السوداني وإردوغان وقعا عدة اتفاقات
صورة أرشيفية للقاء سابق بين رئيس الوزراء العراقي بالرئيس التركي- تعبيرية

على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، تأسست تركيا الحديثة وتحولت من بلد يسيطر على العراق إلى بلد مجاور.

وطوال المائة عام الماضية تميزت العلاقات بين الدولتين بالتقلب بين الخلافات والتعاون في عديد من القضايا المتعلقة بالحدود والمياه والطاقة والأمن.

ولم يكن انفصال العراق عن الإمبراطورية العثمانية ودياً، فقد تطلبت اتفاقياتُ ترسيم الحدود سنوات طويلة من المفاوضات بين بريطانيا وتركيا وتطلبت في بعض من مراحلها تدخلاً مباشراً من محكمة العدل الدولية.

وما إن وقع البلدان اتفاقية "أنقرة" العام 1926 حتى امتدت الحدود المشتركة بين البلدين إلى أكثر من 350 كيلومتراً في مناطق جبلية شديدة الوعورة. ورغم مرور نحو مائة عام على تحول العراق وتركيا إلى دولتين جارتين، إلا أن الخلافات فيما بينهما ما زالت مستمرة، بعضها يتعلق بقضية الحدود الإدارية والحقوق التي تعتقد أنقرة أنها سُلبت منها. والبعض الآخر يتعلق بملف المياه بين بلد المنبع تركيا وبلد المصب العراق، وخلافهما الذي لا ينتهي حول الحقوق المائية لكلا الدولتين، فيما تحتل القضايا الأمنية وخلافات انتهاك السيادة حصة الأسد لدى الطرفين.

في هذا التقرير نتطرق إلى تلك القضايا وتطوراتها منذ الإعلان عن نهاية الحرب العالمية الأولى والمستمرة حتى يومنا هذا.

قضية الموصل

لم تكن تركيا تعتبر الموصل جزءاً من الأراضي العراقية، بل كانت تعتبرها جزءاً استراتيجياً وطريقاً تجارياً مهماً من كيانها حتى احتلتها بريطانيا مع نهاية الحرب العالمية الأولى لتتحول إلى جزء من الجغرافية المتنازع عليها والتي استبسلت تركيا للحفاظ عليه ضمن دولتها الحديثة.

لهذه الأسباب لم تنجح الأطراف المتنازعة على عائدية المدينة في مؤتمر لوزان العام 1923 بإيجاد حل لمشكلة الموصل التي تم ترحيلها إلى جولة جديدة لترسيم الحدود بين البلدين في غضون تسعة أشهر. ونظراً لعمق المشكلة أحيلت القضية إلى عصبة الأمم التي أحالتها بدورها إلى لجنة تحقيقية.

وعلى مضض، وقعت تركيا مرغمة اتفاقية أنقرة العام 1926 ، والتي اعتمدت خط بروكسل حدا فاصلا بين الدولتين. وتعهد كلا الطرفين بالحفاظ على وحدة البلدين والامتناع عن تغيير خط الحدود، وحسمت عائدية ولاية الموصل للعراق.

كما أقرت الاتفاقية منح العراق ما نسبته 10 % من عائدات نفط الموصل إلى تركيا لمدة 25 عاماً، واستمر العراق بتسليم حصة تركيا من نفط الموصل حتى توقف العام 1958 بعد إسقاط النظام الملكي وقيام الجمهورية في بغداد.

ورغم توقيع الاتفاقية إلا أن الأدبيات القومية التركية تتحدث عن الموصل وكأنها جزء مسلوب من تركيا، وهو ما قاله مؤسس الجمهورية التركية أتاتورك رداً على نواب من البرلمان التركي اعترضوا على الاتفاقية :"إن الموصل سترجع في الوقت المناسب".

ولم يتم إزالة عائدات الموصل من الميزانية التركية حتى العام 1986 بعد مباحثات بين البلدين  تتعلق بمضاعفة سعة أنبوب تصدير النفط من العراق عبر تركيا اتفق فيها الطرفان على إزالة العائدات وزيادة أسعار النقل الجديدة التي تتقاضاها تركيا لتتراوح بين 45 و75 سنتاً للبرميل الواحد.

مع ذلك لم يتم إزالة الفكرة من خطب السياسيين الأتراك، منها ما قاله الرئيس التركي السابق عبد الله غول، حينما كان وزيرا للخارجية العام 2003 "إن تركيا ستأخذ حقها من النفط في الموصل ضمن إطار حقوقي. وبعد مراجعة آراء السياسيين الأتراك فإن الجميع كانوا متفقين على تبعية الموصل إلى تركيا".

أزمة المياه

عانى العراق من أضرار قاسية بسبب المشاريع التركية على نهري دجلة والفرات والتي قلصت وارداته من المياه بشكل كبير،وأثرت على 40 % من الأراضي الزراعية وأضرت بحياة نحو عشرة ملايين فرد يعملون بالزراعة وتربية الحيوانات.

تعود الأزمة إلى ما بعد حصول العراق على استقلاله ومحاولاته توقيع اتفاقيات لتقاسم المياه بين البلدين. ففي أربعينات القرن الماضي عقد العراق مع تركيا معاهدة صداقة وحسن جوار ألحقت بها ستة بروتوكولات، تضمن الأول منها أحكاماً تتعلق بتنظيم الانتفاع بمياه نهري دجلة والفرات وروافدهما.

سمح البروتوكول للخبراء العراقيين بزيارة المواقع التي تقوم عليها أعمال المحافظة على المياه، بالإضافة إلى تزويد العراق بالخرائط والمعلومات الخاصة بالمشاريع التي تنوي تركيا إقامتها مستقبلاً على النهرين.

وفي عام 1972، وقع العراق مع تركيا بروتوكولاً للتعاون الاقتصادي والفني، تعهدت فيه تركيا بإطلاع الجانب العراقي على برنامج ملء خزان سد "كيبان"، من أجل تأمين احتياجات العراق من المياه، وأن يباشر الطرفان في أسرع وقت ممكن مباحثات حول المياه المشتركة.

وفي العام 1980 وقع الطرفان بروتوكولاً جديداً قضى بتشكيل لجنة فنية لتحديد الكمية المناسبة والمعقولة من المياه التي يحتاجها كلا البلدين، ونص على أن تقدم تقريرها خلال مدة سنتين، وهو ما لم يحصل.

تماطل تركيا في توقيع أي اتفاق لتقاسم المياه مع العراق.

 تصريحات المسؤولين الأتراك توضح أسباب ذلك دون أي تحفظ، منها تعليق للرئيس التركي سليمان ديميريل في عام 1993، خلال حفل افتتاح سد أتاتورك، حيث قال: "المياه التي تنبع من تركيا هي ملك لتركيا، والنفط هو ملك البلدان التي ينبع فيها، ونحن لا نقول لهم إننا نريد مشاركتهم في نفطهم، كما أننا لا نريد مشاركتهم مياهنا".

ويأتي الرأي التركي لقناعة مفادها أن نهري دجلة والفرات هما نهران يقعان تحت "السيادة المطلقة" لتركيا ما يتيح لها إقامة ما تشاء من مشاريع عليهما دون قيد أو شرط.

ونتيجة لهذا الرأي التركي بنت تركيا عشرات السدود والمشاريع على مجرى النهرين ما تسبب بمشاكل بيئية واقتصادية هائلة في العراق البلد الأكثر تضرراً من السياسة التركية المائية.

خرق السيادة

في سبعينيات القرن الماضي صدر قانون الحكم الذاتي للأكراد في العراق، وهي خطوة أثارت غضب أنقرة التي اعتبرت في الأمر تحريضاً لأكراد تركيا المطالبين بالاستقلال.

ونتيجة للإصرار التركي توصل الطرفان إلى اتفاقية منحت تركيا الحق بمطاردة المسلحين الأكراد داخل الأراضي العراقية.

ونتيجة للمطاردات التي استمرت لسنوات، حاول عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني- (المنظمة العسكرية الكردية مصنفة كتنظيم إرهابي من قبل تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي)- التوصل إلى اتفاق مع الحكومة التركية، فطالب بوقف إطلاق النار وتراجع عن المطالبة بدولة مستقلة وإقامة منطقة حكم ذاتي عوضاً عنها.

وهو ما رفضته أنقرة، وواصلت عملياتها العسكرية حتى اعتقاله وسجنه مدى الحياة.

استمر الحزب بنشاطه شمال العراق وازداد رسوخه بعد سيطرة داعش. بالمقابل استمر القصف التركي في عمق الأراضي العراقية.

قمة عراقية تركية
تركيا والعراق على "طاولة أمنية".. أوراق ومؤشرات على "مرحلة جديدة"
لا تعتبر القمة الأمنية التي تشهدها بغداد الخميس "حدثا اعتياديا" بين العراق وتركيا كما ينظر إليها مراقبون من كلا البلدين، ويرتبط ذلك بما سبقها من تمهيد وتلميح وزيارات انطلقت في غالبيتها من أنقرة ووصلت قبل يومين إلى الحدود التي دائما ما تشكّل أساس التوتر بينهما.

وكثيراً ما أخطأ القصف التركي أهدافه، وتسبب في مقتل مدنيين، أكثرها دموية كان العام 2022، عندما أدى هجوم صاروخي إلى مقتل تسعة أشخاص وإصابة العشرات من المصطافين بمحافظة دهوك، وتسبب بغضب شعبي وتنديد حكومي لانتهاك السيادة العراقية.

أضرار القصف التركي أعلنت عنها لجنة كلفت من قبل برلمان كردستان قبل أكثر من عام تحدثت عن إخلاء 500 قرية في محافظات أربيل وداهوك والسليمانية وحلبجة وسنجار، فيما تسببت الحرائق الناتجة عن القصف بخسائر تقدر بعشرات ملايين الدولارات.

وقد أصدرت رئاسة الوزراء العراقية عدة بيانات استنكار ضد القصف التركي المتكرر، أحدثها كان أواخر العام الماضي حين قالت بعد اجتماع للرئاسات الثلاث إن أي عدوان يستهدف أراضي البلاد :"يتنافى مع مبادئ حسن الجوار ويهدد أمن واستقرار البلاد والمنطقة".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

وسائل إعلام محلية وبرلمانيون يتحدثون أن موظفين في مكتب السوداني قُبض عليهم بتهم التجسس على مسؤولين كبار- أرشيفية
وسائل إعلام محلية وبرلمانيون يتحدثون أن موظفين في مكتب السوداني قُبض عليهم بتهم التجسس على مسؤولين كبار- أرشيفية

رفض مستشار سياسي لرئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني اتهامات ترددت في الآونة الأخيرة بأن موظفين في مكتب رئيس الوزراء تجسسوا وتنصتوا على مسؤولين كبار وسياسيين.

ومنذ أواخر أغسطس، تتحدث وسائل إعلام محلية وبرلمانيون عراقيون عن أن موظفين في مكتب السوداني قُبض عليهم بتهم التجسس على مسؤولين كبار.

وقال المستشار فادي الشمري في مقابلة مع إحدى جهات البث العراقية أذيعت في وقت متأخر من مساء أمس الجمعة "هذه كذبة مضخمة"، وهو النفي الأكثر صراحة من عضو كبير في فريق رئيس الوزراء.

وأضاف أن الاتهامات تهدف إلى التأثير سلبا على السوداني قبل الانتخابات البرلمانية المتوقع إجراؤها العام المقبل.

وتابع "كل ما حدث خلال الأسبوعين الأخيرين هو مجرد تضخم إعلامي يخالف الواقع والحقيقة".

وأثارت التقارير قلقا في العراق الذي يشهد فترة من الاستقرار النسبي منذ تولي السوداني السلطة في أواخر عام 2022 في إطار اتفاق بين الفصائل الحاكمة أنهى جمودا سياسيا استمر عاما.

وقال الشمري إنه تم إلقاء القبض على شخص في مكتب رئيس الوزراء في أغسطس، إلا أن الأمر لا علاقة له علاقة بالتجسس أو التنصت.

وأضاف أن ذلك الموظف اعتقل بعد اتصاله بأعضاء في البرلمان وسياسيين آخرين منتحلا صفة شخص آخر.

وأردف "تحدث مع نواب مستخدما أرقاما مختلفة وأسماء وهمية وطلب منهم عددا من الملفات المختلفة". ولم يخض الشمري في تفاصيل.

وتابع "لم يكن هناك تجسس ولا تنصت".