طلبت الحكومة من البعثة إنجاز أعمالها في مدة أقصاها 31 مايو 2026.

نشرت بعثة الأمم المتحدة في العراق "يونامي" تقريراً مطولاً لتقييم عملها خلال العشرين عاماً الماضية تحدثت فيه عن "تهديدات" و"تحديات" تواجه استقرار العراق، معربة عن مخاوفها من أن يؤدي التصعيد في المنطقة إلى "إعادة العراق إلى الوراء".

وجاء التقرير لتقييم عمل بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق "يونامي"، رداً على طلب تقدمت به حكومة بغداد لتخفيف عمل البعثة وصولاً إلى إنهاء أعمالها في غضون عامين.

وبناء على التقرير، فقد طلبت حكومة محمد شياع السوداني من البعثة  بشكل رسمي  أن تنجز عملها في مدة أقصاها 31 مايو 2026، والبدء بتقليص صلاحياتها، وحصرها في القضايا الإنسانية والتنموية بدءاً من 31 مايو 2024.

وقدمت "يونامي" في تقريرها رؤيتها حول أوضاع العراق، واستنتجت أن استقرار البلد تهدده ثلاث ظواهر، هي: "هشاشة المؤسسات" و"انتشار الجهات الفاعلة المسلحة" و"إمكانية نشوء داعش جديد أو أشكالا أخرى من الإرهاب والتطرف".

وتحدث التقرير عن ثلاثة تحديات تواجه استقرار العراق، وهي "الأعمال غير المنجزة"، و"أنشطة الجهات الفاعلة الخارجية"، و"العوامل الهيكلية ونظام المحاصصة"".

 

التهديدات

يقول التقرير إن العراق واجه منذ إنشاء بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى العراق في عام 2003، سنوات من العنف وانعدام اليقين والتغيرات الهيكلية.

أما اليوم، فالعراق بلد ذو سيادة. لديه مؤسسات دولة ذات أداء فعال ونظام سياسي يقوم على الديمقراطية التشاركية بين الفئات المختلفة، وهو موطن لعملية سياسية تعددية، ويقبل قادته المجتمعيون والسياسيون ضرورة التمسك بالمبادئ الأساسية للديمقراطية والحكومة الرشيدة وحقوق الإنسان في العراق الجديد.

ومع ذلك، يؤشر التقرير على وجود "شواغل" من تبدل مسار التقدم المحرز -حتى الآن- تغذيها الأحداث التي وقعت بعد الانتخابات، ومخاوف من إمكانية أن تهيمن مجموعة واحدة على النظام السياسي الحالي، إضافة إلى مخاوف من أن يؤدي التصعيد الجديد في المنطقة إلى "إعادة العراق إلى الوراء".

ومع إحراز الحكومات المتعاقبة تقدماً نحو بناء مؤسسات دولة ذات أداء فعال، تطورت الأخطار التي تهدد سلام وأمن العراق، فالبلد جزء من منطقة متقلبة، وقد أسهم في بعض الأحيان هو ذاته بنصيب في هذا التقلب.

وخلص التقرير إلى استنتاج مفاده أن استقرار البلد اليوم تهدده أساساً ثلاث ظواهر:

أول هذه التهديدات تتمثل في "هشاشة المؤسسات" التي يمكن أن تتطور لتشكل تهديد خطير لسلام وأمن العراق، ومنها الرد العنيف على الاحتجاجات، أو الاستشهاد بنصوص قانونية من "عهد صدام" في أحكام المحاكم، أو توزيع الوظائف على أساس عرقي وطائفي.

ويرى التقرير أنه ما لم تبذل جهود وطنية متواصلة لتوطيد مؤسسات الدولة وممارساتها الديمقراطية، فإن الهشاشة الفعلية والمتصورة للمؤسسات الوطنية أو دون الوطنية يمكن أن تتطور لتشكل تهديداً خطيراً لسلام وأمن العراق.

أما التهديد الثاني فيتعلق بانتشار "الجهات الفاعلة المسلحة"، إذ أنه رغم السلام النسبي في البلاد فإن غياب احتكار الدولة لوسائل العنف المشروعة في جميع أنحاء البلاد يدعو إلى القلق، كما أنه يتعارض مع الفهم التقليدي لمكونات الاستقرار والأمن الداخليين.

ويتلخص التهديد الثالث بإمكانية" نشوء داعش جديد أو أشكالا أخرى من الإرهاب والتطرف العنيف".

 

هشاشة

وسجلت "يونامي" قدرة متزايدة للحكومة العراقية على "إدارة الأزمات بعنف أقل" وهو ما رصدته على الأقل خلال الـ18 شهراً الماضية.

وقالت إن العلاقات المعقدة داخل الجماعات الطائفية والعرقية وفيما بينها باتت تدار من قبل مؤسسات رسمية وغير رسمية، وأنه على الرغم من الضغوطات المتزايدة تواصل منظمات المجتمع المدني عملها.

ومع ذلك، سجل التقرير "مخاوف" مبعثها أن المؤسسات التي تحكم العمليات السياسية والاجتماعية الاقتصادية في البلد لا تزال "هشة"، وخشية ممثلي المجتمعات الصغيرة والجهات الفاعلة السياسية التي تعرف نفسها بأنها خارج دائرة العمل السياسي العرقي والطائفي من أن تكون المؤسسات بشكلها الحالي غير قادرة على حماية استقرار البلد.

ولا تزال هناك مخاوف من أن يؤدي نظام "الديمقراطية التشاركية" بين الفئات المختلفة لتقاسم السلطة الذي ساعد المجتمع الدولي على بنائه في العراق إلى خنق الديمقراطية والحوكمة الرشيدة.

ومع التسليم بأن المناصب الحكومية تقسم بين ممثلي الطوائف المعرفة بأنها مجتمعات عرقية أو طائفية، فإن سلطات صنع القرار تتركز في الغالب بيد الأحزاب التابعة للإطار التنسيقي الشيعي، وهو الكتلة السياسية التي تشكل حاليا الأغلبية البرلمانية.

ويوجه التقرير اللوم إلى الطريقة السائدة لتخصيص المناصب في الحكومة والخدمة العامة على أساس الانتماء العرقي والطائفي (المحاصصة) في ترسيخ التحزبات السياسية التي يمكن القول إنها تحد من المساءلة.

ورصد التقرير شعور معظم العراقيين بالارتياح إزاء حالة السلام النسبي، إلا أنه في الوقت نفسه يؤكد أن غياب احتكار الدولة لوسائل العنف المشروعة في جميع أنحاء العراق يتعارض مع الفهم التقليدي لعنصر رئيس من عناصر الاستقرار الداخلي.

ويرى التقرير أنه رغم أن العديد من الجماعات المسلحة تشكل جزءاً من الهيكل الأمني للدولة، لكن هناك مقولات تتحدث عن أن ولاءها الأكبر هو لفرادى الشخصيات السياسية أو الجماعات السياسية، في الوقت الذي لا تمتد الجهود الجارية لإصلاح قطاع الأمن لتشمل جميع الجهات الأمنية الفاعلة في العراق وهو وضع عام يشكل تهديداً كبيراً لاستقرار البلد.

ويقول التقرير إنه على الرغم من أن تنظيم داعش لم يعد يسيطر على الأراضي، إلا أنه لا يزال يحتفظ بخلايا نشطة في جميع أنحاء العراق وهو ينفذ هجمات إرهابية متفرقة.

ومع أن عودة ظهور داعش -بشكله السابق- أمر "غير مرجح"، فإن الأسباب الجذرية للتطرف العنيف لا تزال قائمة، وتظل هذه الأسباب خطراً يهدد سلام وأمن العراق، وتشمل هذه الأسباب وضعاً لم يتم حله ألا وهو وضع آلاف العراقيين الذين لهم صلات فعلية أو متصورة بتنظيم داعش وأسرهم في كل من سوريا والعراق.

التحديات

رصد التقرير ثلاثة تحديات تواجه استقرار العراق إذا ما أُهملت، وعلى الرغم من أنها لا تشكل تهديداً لسلام وأمن العراق في الأجل القصير أو المتوسط، إلا أنها تستطيع توسيع دائرة النزاعات التي تشعل فتيلها أسباب أخرى، وتنقسم إلى ثلاث مجموعات:

أول هذه التحديات هو "الأعمال غير المنجزة" مثل العلاقات بين بغداد وأربيل، والعلاقة بين الحزبين الرئيسين في الإقليم، وسن قانون النفط والغاز.

والتحدي الثاني فهو "أنشطة الجهات الفاعلة الخارجية في العراق"، والتي تتمثل بالطابع العابر للحدود، كالإرهاب أو التطرف أو الاتجار بالمخدرات والوضع المضطرب في سوريا، وعمليات القوات التركية والهجمات الخارجية من قبل إيران والولايات المتحدة داخل العراق، والتي يعتبرها العراق انتهاكاً لسيادته.

أما التحدي الثالث فيتعلق بـ "العوامل الهيكلية"، ومنها استخدام نظام المحاصصة في توزيع المناصب، والاعتماد المفرط على النفط في إيرادات الدولة، وعدم قدرة التخصيصات المالية الكبيرة لتحسين البنية التحتية على إيقاف "تعميق الفقر" كون النمو والفرص الاقتصادية لا تتناسب مع الزيادة في عدد السكان، وتحديات تغير المناخ واستمرار التصحر وندرة المياه والتلوث وملوحة التربة.

الأمن والسياسة

أشار التقرير إلى أن الحكومة العراقية لا تسيطر على جميع الجهات الفاعلة العسكرية والأمنية في البلد، علاوة على جماعات مسلحة أجنبية مثل حزب العمال الكردستاني، الذي يحتفظ بقواعد عمليات في شمال العراق خارج سيطرة الحكومة الاتحادية أو حكومة إقليم كردستان.

دمج قوات الحشد الشعبي في قوات الأمن العراقية
أصدر رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي مرسوما يحدد ضوابط تكييف أوضاع مقاتلي الحشد الشعبي ويقضي بدمجهم في قوات الأمن العراقية.

وبموجب المرسوم سيحصل المنتسبون إلى الحشد الشعبي الذي يتكون من فصائل شيعية مسلحة، على الكثير من الميزات المخصصة لأفراد الجيش بما في ذلك الرواتب وقوانين الخدمة العسكرية.

كذلك يمثل غياب وضوح القيادة والسيطرة على قوات "الحشد الشعبي" وقوات "البيشمركة" تحديات للحكومة العراقية على الرغم من قانونية وضعهما.

رغم ذلك فإن بعض التحديات التي يمكن أن تكون قاتلة في سياقات قطرية أخرى قد تكون في الواقع مصادر للاستقرار ولو بشكل مؤقت. على سبيل المثال في حين لا توجد للدولة المركزية سيطرة كاملة على قوات الحشد الشعبي والبيشمركة، فمما لا شك فيه أن كلتا القوتين حالتا دون عودة ظهور تنظيم داعش.

أما فيما يتعلق بالعمل السياسي في العراق فقد أشار التقرير إلى أنه خضع لترتيبات "الديمقراطية التشاركية" بين الفئات المختلفة لتقاسم السلطة، وأنه كان من السهل رصد أوجه القصور المرتبطة بهذه الترتيبات.

ووصف الحيز السياسي في البلد بأنه "مستقطب ومجزأ "، ونقل الخشية لدى الكثيرين من أن تؤدي هذه الترتيبات إلى خنق الديمقراطية والحوكمة الرشيدة.

 ومع ذلك يقول التقرير أنه يبدو أن هذا النظام يلقى بوجه عام قبولاً من غالبية كبيرة من الجهات الفاعلة السياسية، بسبب قدرته على ضمان تمثيل جميع مكونات البلد بتعدديتهما العرقية والطائفية في هياكل الحكم.

أما في مجال القدرة على إدارة الأزمات فاعتبر التقرير أن النظام السياسي الحالي في العراق أثبت قدرته على إدارة الأزمات الداخلية والخارجية، إلا أن أشار في الوقت ذاته إلى ما اعتبره ممارسات تمت بوسائل قمعية على الأقل من جانب أجزاء من الطيف السياسي والمجتمعي.

ورصد التقرير ثلاث أزمات سياسية كبرى ظهرت داخل البلد، وهي احتجاجات 2019، والتشكيل الحكومي المطول الذي أدى إلى انسحاب التيار الصدري من مجلس النواب (2021-2022)، وإقالة رئيس مجلس النواب السني محمد الحلبوسي بسبب حكم أصدرته المحكمة الاتحادية العليا.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".