تقول المنظمات الحقوقية أن العديد من المحكومين بالإعدام أدينوا عبر انتزاع اعترافاتهم قسرا.

تثير أحكام الإعدام في العراق الجدل محليا ودوليا، خاصة في ظل تقارير المنظمات الحقوقية التي تشير الى أن العديد من المحكومين بالإعدام أدينوا عبر انتزاع اعترافاتهم قسرا تحت التعذيب، وجرى اعتقالهم عبر وشاية المخبر السري.

وأعلنت منظمة العفو الدولية في بيان، الأربعاء الماضي، أن السلطات العراقية اعدمت ما لا يقل عن 13 رجلاً في 22 أبريل الحالي، في سجن الناصرية المركزي المعروف بـ"سجن الحوت" في محافظة ذي قار جنوب العراق، عقب إدانتهم بتهم الإرهاب، مشيرة الى أن التهم الموجهة للمعدومين كانت "فضفاضة وغامضة".

وأعربت المنظمة عن شكوكها من العدد المعلن للمعدومين، معربة عن قلقها من احتمال إعدام عدد أكبر من الأشخاص سراً وسط انعدام مثير للشفافية فيما يتعلق بعمليات الإعدام في العراق في الأشهر الأخيرة.

وطالبت العفو الدولية الحكومة العراقية بوقف تنفيذ أحكام الإعدام فورا والعمل على إيقاف عقوبة الإعدام بالكامل.

وأوقف الحاكم المدني الأميركي في العراق "بول بريمر" عقوبة الإعدام بعد سقوط نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين عام 2003. لكن الحكومة العراقية المؤقتة أعادت في عام 2004 العمل بعقوبة الإعدام المنصوص عليها في قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969.

ويؤكد المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب  أن الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003 وحتى الآن لم تستجب لمطالبات الأمم المتحدة والدول والمجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية الدولية والمحلية بإيقاف عقوبة الإعدام بحق المعتقلين.

ويقول رئيس المركز، عمر الفرحان لـ"ارفع صوتك": "أعدمت الحكومة العراقية خلال الأشهر الماضية من العام الحالي 2024 ما لا يقل عن 150 شخصًا؛ وهي ماضية في تنفيذ هذه الإعدامات بوتيرة متصاعدة"، مشيرا الى أن البعض من المعتقلين في السجون العراقية يتركون دون رعاية صحية مع إهمال للمعتقلين المصابين بأمراض خطيرة.

ويصف الفرحان عمليات الإعدام المنفذة بشكل ممنهج في أعقاب المحاكمات بـ"بالغة الجور"، مشيرا الى أن الحكومة العراقية أعدمت في فبراير الماضي نحو 50 معتقلا في سجن الناصرية.

وتمر أحكام الإعدام في العراق بمجموعة من الإجراءات القانونية، منها مصادقة رئيس الجمهورية  على الحكم قبل تنفيذه من قبل وزارة العدل.

ويلفت الخبير القانوني العراقي، محمد السامرائي، إلى أن نصوص قانون العقوبات العراقي رقم ١١١ لعام ١٩٦٩ تضمنت النص على عقوبة الإعدام في مواضع كثيرة، منها ما يتعلق بالمعاقبة على جرائم القتل العمد المقترن بالظروف المشددة، ومنها ما يتعلق بالجرائم الماسة بأمن الدولة وغيرها، إضافة الى ما تضمنته القوانين العقابية الأخرى، ومنها قانون مكافحة الارهاب الذي ينص على فرض عقوبة الإعدام في جرائم الانتماء والتعاون مع الجهات الإرهابية وارتكاب الجرائم الإرهابية.

ويضيف السامرائي لـ"ارفع صوتك": "صدرت المئات من قرارات الإعدام واكتسبت الدرجة القطعية ولم ينفذ الا القليل منها بانتظار مصادقة رئيس الجمهورية على تنفيذها وفقا لأحكام الدستور وقانون أصول المحاكمات الجزائية".

ويفسر الكثير ذلك التأخير أو الامتناع عن مصادقة رئاسة الجمهورية لأسباب تتعلق بوجود شبهات صدور الأحكام بالإعدام بنتيجة اعترافات انتزعت بالإكراه أو بناءً على وشاية مخبر سري أو إساءة استخدام السلطة من قبل بعض الجهات التحقيقية قبل أكثر من عشر سنوات خلال فترة الاحتقان الطائفي".

ويرى السامرائي إن عقوبة الإعدام هي عقوبة نص عليها القانون العراقي في مواضع كثيرة، ومن الطبيعي أنه بعد اكتساب أحكام الإعدام الدرجة القطعية يفترض أن تكون موضع التنفيذ وهو من اختصاص وزارة العدل بعد اكتمال الموافقات القانونية والدستورية.

وكشف وزير العدل، خالد شواني، في تصريح لقناة العراقية الإخبارية الرسمية، العام الماضي، عن وجود 8 آلاف مدان بقضايا الإرهاب محكومين بالإعدام، لافتا إلى أن تنفيذ أحكام الإعدام يتم بقرار من رئاسة الجمهورية، ولا يخضع لتوجيهات أو ضغوطات سياسية.

من جهتها، كشفت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في مارس الماضي عن تلقيها رسالة من مكتب رئيس الجمهورية توضح الخطوات التي اتخذها مكتبه لضمان حقوق الأشخاص الذين يواجهون عقوبة الإعدام، بما يشمل تخصيص عنوان بريد إلكتروني يمكن للمحكوم عليهم بالإعدام أو عائلاتهم أو وكلائهم من خلاله تقديم طلبات إعادة المحاكمة؛ وتشكيل غرفة عمليات مشتركة مع وزارة العدل والداخلية ومجلس القضاء الأعلى ومستشارية الأمن القومي لمتابعة إطلاق سراح من انتهت مدة محكوميته، أو من صدر قرار بالإفراج عنه ولم يُطلق سراحه؛ وإعداد مشروع قانون العقوبات العراقي الجديد والذي من شأنه التخفيف من حالات الأحكام بالإعدام،

لكن الإعدامات الأخيرة التي شهدها العراق خاصة الإعدامات المنفذة في أبريل الحالي، يقول نشطاء ومحامون، تظهر عدم تنفيذ أي من الخطوات التي أشار اليها مكتب رئيس الجمهورية في رسالته لمنظمة "هيومن رايتس ووتش".

وأضاف هؤلاء النشطاء في حديثهم لمنظمة العفو الدولية أن العشرات من المعتقلين الإضافيين قد أُعدموا منذ 10 أبريل الماضي، وأن السلطات لم تعطِ إشعارًا مسبقًا للسجناء، أو لأسرهم ومحاميهم.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".