السنهودي متوسطاً جمال عبد الناصر ومحمد نجيب.
عبد الرزاق السنهوري متوسطاً جمال عبد الناصر ومحمد نجيب.

لعب الفقيه القانوني المصري عبد الرزاق السنهوري دوراً كبيراً في عمل بنية تشريعية قانونية بالعراق خلال سنوات استقلاله الأولى، فهو الذي قاد أول محاولة لصكِّ قانون مدني عراقي، وهو إن لم يُكملها لظروفٍ خاصة إلا أنه حينما أُتيحت له فرصة ثانية لاستكمال جهوده لم يتردد في إنجاز القانون حتى خرج إلى النور.

 

الزيارة الأولى

بحسب كتاب "الدكتور عبد الرزاق السنهوري: إسلامية الدولة والمدنية والقانون" للباحث محمد عمارة، فإنه في أعقاب معاهدة 1930 التي منحت العراقيين الحق في تحديث تشريعاتهم القانونية وجّهوا دعوة للسنهوري للمشاركة في هذا الأمر.

وفي 1935 استُقدم لعمادة كلية الحقوق وبذل جهوداً كبيرة في وضع نظامها التعليمي بمعاونة عددٍ من كبار رجال القانون العراقيين وقتها، مثل: ياسين الهاشمي، رشيد الكيلاني، محمد زكي، منير القاضي، وفقاً لما ذُكر في مقدمة كتاب السنهوري "القيود التعاقدية على الحرية الفردية للعمل في القضاء الإنجليزي".

في كلية الحقوق العراقية درّس السنهوري طلابه مادة "أصول القانون"، كما أصدر مجلة "القضاء"، التي امتدح في مقدمتها "النهضة المباركة التي يعيشها العراق، وإذا كان في الماضي مهداً لقانون حمورابي ومنارة لفقه أبي حنيفة فهو اليوم يطمح لأن تكون له مكانة النهضة القانونية التي بدت تباشيرها بالشرق والغرب".

في هذا العام، بدأت أولى محاولات وضع مشروع القانون المدني، لكن السنهوري لم يُكمل المهمة بسبب مرض والدته فاضطر إلى العودة لمصر لمتابعة رحلة علاجها بعدما رشّح بدلاً منه الفقيه القانوني المصري عبد الحميد المتولي ليتولّى عمادة الحقوق من بعده.

عقب عودته إلى مصر اصطحب السنهوري معه العشرة الأوائل من أبناء كلية الحقوق في بغداد وألحقهم بكلية الحقوق بالقاهرة ليستكملوا دراستهم تحت إشرافه.

لاحقاً سيثبت "أبناء السنهوري" العراقيون براعة كبيرة، وقد صار أغلبهم من كبار الأساتذة الذين درّسوا القانون بالعراق لاحقاً.

 

قانون مدني عراقي شامل

في مذكراته أفسح السنهوري باشا المجال للحديث عن بعض ذكرياته بالعراق، فكتب في 19 يوليو 1943 ملاحظاته بشأن زيارته الثانية له قائلاً: "كلّفتني الحكومة العراقية بوضع مشروعٍ لقانون مدني عراقي، وأنا الآن في طريقي إلى العراق لأعرض على القوم ما أنجزت، هذا هو العمل الذي كنت أطمح إليه منذ عهد الشباب".

خلال هذه الفترة، كان السنهوري يعيش أزمة كبيرة بعدما اضطر لترك منصبه وكيلا لوزارة المعارف المصرية بعد وصول خصومه في حزب الوفد إلى السُلطة في أعقاب حادث فبراير 1942 الذي حاصر فيه الإنجليز قصر عابدين، وأجبروا الملك فاروق على تعيين مصطفى النحاس زعيم الوفد رئيساً للوزراء.

رغم أن السنهوري باشا في هذه السنة كان قد نجح في إنجاز ما اعتبره واحدا من أهم خطواته بالحياة، وهي وضع مشروع أول قانون مدني مصري، لحظة خلّدها شِعراً بقوله: (إذا افتخروا بمالٍ أو بجاهٍ\ فقانوني من الدنيا فخاري)، إلا أن النحاس لم يغفر للسنهوري خلافاته االسياسية معه فأطاح به من منصبه الحكومي.

في أعقاب تركه وظيفته الحكومية، مارس رجل القانون المصري المحاماة لفترة قليلة من الزمن إلا أنه لم يشعر بالراحة، فلم يستكمل العمل بها وعاش فترة عصيبة كتب عنها في شِعره بقوله "أشكو إلى الخمسين ما قاسيته\ في هذه الدنيا من الآلام".

أتى الحل من العراق بعدما تلقّى دعوة في 1943 لإعادة استكمال عمله الذي توقّف عنه منذ عدة سنوات عبر المساهمة في إعداد قانون مدني عراقي، وهي المهمة التي وافق عليها بحماس بسبب أمله في وضع قانون مدني شامل ومتطور ، وهو يقول: "الأمل يملأني أن أقدّم مشروع قانون مدني لا للعراق وحده بل لسائر البلاد العربية على أساس الفقه الإسلامي".

وبحسب عمارة، فإن العراق كان مهيئاً لاستقبال طموحات السنهوري في ابتكار قوانين مدنية مستمدة من أحكام الشريعة الإسلامية أكثر من مصر، لأن بلاد الرافدين لم تتقطع صِلتها بالقوانين الإسلامية بعدما ظلَّت محكومة بقواعد مجلة الأحكام العدلية العثمانية المستمدة من الفقه الحنفي. أما مصر فقد حرمها الإنجليز من هذه الفرصة، فعندما أخضعوها لسيطرتهم أداروا محاكمها وفق قانون مستمد من القانون الفرنسي.

وبحسب ما ذكره السنهوري في مذكراته فإن أول شيء فعله حينما وصل العراق زيارة قبر صديقه محمد زكي رئيس مجلس النواب، ووزير العدل العراقي الراحل. يحكي قائلا: "قليل من الناس أثّر في نفسي فقدهم، والمرحوم محمد زكي من هؤلاء، إنه أقرب إلى نفسي من أهلي".

مع وصوله إلى بغداد انكبَّ السنهوري باشا على دراسة الفقه الحنفي بشكلٍ أكثر تعمقاً ليفهم أكثر بنود المجلة العدلية العثمانية التي كانت تُعتبر القانون الذي يحكم المعاملات المدنية بالعراق. ومنها استوحى فكرته في وضع قانون عربي موحد والتي ظلَّ يُنادي بها طويلاً، إلا أنه لم يتمكن من تحقيقها.

يقول محمد عمارة: "في بغداد لقي السنهوري حفاوة نموذجية لم يجدها في مصر بسبب المضايقات الحزبية. طمع السنهوري أن ينجز عملاً كبيراً يكون أكثر تقدماً من القانون الذي وضعه لمصر".

وفي بغداد دارت الأمور كما تمنّى الخبير القانوني المصري بعدما تشكلت لجنة برئاسته لبحث مواد مشروع القانون ضمّت نوري القاضي (نائباً للرئيس)،  حسن سامي تاتار، أنطوان شماس، عبدالجبار التكرلي، كامل السامرائي، حسب ما ورد في الجزء الثالث من كتاب "معجم العراق: سجل تاريخي سياسي اقتصادي اجتماعي".

بدأت اللجنة اجتماعاتها بهدف وضع أول قانون مدني وسطي يتلاقى فيه الفقه الإسلامي مع الحداثة الغربية.

وضع السنهوري فقه أبي حنيفة نُصب عينيه وهو يعدُّ مواد قانونه، معتبراً أنه المذهب الأقرب للبيئة العراقية لأنه نشأ ونمَا في بيئتها. يقول السنهوري: "إن القانون هو نبت البيئة وغرس الأجيال المتعاقبة، من السفه أن نبدّد ثروة الأجداد ونعيش عالةً على غيرنا نتكفف".

خطّط القانوني المصري أن ينجز قانوناً عراقياً أكثر "أسلمة" في مواده من القانون الذي أنجزه في مصر ليكون النموذج الذي تحتذيه الدول العربية والإسلامية في قوانينها العصرية، كما كان يرى.

 

أزمة دبلوماسية لا تمنع إنهاء القانون

لم يشعر مصطفى النحاس رئيس وزراء مصر بالرضا عن تعيين خصمه في هذا المنصب القانوني الحساس بالعراق فطلبت الحكومة المصرية من نظيرتها في بغداد طرد السنهوري باشا، فرفض نوري السعيد رئيس الحكومة العراقية وقتها إجابة هذا الطلب، قاستشاط النحاس باشا غضباً وهدّد بقطع العلاقات الدبلوماسية بين مصر والعراق تماماً.

وبحسب ما ذكر المؤرخ العراقي عبدالرزاق الهلالي في كتابه "قال لي هؤلاء"، فإن هذه الأزمة انعكست على عمل وزارات أخرى مثلما جرى مع مديرية التربية والتعليم العراقية حين رغبت في تشكيل وفد من الطلاب العراقيين للعب مباريات رياضية مع نظرائهم في مصر.

رفضت القاهرة استقبال الوفد العراقي اعتراضاً على تصرفات "نوري باشا رئيس الوزراء الذي كان له ضلع في تهريب الدكتور السنهوري وتسفيره إلى العراق"، حسب ما نُقل إلى المسؤولين العراقيين وقتها.

بناءً على طلب نوري السعيد تدخّل سعد الله الجبري رئيس وزراء سوريا حينها لحلِّ هذه المشكلة فاقترح السماح للسنهوري باشا بالإقامة في دمشق، وبالفعل عاش بها بضعة أشهر، وواصَل اجتماعاته لوضع القانون المدني العراقي، بالإضافة لقانون مدني سوري أيضاً.

لم يرضَ النحاس بهذا الحل وأمر بمنع الأساتذة المصريين من السفر إلى العراق وبعث تهديداً مماثلاً إلى سوريا بضرورة طرده من دمشق، ولم تنتهِ هذه الأزمة إلا بعودة السنهوري إلى مصر ، ومنها أكمل كتابة مواد القانون العراقي سواء بزيارات قام بها بعض أعضاء لجنته إليه أم التراسل معه بشأنها بالبريد.

رغم الانتهاء من الصياغة الأولى للقانون في 1946 إلا أن تكرار حل مجلس النواب العراقي أعاق مناقشتها وإقرارها حتى صدر القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 مكوناً من 1383 مادة شملت جميع المعاملات القانونية المدنية عدا الوقف والأحوال الشخصية، وبعد مرور سنتين على نشره في الجريدة الرسمية أصبح هذا القانون ساري المفعول بالعراق.

 

الانتقام من النحاس بعد ثورة يوليو

لم يستمر الغضب الحكومي على السنهوري باشا طويلاً، فسرعان ما أُطيح بحكومة عدوّه اللدود مصطفى النحاس.

بعدها استعان مَن خلفوا النحاس في منصب رئاسة الحكومة بالسنهوري لشغل منصب وزارة المعارف عدة مرات خلال سنوات قليلة، ومع صعود حليفه النقراشي باشا إلى السُلطة ازداد الاعتماد عليه فترأّس وفد مصر في الأمم المتحدة لعرض قضيتها بمجلس الأمن حتى عُيّن رئيساً لمجلس الدولة في 1949 إلى أن  قامت ثورة يوليو التي دعّمها وقد  أعدَّ بنفسه وثيقة تنازل الملك فاروق عن العرش لابنه أحمد فؤاد.

من خلال قُربه من الضباط الأحرار وضع السنهوري للثورة المسوغات القانونية التي اعتمدت عليها لحلِّ مجلس النواب وحظر حزب الوفد ومنع أغلب زعماء البلاد السياسيين من ممارسة العمل العام، وعلى رأسهم النحاس باشا، إلا أن شهر العسل بينه وبين الضباط لم يطل كثيرًا.

مجموعة من تنظيم "الضباط الأحرار" بينهم جمال عبد الناصر ومحمد نجيب- أرشيف فرانس برس
كيف كانت مصر قبل اندلاع ثورة يوليو؟
لا يُمكن فهم ثورة 23 يوليو بمعزلٍ عن الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي عاشتها مصر ودفعت ضباط الجيش للتفكير في تدبير انقلابٍ يُطيح بالملك ويُنهي نظامه الحاكم بأسره، لبناء نظامٍ جديد يُصلح العوار الذي عرفته مصر في عهود أحفاد محمد علي.

عندما وقعت أزمة مارس بين نجيب وعبد الناصر عام 1954 دعّم السنهوري -ومجلس الدولة من خلفه- نجيب ومطالبه بعودة الديمقراطية فدبّر عبد الناصر تظاهرات اقتحمت مجلس الدولة واعتدت على السنهوري وانتهت الأزمة بعزله من منصبه وانتهاء دوره في السياسة المحلية.

وبعيدًا عن مصر، واصَل الفقيه القانوني نشاطه في الدول العربية فأعدَّ حزمة من القوانين المدنية في سوريا وليبيا والبحرين والكويت حتى آثر اعتزال الحياة العامة ومات عام 1971.

بحسب شهادة ضياء شيت خطاب، القاضي العراقي البارز، فلقد أحدثت وفاة السنهوري "هزة عنيفة" بالعراق،. وكتبت عنه الصحف، وتناقل الراديو والتلفزيون الخبر، ونعاه وزير العدل العراقي وأرسل برقية عزاء لنظيره المصري، كما أُقيمت حفلة تأبين له تُليت بحقه كلمات الرثاء الطويلة.

وبعث الوزير خطاب رسالة إلى زوجة السنهوري يخطرها فيها بأنه ينوي تأليف كتابٍ عن حياته ويطلب مساعدتها لتزويده بما تملكه من مواد تعينه على إتمام هذا العمل.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.