيفة، وانتحال صفات لسياسيين ورجال أعمال ومالكي قنوات"، بحسب النائب في البرلمان.

وبعدما أثار الحديث عن "شبكة التنصت" ضجة نشر "مجلس القضاء الأعلى" بيانا وصف فيه المعلومات المتداولة بشأن "قضية جوحي" بأنها غير دقيقة، واعتبر أنها "مبنية على التحليل والاستنتاج بعيدا عن الحقيقة".

"تضخيم إعلامي"

ورفض مستشار سياسي لرئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، السبت، الاتهامات التي ترددت في الآونة الأخيرة بأن موظفين في مكتب رئيس الوزراء تجسسوا وتنصتوا على مسؤولين كبار وسياسيين.

وقال المستشار فادي الشمري في مقابلة مع إحدى جهات البث العراقية أذيعت في وقت متأخر من مساء أمس الجمعة "هذه كذبة مضخمة"، وهو النفي الأكثر صراحة من عضو كبير في فريق رئيس الوزراء.

وأضاف أن الاتهامات تهدف إلى التأثير سلبا على السوداني قبل الانتخابات البرلمانية المتوقع إجراؤها العام المقبل.

وتابع "كل ما حدث خلال الأسبوعين الأخيرين هو مجرد تضخيم إعلامي يخالف الواقع والحقيقة".

وقال الشمري إنه تم إلقاء القبض على شخص في مكتب رئيس الوزراء في أغسطس، إلا أن الأمر لا علاقة له علاقة بالتجسس أو التنصت.

وأضاف أن ذلك الموظف اعتقل بعد اتصاله بأعضاء في البرلمان وسياسيين آخرين منتحلا صفة شخص آخر.

وأردف "تحدث مع نواب مستخدما أرقاما مختلفة وأسماء وهمية وطلب منهم عددا من الملفات المختلفة". ولم يخض الشمري في تفاصيل. وتابع "لم يكن هناك تجسس ولا تنصت".

ويشير عضو اللجنة القانونية النيابية الحمامي إلى أنه وحتى الآن "لا تستطيع أن ننفي أو نؤيد ما تم تداوله عن قضية التنصت"، ويقول إنها "حساسة.. وننتظر نتائج التحقيق".

وكن المتحدث باسم الحكومة العراقية باسم العوادي قال في وقت سابق إن الحكومة العراقية "تتابع الحملات المضللة التي تستهدف إعاقة عملها في مختلف المجالات، ومنها ما جرى تناوله من معلومات غير دقيقة تستبطن الغمز، وبعضها تضمن الاتهام المباشر للحكومة تجاه قضايا تخضع الآن لنظر القضاء".

وأضاف العوادي في بيان أن "السلطة التنفيذية تنتظر ما سيصدر عنه (القضاء) بهذا الصدد، مع تأكيد الحكومة المستمر على الالتزام بالقانون واحترام قرارات القضاء".

وشدد العوادي أن "هناك من يعمل على جرّ الحكومة وإشغالها عن نهجها الوطني عبر محاولات يائسة لا تصمد أمام الإجراءات القانونية الحقيقية والفعلية، التي تعمل الحكومة على تنفيذها ودعمها".

ولم يتطرق البيان إلى أي أسماء متورطة يتم تداولها في وسائل الإعلام أو من قبل أعضاء في مجلس النواب العراقي بشأن القضية.

ومن جانب آخر اعتبر وائل عبد اللطيف القاضي العراقي السابق أن ما يتم الحديث عنه من "ملفات فساد وفضائح من قبل حيدر حنون هو أقل من السرقات الموجودة في البلد".

ويقول عبد اللطيف لموقع "الحرة" إن "البلد بات بؤرة فساد والسرقات تأكله في جميع مرافقه.. ولا أستثني منها أي مرفق". 

القاضي السابق أشار إلى المعلومات التي تحدث عنها حنون بشأن "قطع الأراضي التي منحها رئيس الوزراء السابق، مصطفى الكاظمي لرئيس وأعضاء مجلس القضاء الأعلى ورئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية والوزراء لشراء الولاء".

وأوضح أن رئيس هيئة النزاهة حصل على جزء من تلك الأراضي، وهو ما أكده في المؤتمر الصحفي بقوله: "وقبلناها جميعا (من الكاظمي)".

ويتابع عبد اللطيف: "حنون كان رئيس استئناف العمارة وأخذ قطعتي أرض وعنده منزل. ماذا يريد بعد ذلك؟ وكذلك الحال مع ضياء جعفر. ما يحصل عبارة عن صراع تشارك فيه القوى السياسية".

"كارثة وانتحار سياسي"

وتباينت ردود الفعل إزاء ما كشف عنه حنون من أربيل، وكانت المواقف منقسمة ما بين مؤيد ومعارض للطريقة التي تم فيها إطلاق الاتهامات.

ودافع رئيس ائتلاف "دولة القانون"، نوري المالكي، بشدة عن القضاء، الخميس، وبدا مستاءً من اتهامات رئيس هيئة النزاهة للقضاء، وإن لم يذكر اسمه بالتحديد خلال كلمته.

ومن جهته، دعا زعيم "تيار الحكمة"، عمار الحكيم، إلى ما وصفها بـ"محاكمة القرن" لمقاضاة "سرقة القرن"، وقال في كلمة مسجلة: "لتكن هذه المحاكمة علنية، كما فعلنا مع صدام حسين، حتى لو وردت فيها أسماء شخصيات كبيرة".

وتتمثل "سرقة القرن" باختفاء مبلغ 3.7 تريليون دينار عراقي، بما يعادل نحو مليارين ونصف مليار دولار، من أموال الأمانات الضريبية. وكانت جهات متعددة قد كشفت عن السرقة قبل نحو شهرين من انتهاء مدة حكم الحكومة العراقية السابقة برئاسة، مصطفى الكاظمي.

وكشف كتاب رسمي صادر عن هيئة الضرائب أن مبلغ 2.5 مليار دولار، جرى سحبه بين سبتمبر 2021 وأغسطس 2022 من مصرف الرافدين الحكومي، عبر 247 صكا ماليا، حرّر إلى 5 شركات، قامت بصرفها نقدا مباشرة.

وعلى إثر انكشاف السرقة تحركت "هيئة النزاهة" والسلطة القضائية للتحقيق في القضية، وصدرت عدة أوامر قبض قضائية، وكان أول المعتقلين نور زهير، واسمه الكامل "نور زهير جاسم المظفر"، وكنيته "أبو فاطمة"، وهو من مواليد بغداد عام 1980.

بعد ذلك تم إيداعه السجن بالإضافة إلى آخرين، إلى جانب قرارات قضائية بمصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة للمتورطين بالسرقة وكذلك أُسرهم، وفق وكالة "شفق نيوز".

وفي عام 2023، قرر القضاء العراقي رفع إشارة الحجز عن شركة تابعة لزهير، ومن ثم أعلن رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، عن قيام المتهم الأول بـ"سرقة القرن" بتوزيع أمواله على متنفذين من بينهم "سياسيون وإعلاميون"، ملمحا إلى ارتفاع عدد المتهمين.

ووقتها أعلن السوداني أيضا أن القاضي المختص (ضياء جعفر) أصدر أمرا بإطلاق سراح نور زهير "بكفالة"، مقابل تعهده بتسليم كامل المبلغ المسروق خلال مدة أسبوعين، مشيرا إلى أن القسم الأكبر من المبلغ لدى المتهم عبارة عن عقارات وأملاك.

ويشكّل المبلغ الذي أعاده زهير إلى خزينة الدولة بعد خروجه من السجن بكفالة ما نسبته 12 بالمئة من كامل الأموال التي تتجاوز 2.5 مليار دولار، وفق تصريحات سابقة للنائب في البرلمان العراقي، ماجد شنكالي.

وحتى الآن لا يعرف ما إذا كان المسارات ستصل إلى إعادة إلقاء القبض على زهير، بموجب المذكرة التي صدرت بحقه قبل أسبوع، وبعد انتشار صورة له من العاصمة اللبنانية بيروت، مدعيا أنه "تعرض لإصابة في حادث سير".

ويعتبر الخبير القانوني الدعمي أن "التدخل أو إقحام القضاء بمثل هكذا صراعات هو خطأ، بل كارثة على اعتبار أن المجلس الأعلى للقضاء الآن هو الحصن الأخير الذي يمكن أن نلوذ به".

ويرى أن "محاولة إقحام القضاء في الصراع السياسي أو جره لهذا الصراع هو انتحار سياسي"، في إشارة منه للمؤتمر الذي عقده حنون.

"الكل متورط في العراق"

لكن وفي المقابل يوضح الكاتب والباحث في الشأن العراقي، يحيى الكبيسي أن "مراجعة الوقائع المرتبطة بسرقة الأمانات الضريبية تظهر بوضوح اشتراك سلطات الدولة ومؤسساتها المختلفة في هذه السرقة، سواء بشكل مباشر أو بشكل ضمني، بما في ذلك السلطة القضائية نفسها".

ويقول لموقع "الحرة" إن الدليل على ذلك "هو عدم اتخاذ القضاء العراقي أي إجراء طوال أكثر من شهرين، من لحظة كشف السرقة إلى لحظة محاولة هروب المتهم الرئيسي عبر مطار بغداد".

وتبع ذلك وفق الكبيسي "إطلاق سراح المتهم بسرعة غير مفهومة، ورفع الحجز عن شركاته وممتلكاته، ورفع منع السفر عنه، وعدم حضوره المحاكمة، وما يستتبع ذلك من دفع الكفلاء لمبلغ الكفالة لتنتهي القضية بحكم غيابي لا قيمة له عمليا".

ما قاله حنون "كان في جوهره اتهامات للقضاء العراقي"، ورغم أنه لم يقدم معلومة جديدة "كسر التواطؤ الجماعي الذي يغطي على الفساد في العراق في سياق الصراع بين السلطات"، بحسب الكاتب الكبيسي.

ويتابع أن "الفساد في العراق منذ العام 2006 ليس فساد أفراد، بل فساد بنيوي، والكل شركاء فيه".

ويحتل العراق المرتبة 157 (من 180) في مؤشر منظمة الشفافية الدولية عن "مدركات الفساد"، وغالبا ما تستهدف المحاكمات في قضايا الفساد، في حال حصلت، مسؤولين في مراكز ثانوية.

ويعتقد القاضي السابق، وائل عبد اللطيف أن المناكفات الحاصلة بين "النزاهة" و"المجلس الأعلى للقضاء" ترتبط "بغياب الاستقرار وتنظيم العمل في الدولة".

وبالإضافة إلى ذلك يؤكد أن "الفساد مستشر في الدولة العراقية"، وأن ما نراه الآن أيضا مرتبط بالصراع الحاصل بين القوى السياسية.

أما الخبير القانوني الدعمي فيؤكد أنه "يجب عدم المساس بالقضاء وإقحامه بالصراعات السياسية المعروفة أساساتها على اعتبار الفساد المستشري في الدولة العراقية".

ويعتقد الدعمي أن "الصراع الحاصل بين النزاهة والمجلس الأعلى للقضاء ينذر بكوارث"، ويعتبر أن "القضاء أسمى من أن يكون طرف بصراع سياسي أو مفسدة سياسية تقوم بها الكيانات والطبقة السياسية".