طلبت الحكومة من البعثة إنجاز أعمالها في مدة أقصاها 31 مايو 2026.

نشرت بعثة الأمم المتحدة في العراق "يونامي" تقريراً مطولاً لتقييم عملها خلال العشرين عاماً الماضية تحدثت فيه عن "تهديدات" و"تحديات" تواجه استقرار العراق، معربة عن مخاوفها من أن يؤدي التصعيد في المنطقة إلى "إعادة العراق إلى الوراء".

وجاء التقرير لتقييم عمل بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق "يونامي"، رداً على طلب تقدمت به حكومة بغداد لتخفيف عمل البعثة وصولاً إلى إنهاء أعمالها في غضون عامين.

وبناء على التقرير، فقد طلبت حكومة محمد شياع السوداني من البعثة  بشكل رسمي  أن تنجز عملها في مدة أقصاها 31 مايو 2026، والبدء بتقليص صلاحياتها، وحصرها في القضايا الإنسانية والتنموية بدءاً من 31 مايو 2024.

وقدمت "يونامي" في تقريرها رؤيتها حول أوضاع العراق، واستنتجت أن استقرار البلد تهدده ثلاث ظواهر، هي: "هشاشة المؤسسات" و"انتشار الجهات الفاعلة المسلحة" و"إمكانية نشوء داعش جديد أو أشكالا أخرى من الإرهاب والتطرف".

وتحدث التقرير عن ثلاثة تحديات تواجه استقرار العراق، وهي "الأعمال غير المنجزة"، و"أنشطة الجهات الفاعلة الخارجية"، و"العوامل الهيكلية ونظام المحاصصة"".

 

التهديدات

يقول التقرير إن العراق واجه منذ إنشاء بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى العراق في عام 2003، سنوات من العنف وانعدام اليقين والتغيرات الهيكلية.

أما اليوم، فالعراق بلد ذو سيادة. لديه مؤسسات دولة ذات أداء فعال ونظام سياسي يقوم على الديمقراطية التشاركية بين الفئات المختلفة، وهو موطن لعملية سياسية تعددية، ويقبل قادته المجتمعيون والسياسيون ضرورة التمسك بالمبادئ الأساسية للديمقراطية والحكومة الرشيدة وحقوق الإنسان في العراق الجديد.

ومع ذلك، يؤشر التقرير على وجود "شواغل" من تبدل مسار التقدم المحرز -حتى الآن- تغذيها الأحداث التي وقعت بعد الانتخابات، ومخاوف من إمكانية أن تهيمن مجموعة واحدة على النظام السياسي الحالي، إضافة إلى مخاوف من أن يؤدي التصعيد الجديد في المنطقة إلى "إعادة العراق إلى الوراء".

ومع إحراز الحكومات المتعاقبة تقدماً نحو بناء مؤسسات دولة ذات أداء فعال، تطورت الأخطار التي تهدد سلام وأمن العراق، فالبلد جزء من منطقة متقلبة، وقد أسهم في بعض الأحيان هو ذاته بنصيب في هذا التقلب.

وخلص التقرير إلى استنتاج مفاده أن استقرار البلد اليوم تهدده أساساً ثلاث ظواهر:

أول هذه التهديدات تتمثل في "هشاشة المؤسسات" التي يمكن أن تتطور لتشكل تهديد خطير لسلام وأمن العراق، ومنها الرد العنيف على الاحتجاجات، أو الاستشهاد بنصوص قانونية من "عهد صدام" في أحكام المحاكم، أو توزيع الوظائف على أساس عرقي وطائفي.

ويرى التقرير أنه ما لم تبذل جهود وطنية متواصلة لتوطيد مؤسسات الدولة وممارساتها الديمقراطية، فإن الهشاشة الفعلية والمتصورة للمؤسسات الوطنية أو دون الوطنية يمكن أن تتطور لتشكل تهديداً خطيراً لسلام وأمن العراق.

أما التهديد الثاني فيتعلق بانتشار "الجهات الفاعلة المسلحة"، إذ أنه رغم السلام النسبي في البلاد فإن غياب احتكار الدولة لوسائل العنف المشروعة في جميع أنحاء البلاد يدعو إلى القلق، كما أنه يتعارض مع الفهم التقليدي لمكونات الاستقرار والأمن الداخليين.

ويتلخص التهديد الثالث بإمكانية" نشوء داعش جديد أو أشكالا أخرى من الإرهاب والتطرف العنيف".

 

هشاشة

وسجلت "يونامي" قدرة متزايدة للحكومة العراقية على "إدارة الأزمات بعنف أقل" وهو ما رصدته على الأقل خلال الـ18 شهراً الماضية.

وقالت إن العلاقات المعقدة داخل الجماعات الطائفية والعرقية وفيما بينها باتت تدار من قبل مؤسسات رسمية وغير رسمية، وأنه على الرغم من الضغوطات المتزايدة تواصل منظمات المجتمع المدني عملها.

ومع ذلك، سجل التقرير "مخاوف" مبعثها أن المؤسسات التي تحكم العمليات السياسية والاجتماعية الاقتصادية في البلد لا تزال "هشة"، وخشية ممثلي المجتمعات الصغيرة والجهات الفاعلة السياسية التي تعرف نفسها بأنها خارج دائرة العمل السياسي العرقي والطائفي من أن تكون المؤسسات بشكلها الحالي غير قادرة على حماية استقرار البلد.

ولا تزال هناك مخاوف من أن يؤدي نظام "الديمقراطية التشاركية" بين الفئات المختلفة لتقاسم السلطة الذي ساعد المجتمع الدولي على بنائه في العراق إلى خنق الديمقراطية والحوكمة الرشيدة.

ومع التسليم بأن المناصب الحكومية تقسم بين ممثلي الطوائف المعرفة بأنها مجتمعات عرقية أو طائفية، فإن سلطات صنع القرار تتركز في الغالب بيد الأحزاب التابعة للإطار التنسيقي الشيعي، وهو الكتلة السياسية التي تشكل حاليا الأغلبية البرلمانية.

ويوجه التقرير اللوم إلى الطريقة السائدة لتخصيص المناصب في الحكومة والخدمة العامة على أساس الانتماء العرقي والطائفي (المحاصصة) في ترسيخ التحزبات السياسية التي يمكن القول إنها تحد من المساءلة.

ورصد التقرير شعور معظم العراقيين بالارتياح إزاء حالة السلام النسبي، إلا أنه في الوقت نفسه يؤكد أن غياب احتكار الدولة لوسائل العنف المشروعة في جميع أنحاء العراق يتعارض مع الفهم التقليدي لعنصر رئيس من عناصر الاستقرار الداخلي.

ويرى التقرير أنه رغم أن العديد من الجماعات المسلحة تشكل جزءاً من الهيكل الأمني للدولة، لكن هناك مقولات تتحدث عن أن ولاءها الأكبر هو لفرادى الشخصيات السياسية أو الجماعات السياسية، في الوقت الذي لا تمتد الجهود الجارية لإصلاح قطاع الأمن لتشمل جميع الجهات الأمنية الفاعلة في العراق وهو وضع عام يشكل تهديداً كبيراً لاستقرار البلد.

ويقول التقرير إنه على الرغم من أن تنظيم داعش لم يعد يسيطر على الأراضي، إلا أنه لا يزال يحتفظ بخلايا نشطة في جميع أنحاء العراق وهو ينفذ هجمات إرهابية متفرقة.

ومع أن عودة ظهور داعش -بشكله السابق- أمر "غير مرجح"، فإن الأسباب الجذرية للتطرف العنيف لا تزال قائمة، وتظل هذه الأسباب خطراً يهدد سلام وأمن العراق، وتشمل هذه الأسباب وضعاً لم يتم حله ألا وهو وضع آلاف العراقيين الذين لهم صلات فعلية أو متصورة بتنظيم داعش وأسرهم في كل من سوريا والعراق.

التحديات

رصد التقرير ثلاثة تحديات تواجه استقرار العراق إذا ما أُهملت، وعلى الرغم من أنها لا تشكل تهديداً لسلام وأمن العراق في الأجل القصير أو المتوسط، إلا أنها تستطيع توسيع دائرة النزاعات التي تشعل فتيلها أسباب أخرى، وتنقسم إلى ثلاث مجموعات:

أول هذه التحديات هو "الأعمال غير المنجزة" مثل العلاقات بين بغداد وأربيل، والعلاقة بين الحزبين الرئيسين في الإقليم، وسن قانون النفط والغاز.

والتحدي الثاني فهو "أنشطة الجهات الفاعلة الخارجية في العراق"، والتي تتمثل بالطابع العابر للحدود، كالإرهاب أو التطرف أو الاتجار بالمخدرات والوضع المضطرب في سوريا، وعمليات القوات التركية والهجمات الخارجية من قبل إيران والولايات المتحدة داخل العراق، والتي يعتبرها العراق انتهاكاً لسيادته.

أما التحدي الثالث فيتعلق بـ "العوامل الهيكلية"، ومنها استخدام نظام المحاصصة في توزيع المناصب، والاعتماد المفرط على النفط في إيرادات الدولة، وعدم قدرة التخصيصات المالية الكبيرة لتحسين البنية التحتية على إيقاف "تعميق الفقر" كون النمو والفرص الاقتصادية لا تتناسب مع الزيادة في عدد السكان، وتحديات تغير المناخ واستمرار التصحر وندرة المياه والتلوث وملوحة التربة.

الأمن والسياسة

أشار التقرير إلى أن الحكومة العراقية لا تسيطر على جميع الجهات الفاعلة العسكرية والأمنية في البلد، علاوة على جماعات مسلحة أجنبية مثل حزب العمال الكردستاني، الذي يحتفظ بقواعد عمليات في شمال العراق خارج سيطرة الحكومة الاتحادية أو حكومة إقليم كردستان.

دمج قوات الحشد الشعبي في قوات الأمن العراقية
أصدر رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي مرسوما يحدد ضوابط تكييف أوضاع مقاتلي الحشد الشعبي ويقضي بدمجهم في قوات الأمن العراقية.

وبموجب المرسوم سيحصل المنتسبون إلى الحشد الشعبي الذي يتكون من فصائل شيعية مسلحة، على الكثير من الميزات المخصصة لأفراد الجيش بما في ذلك الرواتب وقوانين الخدمة العسكرية.

كذلك يمثل غياب وضوح القيادة والسيطرة على قوات "الحشد الشعبي" وقوات "البيشمركة" تحديات للحكومة العراقية على الرغم من قانونية وضعهما.

رغم ذلك فإن بعض التحديات التي يمكن أن تكون قاتلة في سياقات قطرية أخرى قد تكون في الواقع مصادر للاستقرار ولو بشكل مؤقت. على سبيل المثال في حين لا توجد للدولة المركزية سيطرة كاملة على قوات الحشد الشعبي والبيشمركة، فمما لا شك فيه أن كلتا القوتين حالتا دون عودة ظهور تنظيم داعش.

أما فيما يتعلق بالعمل السياسي في العراق فقد أشار التقرير إلى أنه خضع لترتيبات "الديمقراطية التشاركية" بين الفئات المختلفة لتقاسم السلطة، وأنه كان من السهل رصد أوجه القصور المرتبطة بهذه الترتيبات.

ووصف الحيز السياسي في البلد بأنه "مستقطب ومجزأ "، ونقل الخشية لدى الكثيرين من أن تؤدي هذه الترتيبات إلى خنق الديمقراطية والحوكمة الرشيدة.

 ومع ذلك يقول التقرير أنه يبدو أن هذا النظام يلقى بوجه عام قبولاً من غالبية كبيرة من الجهات الفاعلة السياسية، بسبب قدرته على ضمان تمثيل جميع مكونات البلد بتعدديتهما العرقية والطائفية في هياكل الحكم.

أما في مجال القدرة على إدارة الأزمات فاعتبر التقرير أن النظام السياسي الحالي في العراق أثبت قدرته على إدارة الأزمات الداخلية والخارجية، إلا أن أشار في الوقت ذاته إلى ما اعتبره ممارسات تمت بوسائل قمعية على الأقل من جانب أجزاء من الطيف السياسي والمجتمعي.

ورصد التقرير ثلاث أزمات سياسية كبرى ظهرت داخل البلد، وهي احتجاجات 2019، والتشكيل الحكومي المطول الذي أدى إلى انسحاب التيار الصدري من مجلس النواب (2021-2022)، وإقالة رئيس مجلس النواب السني محمد الحلبوسي بسبب حكم أصدرته المحكمة الاتحادية العليا.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.