جرف الصخر تتحول لقاعدة عسكرية إيرانية في العراق. أرشيفية
الحرة تتحرى تفتح ملف جرف الصخر العراقية وأهميتها العسكرية

في برنامج "الحرة تتحرى" استعرض الجزء الأول من تحقيق "جرف الصخر العراقية... العودة الممنوعة " قصة أهالي جرف الصخر في العراق، الذين أصبحوا نازحين في بلدهم، ورغم مرور 10 سنوات على تحرير المنطقة من داعش تعتبر العودة لبلداتهم محرَّمة عليهم.

وفي الجزء الثاني القصة، يستعرض برنامج "الحرة تتحرى" الأهمية العسكرية للمنطقة باعتبارها مركزا للتصنيع الحربي أكان في عهد النظام السابق، أو بعدما أصبحت خاضعة لسيطرة الميليشيات الموالية لطهران، والتي يصفها البعض بأنها أصبحت "قاعدة عسكرية إيرانية" داخل العراق.

جرف الصخر هي واحدة من خمس نواحٍ في قضاء المسيب في العراق، تتبع إداريا محافظة بابل، وتقع على بعد نحو 60 كلم جنوب غرب بغداد. تضم عدة قرى وبلدات، من بينها واحدة تحمل اسمها، وتعد المركز الإداري للناحية.

في أواخر أكتوبر من عام 2014، أصبحت جرف الصخر ضمن قائمة المناطق العراقية المحررة من تنظيم داعش، لكن تزامن ذلك مع إخلاء لسكان الناحية على يد قوات الحشد الشعبي.

مايكل نايتس، زميل بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، قال لـ"الحرة" إنه في عام "في 2014 ولموقعها الاستراتيجي جنوب بغداد، استولت قوات الحشد الشعبي على جرف الصخر، واتخذتها قاعدة عسكرية ومنذ ذلك الحين بقيت المنطقة تحت سيطرة الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، وتعد واحدة من أضخم ثلاث قواعد لتلك الميليشيات في العراق".

مقربون من الحشد الشعبي أكدوا دخول الحشد الشعبي جرف الصخر، وقال المحلل السياسي العراقي، مفيد السعيدي: "دخلت قيادات الحشد الشعبي، وألوية الحشد الشعبي، بعد أن ذهب أكثر من ثلث مساحة العراق في يد عصابة داعش الإجرامية. القوات الأمنية بصورة عامة، والمنظومة السياسية، وحتى منظومة الحشد الشعبي، هي دفعت الدماء وضحت، ولازالت تضحي، من أجل لملمة شتات الوضع العراقي، ودحر العصابات الإجرامية بصورة عامة".

سبع سنوات مرت على إعلان الحكومة العراقية الانتصار على تنظيم داعش، وانتفى السبب وراء دخول قوات الحشد الشعبي إلى جرف الصخر ، ولكن إلى اليوم لا يزال المكان تحت سيطرة كاملة للفصائل المسلحة، وسكانه مهجرين بعيدا عن منازلهم، وقد يعود ذلك إلى المكانة العسكرية والاستراتيجية لهذه المنطقة.

سامي الجارالله، عالم فيزياء عراقي يقول لـ"الحرة" إن "جرف الصخر تقع عليه ثلاث منشآت مهمة وهذه مجهزة أبنية كاملة جاهزة، وهي مخصصة للأمور العسكرية. هي كانت مبنية بناء جيدا جدا، ومسيَّجة، من ناحية الخدمات، كلها جاهزة، ككهرباء، كمياه المجاري (الصرف الصحي)، كل شيء فيها، كل الخدمات، التي يتم احتياجها هي موجودة، وممكن أن تكون معسكرا كاملا".

المدير التنفيذي لمركز جنيف الدولي للعدالة، ناجي حرج، يقول: "المعلومات لدينا هي أنه استخدمت بعض المصانع القديمة، التي كانت تابعة للدولة قبل عام 2003، وأنه يجري التعاون مع الحرس الثوري الإيراني في كل هذه القضايا. عندما لا يسمح لأي مسؤول عراقي بالذهاب إلى جرف الصخر، والتجول في جرف الصخر، وعندما لا يسمح للأهالي بالعودة، إذاً هنالك أمر خطير جدا يجري إخفاؤه".

النائب العراقي السابق، محمد سلمان الطائي، يشير من جانبه إلى انتهاء عمليات التحرير "ولم يسمح للسكان بالعودة إلى مزارعهم، وإلى بيوتهم، وإلى مساكنهم، مثلما سمح لمئات الآلاف من النازحين، من العمليات العسكرية في باقي المحافظات".

رئيسة لجنة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي المعنية بالاختفاء القسري، باربرا لوشبيهلر، ذكرت أنه "أحيانا يخرج الأشخاص الذين يتحكمون في المنطقة لنقل ميليشيات معينة، ويهددون علنا أي مسؤول عراقي 'إذا اقتربت من المكان ستندم'، وهذا يعني أن الناس خائفون جدا من الذهاب إلى جرف الصخر، أو حتى التعامل مع هذا الملف".

توجهت "الحرة" بسؤال للمحل السياسي، السعيدي، عن أسماء الفصائل الموجودة في جرف الصخر، لكنه رفض تسمية أي منها، ولفت إلى أنه "في تلك المنطقة، ألوية حشد شعبي، لا أريد أن أسميها".

متابعون للملف أكدوا أن أكثر الميليشيات سيطرة على المنطقة هي: كتائب حزب الله، المدرجة منذ عام 2009 على القوائم الأميركية للمنظمات الإرهابية العالمية.

ويقول نايتس: "تأسست كتائب حزب الله على يد أبو مهدي المهندس، الحليف الأكثر ولاء لإيران داخل العراق، والذي عمل بشكل مباشر مع الجنرال قاسم سليماني، وعندما دخلت قوات الحشد الشعبي جرف الصخر، عام 2014، شكلت هذه الكتائب قوة القتال الرئيسية، فحصلت على هذه المنطقة القيّمة جنوب بغداد، لأنها كانت أهم ميليشيا عراقية مدعومة من طهران".

واحتفاءً للميليشيات بالسيطرة الكاملة، غيرت قوات الحشد الشعبي اسم الناحية إلى جرف النصر وأعلنتها منطقة مغلقة يُمنع دخولها.

ويلفت تقرير معهد دراسات الحرب الأميركي إلى أن "جرف الصخر، كانت في السابق، منطقة ذات غالبية سنية لتصبح اليوم ذات أغلبية شيعية، تهيمن عليها كتائب حزب الله وتمنع السكان السنة من العودة، وتبعد قوات الأمن العراقية الأخرى عن المنطقة، لإخفاء أنشطتها عن حكومة بغداد".

ويوضح نايتس "لم تدمر قوات الحشد الشعبي جرف الصخر عندما اقتحمتها، بل على العكس فبعد طرد السكان، هيمنت تماما على المنطقة، لكن مع الحفاظ على البنى التحتية سليمة قدر الإمكان".

وهنا يطرح السؤال: لماذا كان هذا الحرص وسط قتال عنيف ضد عناصر داعش؟

ويقول نايتس إن "المنطقة المجاورة لجرف الصخر كانت مركز المجمع الصناعي العسكري في عهد صدام حسين، وبالتالي كانت موقعا للمنشآت، الخاصة باختبار القذائف والصواريخ".

ويؤكد ذلك الفيزيائي العراقي، الجارالله، الذي كان واحدا من العلماء الذين عملوا في مختبرات جرف الصخر قبل عام 2003، قائلا: "جرف الصخر تقع في شمال محافظة بابل. منطقة غالبيتها، هي منطقة زراعية. المكان الذي كنا فيه بعيد عن المنطقة الزراعية، بعيد عن النهر. كان اسم المشروع '190'، أو 'الأثير'. المنشأة الثانية 'الرحاب;، التي كانت تخص المختبرات البيولوجية، ومختبر ودائرة أخرى أيضا، تابعة لهيئة التصنيع العسكري، التي هي 'منشأة الشهيد'".

ولا تقتصر أهمية المنطقة على وجود المنشآت العسكرية فقط، بل تتضاعف باعتبارها كانت ساحة شاسعة لاختبار الأسلحة.

ويشرح العالم الجارالله "بعد جرف الصخر، داخلين إلى صحراء الأنبار، فمن هذا المنطلق، كانت هي ميدان رمي لفحص المنتج، المقذوفات والأعتدة، التي كانت تُصنع، فهذه المنطقة هي كانت متخصصة لفحص المقذوفات، بكل أنواعها تقريبا، التي (كانت) تنتج آنذاك بالعراق".

جرف الصخر تتضمن قواعد لتدريب المقاتلين . أرشيفية

هذه البنى التحتية الحربية، جعلت من جرف الصخر في نظر مراقبين موقعا جاهزا للاستخدام لمن يملك السيطرة الكاملة على المنطقة.
 
ويرى نايتس أن "المنطقة صالحة للاستخدام، أولا، هي مجهزة بتوصيلات الكهرباء الصناعية على شبكة الطاقة العراقية، وثانيا، بها مصانع كبيرة يمكن تنظيفها وإعادتها للعمل، ثالثا، هي تحتوي على منشآت ضخمة تحت الأرض محصنة ضد الهجمات العسكرية، وبالإمكان إخفاء الكثير داخل تلك الأنفاق الكبيرة كمراكز تصنيع الطائرات المسيرة والصواريخ".

جرف الصخر عبر الأقمار الصناعية

لا عودة لأهالي جرف الصخر. أرشيفية

ودخلت "الحرة تتحرى" جرف الصخر عبر العالم الافتراضي، من خلال صور الأقمار الصناعية بحثا عن أدلة على وجود أنشطة عسكرية بداخلها.

وفي صيف عام 2018 نشرت وكالة رويترز خبرا مفاده نقل إيران صواريخ باليستية لجماعات شيعية تقاتل بالوكالة عنها في العراق.

وأفاد التقرير "تطور إيران قدراتها على صنع المزيد من الصواريخ في العراق، لدرء الهجمات المحتملة على مصالحها في الشرق الأوسط، ولامتلاك وسيلة تمكّنها من ضرب خصومها في المنطقة".

بعدها بثلاث سنوات وفي الذكرى السابعة لتأسيسها استعرضت قوات الحشد الشعبي أسلحتها في عرض عسكري كان الأكبر من نوعه.

الأكاديمي والباحث السياسي الإيراني، حسين رويران، لم ينكر في مقابلة مع "الحرة" تزويد إيران الحشد الشعبي بالعتاد الحربي.

وقال رويران: "إيران ساعدت في بناء الحشد الشعبي، وقامت بتدريبه وتسليحه أيضا، جل السلاح الموجود بأيدي الحشد الشعبي هو إيراني".

لا أحد يستطيع دخول جرف الصخر عير الميلشيات الموالية لإيران. أرشيفية

إيران زودت الحشد الشعبي بالأسلحة الخفيفة، وكذلك بالمسيرات، وكذلك نعم حتى الصواريخ. وهذا ضمن صفقات سلاح بين الطرفين، من هنا هل يمتلك الحشد الشعبي صواريخ؟ نعم هو يمتلك صواريخ.

وفقا لتقرير معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، ومن بين أكثر من 60 فصيلا يشكلون الحشد الشعبي، تسيطر كتائب حزب الله على الإدارات الرئيسة، ومن بينها الصواريخ.

ويقول نايتس: "كتائب حزب الله مجموعة موالية جدا لإيران، فيلق القدس في الحرس الثوري بناها وطورها، أفرادها عراقيون، لكنها في الأصل وحدة تابعة لفيلق القدس داخل العراق، وهذا يعني أنها نادرا ما تفعل أي شيء بدون أوامر أو على الأقل موافقة طهران".

وأشار إلى "أن كتائب حزب الله تستخدم بشكل أساسي الطائرات المسيرة والصواريخ وأنظمة الراجمات المقدمة من إيران".

اليوم، وطبقا للخبراء، تفرض كتائب حزب الله سيطرة كاملة على جرف الصخر.

عالم الفيزياء العراقي، الجارالله، رجح تخزين الصواريخ الإيرانية في نفس المنطقة التي كانت قبل عام 2003 مركزا للصناعة الحربية العراقية.

وقال: "الصواريخ البالستية خزْنها، يكون له معايير معينة معين، وهذه المعايير موجودة في المباني، التي كنا فيها، في موقع الأثير، الذي كان يسمى موقع 190. فلذلك، إذا أرادوا البحث عن مكان، لوضع كل أنواع الأسلحة في مكان آمن وأبنية جاهزة، فهو جرف الصخر، وتحديدا موقع الأثير".

الميلشيات الموالية لإيران تسطير على جرف الصخر

بعض المتابعين للملف ربطوا بين ذلك وقرار صدر عن الحكومة العراقية، عام 2018، العام ذاته الذي ظهرت فيه أخبار عن نقل إيران لصواريخ إلى الميليشيات الموالية لها في العراق.

ويشير نايتس إلى أنه "بين عامي 2018 و2019 منعت حكومة عادل عبد المهدي الطائرات الأميركية المسيرة من التحليق فوق جرف الصخر، ما سمح خلال هذه الفترة بإخفاء عدد من شحنات الأسلحة الإيرانية في المنطقة، التي تعتبرها طهران مخزنا آمنا للصواريخ الباليستية في العراق، فهي تحتوي على عدد كبير من المباني الفارغة، ولا يسمح لأي مدني أو وسيلة إعلام بدخولها".

وتواصلت "الحرة" مع مستشارين للحكومة العراقية للتعليق ولكنهم اعتذروا لحساسية الموضوع.

ووسط إغلاق تام، دخلت "الحرة" إلى جرف الصخر عبر تطبيق غوغل إيرث، والذي أتاح فرصة مراقبة ورصد أي تغيير حدث في المنطقة.

حتى يوليو عام 2022، كانت منشآت التصنيع الحربي السابقة في أماكنها على مدى العقدين الماضيين، ما يجعلها وفقا لتحليلات متخصصين، مكانا مناسبا للميليشيات المسلحة.

ويقول نايتس من معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى: "لدى كتائب حزب الله عدد من القواعد داخل جرف الصخر من بينها مقر كبير للقيادة، هذه مبان محصنة فيها قسم للمستشارين الإيرانيين ومرافق اتصالات مؤمنة يمكنها استقبال البث المشفر من إيران، كما توجد عدة مراكز للتدريب بعضها مخصص للقناصة، ومشغلي الأسلحة الثقيلة والقوات الخاصة، فضلا عن مواقع للتدرب على تجميع وتشغيل الطائرات المسيرة".

جرف الصخر لم تعد تحت سيطرة الحكومة العراقية

على الرغم من إخلاء سكان الناحية بالكامل، وإعلان الميليشيات استمرار بقائها في جرف الصخر بحجة حفظ الأمن إلا أنه بالعودة إلى غوغل إيرث لوحظت حركة بناء في المنطقة خلال الأعوام الأخيرة.

إذ تظهر الخرائط موقعا قريبا من محطة توليد الطاقة والذي كان خاليا قبل دخول الحشد الشعبيا في  أكتوبر عام 2014، وبعدها بسنتين بدأ هذا المبنى في الظهور والتوسع.

لكن الدليل على وجود حركة نقل ضخمة من المنطقة وإليها يظهر في أرض خالية، في عام 2014، تحولت، بحلول عام 2018، إلى محطة لتفريغ عشرات الشاحنات ذات الحمولة المجهولة.

ويقول عالم الفيزياء، الجارالله: "بالإمكان استخدام المواقع الثلاثة، هذه الأثير 100 بالمئة يستغلونها، ساكنين بها. البقية هل هي يستخدموها أم لا؟ لكن كون هذه أبنية فعلا جاهزة، أنا لا أعتقد سيتركها، وإنما تستغل. لماذا؟ لأنها أفضل أبنية مؤثثة وضمن المعايير العسكرية، ولذلك هي تكون مطلوبة لهذا النوع من الخزن، الذي هو خزن الصواريخ البالستية، لأن قاعات ضخمة هي مخصصة لهذا الشيء".

في المقابل، ينفي مقربون من طهران والحشد الشعبي وجود أي قواعد أو قوات إيرانية لا في جرف الصخر ولا في العراق.

ويقول الباحث الإيراني، رويران: "ما يطرح أن إيران موجودة في بعض القواعد في جرف النصر، أو في أي مكان آخر، في تصوري هو يعني اتهام ترفضه إيران. نعم، لإيران حلفاء في العراق، ولكن ليس هناك من تواجد عسكري إيراني في أي قاعدة من قواعد الحشد الشعبي. تلتقي إيران أيديولوجيا مع الكثير من الفصائل في العراق، ولكن هذا لا يعني أن إيران متواجدة ميدانيا، أو تدير عمليات معينة من داخل العراق".

جرف الصخر بلدة تقع جنوب غرب العاصمة بغداد وخضعت لسيطرة تنظيم داعش قبل هزيمته

ربما لا توجد قوات لطهران على أرض العراق، لكن الدلائل تشير إلى أن الصواريخ المستخدمة في الهجمات على قواعد تستضيف قوات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة كانت صواريخ إيرانية.

في ربيع عام 2020، شنت كتائب حزب الله هجوما صاروخيا على قاعدة تستضيف قوات التحالف الدولي في معسكر التاجي شمالي بغداد ما أسفر عن مقتل ثلاثة جنود.

وردت الولايات المتحدة بقصف خمسة مواقع تابعة للميليشيا، من بينها جرف الصخر.

وقال بيان لوزارة الدفاع الأميركية آنذاك: "استخدمت الولايات المتحدة الطائرات لمهاجمة مواقع الأسلحة التابعة لميليشيا كتائب حزب الله المدعومة من إيران، موقعان في جرف الصخر، أحدهما لتخزين الصواريخ الثقيلة المطورة والآخر لإنتاج وقود الدفع وتخزين أسلحة تقليدية متقدمة".

وأضاف "نحن واثقون من أننا دمرنا هذه المنشآت بشكل فعال، ونتوقع أنها لن تكون قادرة بعد الآن على إيواء أنواع الأسلحة المتقدمة التي قدمتها إيران، واستخدمتها الميليشيا في الهجمات على معسكر التاجي".

بالرغم من ذلك استمرت هجمات الميليشيات على قواعد التحالف الدولي لتتصاعد إلى أكثر من 170 هجوم منذ خريف عام 2023.

وفقا لتقارير أميركية، لم تعد جرف الصخر مجرد مخزن للأسلحة الإيرانية، ويقول نايتس: "لدينا عدد من المناسبات التي تم فيها استخدام جرف الصخر كموقع إطلاق متقدم للصواريخ الإيرانية أو أنظمة الطائرات المسيرة، ونمتلك دليلا على ذلك وهو الخريطة التي أصدرتها وزارة الدفاع الأميركية، وتوضح أن الهجوم على قاعدة (تستضيف) التحالف في التنف في سوريا صيف عام 2022 حدث باستخدام مسيرة أطلقت من جرف الصخر".

معسكر الميليشيا في جرف الصخر تعرض للقصف في مارس الماضي

ويقول المدير التنفيذي لمركز جنيف الدولي للعدالة، حرج، إن "الميليشيات سيطرت على المدينة وهجرت الناس من المساكن. جرف الصخر أغلقت تماما بوجه عودة الناس الذين كانوا يسكنون فيها، إذا أنتم حررتم المدينة من الإرهابيين، والآن هنالك قرابة عشر سنوات من سيطرة مطلقة لكم (الميليشيات) على المدينة، ومداخلها ومخارجها، يفترض الآن أن المدينة آمنة جدا، وبالتالي لا بد أن يعود الناس إلى مساكنهم، وإلى قراهم، ويمارسوا حياتهم الطبيعية، بدلا أن يبقوا يعانون الأمرّين، كونهم الآن نازحين في مناطق أخرى".

وبعد عشر سنوات من تهجير أهالي جرف الصخر قد يكون أملهم في العودة بعيد المنال، فالأهمية الاستراتيجية والعسكرية لبلدتهم تحتّم عليهم البقاء نازحين داخل وطنهم ، أما الميليشيات ومن خلفها، إيران، فلا تبدي أي نية للجلاء عن المنطقة.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة احتجاجية في العاصمة العراقية بغداد حول تعديلات مقترحة على قانون الأحوال الشخصية
من تظاهرة احتجاجية في العاصمة العراقية بغداد حول تعديلات مقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية

 في مكتبها وسط العاصمة العراقية بغداد، تجتمع المحامية مروة عبد الرضا مع موكلها الشاب العشريني وزوجته (ابنة خالته)، اللذين يسعيان لتوثيق زواجهما المنعقد خارج المحكمة لصغر سن الزوجة (13 عاما)، وهي طالبة في السادس الابتدائي بمنطقة المدائن على أطراف العاصمة بغداد.

تقول عبد الرضا لـ"ارفع صوتك": "لا يمكن الحديث عن الزواج المبكر من دون أن يتم ربطه بشكل مباشر بالزواج خارج المحاكم لأنهما مرتبطان ببعضهما البعض".

بعد اكتشاف حمل الفتاة، قررت العائلة توكيل محام لتقديم طلب توثيق العقد. تضيف عبد الرضا "الإجراءات الحكومية بسيطة وغير معقدة في مثل هذه الحالات، فالقاضي يجد نفسه أمام الأمر الواقع بسبب حمل الفتاة، فيتم تصديق العقد وفرض غرامة أقصاها 250 ألف دينار على الزوج (نحو 150 دولاراً)".

الزيجة التي تشير إليها المحامية "ليست الأولى ولن تكون الأخيرة" على حدّ تعبيرها، "بل هي حالة اجتماعية متوارثة لاعتقاد سائد أن الرجل يرتبط بفتاة صغيرة ليقوم بتربيتها على ما يحب ويكره، لكن النتيجة كثيرا ما تكون سلبية بحسب القضايا التي تشغل أروقة المحاكم ونراها بشكل يومي. فالفتاة التي تتزوج بعمر الطفولة غير قادرة على استيعاب العلاقة الزوجية، وفي كثير من الحالات يكون الأمر أشبه بالاغتصاب".

تتحدث عبد الرضا عن ارتفاع كبير بنسب الطلاق في المحاكم العراقية: "كثير منها يكون نتيجة الزواج المبكر وتدخّل الأهل بسبب صغر أعمار الطرفين وهو ما يؤثر بشكل كبير على العلاقة الزوجية".

وتشير إلى أنه كثيرا ما يتم التزويج "لعدم وجود فتيات في منزل العائلة للرعاية والعمل المنزلي، فيكون مطلوب منها القيام بأعمال الكبار وهي بعمر الطفولة، وهذا أكبر من قدرة أي فتاة صغيرة".

ما تكشف عنه عبد الرضا تؤيده إحصاءات مجلس القضاء الأعلى، ففي شهر يوليو الماضي كان هناك 2760 عقد زواج خارج المحكمة، و1782 حالة طلاق خارج المحاكم و4562 حالة بتّ فيها، بعد رفع دعاوى قضائية.

وينقل المجلس الأعلى في أحد تقاريره عن القاضي عماد عبد الله قوله إن المحاكم العراقية "شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في حالات الطلاق. وأهم الأسباب ترجع إلى حالات الزواج المبكر التي تفتقر لمتابعة الأهل، وعدم توفر الاستقرار المالي الذي يسمح بإنشاء أسرة بالإضافة إلى التأثر بالسوشيال ميديا".

A woman holds up a sign reading in Arabic "the marriage of minors is a crime in the name of safeguarding (honour)", during a…
"خارج السرب".. رجال دين يعارضون تعديلات "الأحوال الشخصية"
مع أن طرح التعديلات على قانون الأحوال الشخصية العراقي لعام 1959، يحظى بدعم كبير من غالبية رجال الدين الشيعة والسنة في العراق، إلا أن بعض رجال الدين من الطائفتين، غردّوا خارج السرب وسجّلوا مواقف معارضة للتعديلات على القانون.

تداعيات الزواج خارج المحاكم

تتحدث شابة فضّلت عدم الكشف عن اسمها لـ"ارفع صوتك" عن سنوات طويلة حُرمت فيها من أبسط حقوقها، فلم تتعلم القراءة والكتابة، ولم تنل رعاية صحية لائقة، فقط لأن زواج أمها المبكر وإنجابها لها وهي في عمر صغير، جعلها من دون أوراق ثبوتية.

"تزوجت والدتي بعقد خارج المحكمة بعمر صغير، وانفصلت بعد أشهر قليلة عن والدي لعدم انسجامهما معاً، لتكتشف حملها بي"، تروي الشابة.

وضعت الأم حملها وتزوجت مرة ثانية، ورزقت بالمزيد من الذرية. تبين: "لم يتم إصدار أوراق ثبوتية لي، فحُرمت من التعليم ومن الرعاية الصحية، وكنت أحياناً استعين ببطاقة شقيقتي الأصغر للحصول على العلاج في المستشفيات".

توفيت والدتها التي قابلناها لصالح تقرير سابق قبل ثلاث سنوات، وفي أوائل العام الحالي وهي بعمر 23 عاماً تزوجت الشابة بعقد خارج المحكمة، واليوم تسعى لاستخراج هوية الأحوال المدنية لتوثيق زواجها "لا أريد أن تتكرر مأساتي مع أطفالي أيضاً".

من جهته، يقول المحامي خالد الأسدي لـ"ارفع صوتك" إن قضايا الزواج والطلاق خارج المحكمة في أغلبها تكون "بسبب صغر عمر الزوجة أو للزواج الثاني، كون القضاء يطلب موافقة الزوجة الأولى، ونتيجة لذلك أصبح لدينا جيش صغير من الأطفال غير الموثقين رسمياً والمحرومين من أبسط الحقوق".

الزواج المبكر كما يشرح الأسدي "لا يقتصر على الإناث فقط بل يشمل الذكور أيضاً، فقانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 اعتبر سن الثامنة عشرة هو سن الأهلية القانونية لإجراء عقد الزواج".

القانون ذاته وضع استثناءات، يفنّدها الأسدي "فقد منح القاضي صلاحيات تزويج من أكمل الخامسة عشرة من العمر وقدم طلباً بالزواج، وفق شروط تتعلق بالأهلية والقابلية البدنية التي تتحقق بتقارير طبية وموافقة ولي الأمر". 

ستابع الأسدي "هذا الاستثناء لا يشجع زواج القاصرين قدر تعلق الأمر بمعالجة حالة اجتماعية بطريقة قانونية تتيح فيه القرار للسلطة القضائية".

مع ذلك، فما كان مقبولاً في الفترة التي تم تشريع القانون بها، لم يعد مقبولاً في الوقت الحالي؛ كون المسالة تتعلق برؤية اجتماعية جديدة فيها جوانب اقتصادية وتغيرات اجتماعية كبيرة شهدها العراق خلال العقود الستة الأخيرة، بحسب الأسدي.

 

قصص

لم تكن أم علي تتجاوز 14 عاماً حين تم تزويجها إلى ابن عمها، كان ذلك أواخر تسعينيات القرن الماضي. واليوم تواجه "مشكلة"، إذ تم الاتفاق - دون رغبة الأم- على تزويج ابنتها البالغة من العُمر 14 سنة.

عدم رغبة الأم هي نتيجة مباشرة لما تعرضت له خلال رحلة زواجها الطويلة. تقول أم علي لـ"ارفع صوتك": "صحيح أنني أمتلك عائلة وأبناء وبنات أصبح بعضهم بعمر الزواج. لكن، لا أحد يتحدث عن مرارة الرحلة".

وتوضح "أنا وزوجي كنا بعمر متقارب ومن عائلتين فقيرتين. بعد زواجي بشهر واحد حملت بطفلي الأول.. كنا مجرد طفلين نعتمد على مصروف يوفره والده، أو أعمال متقطعة في مجال البناء، ولم يأت الاستقرار إلا بعد عشر سنوات حين تطوع في الجيش، وأصبح لديه راتب ثابت وبات قادراً على الإنفاق".

على الرغم من عدم رغبتها بخضوع ابنتها للتجربة ذاتها، تقول أم علي "التقاليد والأعراف لا تسمح لنا بذلك، لا أريد لابنتي أن تواجه المصير ذاته ولكن ليس بيدي حيلة وليس لنا رأي".

على عكس حكايتها، تقول أم نور  إن أحداً لم يجبرها على الزواج حين كانت بعمر السادسة عشرة، مردفة "كل فكرتي عن الزواج كانت ترتبط برغبتي بارتداء فستان أبيض، وأن الجميع سيرقصون من حولي، لكن سرعان ما اكتشفت أنّي لم أكن مؤهلة لتكوين عائلة".

في العراق كما تشرح أم نور وهي على أعتاب الستين " كثيراً ما يكون الزواج مبكراً، ودون أن تكون هناك فكرة حقيقية عن المسؤولية ومدى قدرتنا على تحملها، أو تربية أطفال والتعامل مع بيئة جديدة مختلفة عن التي تربينا فيها بعد الانتقال إلى منزل الزوجية".

أفكار نمطية                       

الموروث الثقافي كما يرى أستاذ الاجتماع رؤوف رحمان يلعب دوراً كبيراً فيما يتعلق بالزواج المبكر للإناث والذكور بشكل عام في العراق.

يقول لـ"ارفع صوتك" إن البيئة العراقي التقليدية "تربّي الفتاة على أنها غير مؤهلة لإدارة شؤونها، فيكون مصيرها مرهوناً بقرار العائلة التي تفضّل تزويجها مبكرا لأنها مرغوبة اجتماعياً ومطلوبة للزواج ما دامت صغيرة في السن، وتقل حظوظها كلما تقدمت في العُمر".

في حالات كثيرة يذكرها رحمان "تسعى الفتيات للارتباط حين تفتقد الأسرة إلى الانسجام، أو للتخلص من العنف الأسري والفقر، خصوصاً ضمن العائلات الممتدة والريفية أو في أحيان أخرى للحصول على مهرها".

ويرى أن الزواج المبكر في العراق يرتبط أيضاً "بالعنف والصراعات والحروب المستمرة، فعدم الاستقرار الأمني يدفع العوائل لتزويج الفتيات بعمر مبكر للتخلص من مسؤوليتهن".

أما في ما يتعلق بالزواج المبكر للذكور، فيشير رحمان إلى وجود "فكرة خاطئة مفادها أن تزويج الذكر بعمر صغير يقيه من الانحراف أو الوقوع في المشاكل عندما يكون مسؤولاً عن زوجة وأطفال بعمر مبكر".

كل هذه التقاليد والأعراف النمطية المتوارثة تشكّل بحسب رحمن "مواطن الخلل في المجتمع، فنحن اليوم بحاجة إلى ثقافة مختلفة تماماً، في زمن تغيرت طبيعة الحياة فيه من ريفية بسيطة إلى مدنية معقدة، غزتها وسائل التواصل وغيرت الكثير من أساليب العيش وسط أزمة اقتصادية خانقة وزيادة مرعبة بأعداد السكان".

جزء من الحل كما ترى المحامية مروة عبد الرضا، يكمن في "تثقيف الشباب من الإناث والذكور عن الحياة الزوجية والمسؤولية المترتبة عن إنشاء أسرة عبر دروس ضمن مناهج وزارة التربية، ومحاضرات من الباحثين الاجتماعيين ضمن المحاكم العراقية قبل عقد القران، لتأهيل وتوعية المقدمين على الزواج".