ولد السياسي العراقي توفيق عبد القادر بن معروف الخالدي في بغداد عام 1879- مصدر الصورة صحف عراقية
ولد السياسي العراقي توفيق عبد القادر بن معروف الخالدي في بغداد عام 1879- مصدر الصورة صحف عراقية

واحدٌ من سياسي العراق، أثبت كفاءة كبيرة في سنٍ صغيرة منحته مكانة كبيرة في السياسة العراقية، وتوقّع له الكثيرون مستقبلاً سياسياً باهراً قد يقوده إلى حُكم البلاد يوماً. إلا أن كل ذلك انتهى بسبب جريمة قتل تعرّض لها على عتبة داره، أودت بحياته وخلّدته كأول ضحية اغتيال سياسي في تاريخ البلاد الحديث، فمن هو؟

هو توفيق عبد القادر بن معروف الخالدي، وُلد في بغداد عام 1879. تلقى تعليمه الأوّلي في في العراق حتى التحق بالكلية العسكرية العثمانية في إسطنبول وتخرج فيها برتبة ملازم، بحسب كتاب "الرصاص السياسي في العراق" لفايز الخفاجي.

في عام 1908، تولّى الخالدي تأسيس فرع جمعية "الاتحاد والترقي" بصحبة معروف الرصافي وجميل الزهاوي ومراد سليمان وآخرين، وفي 1913 عُين مديراً لمدرسة "الدرك" في بغداد، ولاحقاً انتُخب نائباً عن بغداد في مجلس المبعوثان العثماني.

وبعد اندلاع الحرب العالمية الأولى أوفدته إسطنبول إلى ألمانيا لتلقى المزيد من التدريب العسكري، ليعود إلى بلده برتبة مقدم ركن.

قتل الملك فيصل الثاني ولم يكن تجاوز من العمر 23 عاما.
مجزرة قصر الرحاب.. نهاية دموية لحُكم الهاشميين في العراق
كان عبد الستار العبوسي في القصر لحظة خروج العائلة المالكة. ما إن رآهم حتى هرع نحوهم قفزًا.. وتأكد من الضابط المرافق لهم أنه اصطحب كافة العائلة الهاشمية، ثم رفع رشاشه وراح يُطلق الرصاص يمينًا ويسارًا حتى سقطوا جميعًا مضرجين بدمائهم.

 

"جمهوري" في خدمة الملكية

في كتابه "العراقيون المنفيون إلى جزيرة هنجام" وصف الدكتور محمد حسين الزبيدي، الخالدي بأنه "إنسان مثقف وذكي، جمهوري النزعة"، وينقل عنه أنه منذ سنوات دراسته في ألمانيا كان يروّج بين زملائه للنظام الجمهوري بدلاً من الملكي.

سيظلُّ مؤمناً بهذه القناعة بعد عودته من ألمانيا وسيبذل جهوداً كبيرة لنشرها بين العراقيين معتقداً أن نظام الحكم الأنسب لبلاده هو نظام جمهوري يرأسه عراقي وليس شخصاً من بلدٍ آخر حتى لو كان من الهاشميين.

لم يتخذ الخالدي هذا الموقف رفضاً للهاشميين الذين رشحت بريطانيا واحداً منهم ليكون ملكاً لبلاد الرادفين، إنما أظهر سابق إعجابه بهم عندما منح ابنه اسم "عوني" تيمناً بالشريف عون الرفيق عم الشريف حسين بن علي والد فيصل أول ملوك العراق.

لاحقاً، سيصبح عوني واحداً من ألمع موظفي وزارة الخارجية العراقية حتى يصل إلى منصب ممثّل العراق في هيئة الأمم.

منذ 1921 كثر الحديث عن شكل الحُكم الجديد المُزمع تطبيقه في العراق، فانحاز الخالدي والشيخ سالم الخيّون وعدد من رجال "الحزب الحُر" العراقي إلى الخيار الجمهوري وحظوا بدعم من عبد الله فيلبي مستشار وزارة الداخلية العراقية وقتها، لكن هذه الدعوة أُحبطت وقررت لندن إنشاء مملكة يُسند عرشها للأمير فيصل.

كان فيلبي أول ضحايا هذه السياسة بعدما تقرّر إقصاؤه من منصبه في يوليو 1921.

في سبتمبر 1921 شكّل عبد الرحمن النقيب أول وزارة في العهد الملكي فاقترح تعيين الخالدي وزيراً بها، ورفض الملك فوراً بسبب شكّه في ميول الخالدي الجمهوري، وفقاً لما ذكره مير بصري في "أعلام الكرد".

عندما تقرر إجراء تعديل على حكومة النقيب أصرّ الأخير على الخالدي هذه المرة فاستجاب الملك وعيّنه وزيراً للداخلية عام 1922، وهو ترشيح أثار اعتراضاً من جعفر العسكري وزير الدفاع آنذاك، حتى أنه هدّد بالاستقالة ثم تراجع عن هذا الموقف لاحقاً كما جاء في كتاب "إنجليز في حياة فيصل الأول" ليعقوب كوريّة.

بعد أشهر قليلة انتقل الخالدي إلى وزارة العدلية (العدل حالياً) في تشكيلها اللاحق وهو المنصب الذي شغله حتى نوفمبر 1922، ورحل عنه باستقالة وزارة النقيب.

نوري السعيد.. رجل الهاشميين الأول في العراق
لا يُمكن استحضار تاريخ العراق الملكي دون المرور على شخص السياسي البارز نوري السعيد، ذلك الرجل الذي مثّل حجر الزاوية الأساسي لتلك الفترة دون منازع حتى من الملوك أنفسهم. فلطالما نُظر إليه على أنه "رجل الإنقاذ" الذي يلجأ له الملك كلما ضاقت به السُبُل واستحكمت الأزمات السياسية.

 

جريمة اغتيال في أجواء ساخنة

في نوفمبر 1923 شكّل جعفر العسكري وزارته الأولى، وافتتحت أعمالها بالبدء في انتخابات المجلس التأسيسي الذي ألقيت عليه الكثير من المهام الجِسام الخاصة بتثبيت أركان دولة العراق الحديثة؛ أهمها البت في المعاهدة "الأنجلو عراقية" التي سمحت بإقامة مملكة عراقية مستقلة لكنها أبقت كثيراً من شؤونها العسكرية والدبلوماسية خاضعة للهوى البريطاني.

خلال انعقاد عملية انتخابات المجلس التأسيسي تلقّى الخالدي عدة رسائل تهديد لم يكترث بها، وفي فبراير 1924 تحوّلت هذه التهديدات إلى واقع.

بعدما وصل الخالدي إلى بيته قادماً من منزل عبد الرحمن النقيب باغته مسلح أطلق عليه النار وأرداه قتيلاً في الحال، وكان بعُمر 45 عاماً.

كشف أمين المميز في كتابه "كنّاش الثمانين" أن منزل الخالدي كان يُطلُّ على "دربونة" (درب صغير) ضيقة ومظلمة، الأمر الذي مكّن القاتل من تنفيذ جريمته والانسحاب سريعاً دون أن يراه أحد.

عجزت الشرطة عن العثور على القاتل رغم وصولها السريع إلى المكان وقيامها بتحريات موسّعة إلا أنها لم تُفضِ إلى شيءٍ وقُيّد الحادث ضد مجهول.

جرت هذه العملية في أجواءٍ ساخنة عاشها العراق على وقع طرح المعاهدة العراقية- البريطانية على المجلس التأسيسي للتصديق عليها، حيث اشتعلت الخلافات بين المؤيدين والمعارضين لها.

من ناحيتها، قامت إنجلترا بتضييق شديد على المعارضين للاتفاقية حتى أنها احتجزت عدداً ممن كانوا يقودون اجتماعات معادية لها حسبما ذكر عبد المجيد كامل في كتابه "دور فيصل الأول في تأسيس الدولة العراقية الحديثة".

في المقابل، نفّذ الوطنيون المعارضون لها سلسلة من إجراءات الإرهاب لدفع النواب لعدم إقرارها.

ذكر محمود شبيب في كتابه "حكايات تاريخية عراقية" أن هذه العملية أدخلت الرعب في نفوس أعوان الخالدي ودفعتهم للتعاون مع السُلطة وتراجعوا عمّا قرروه سابقاً -من خلال الحزب الحر العراقي- الامتناع عن انتخابات المجلس التأسيسي، عادوا ورشحوا أنفسهم لها وفاز بعضهم بعضوية المجلس.

وبحسب عبد المجيد فإن اغتيال الخالدي تبعته محاولتان لاغتيال عضوي المجلس عن دائرة الحلة. ورغم فشلهما، فإن هذا السلوك "أدخل الرعب في نفوس العديد من أعضاء المجلس التأسيسي الذي كان يعتزم مناقشة بنود المعاهدة فامتنع بعضهم عن حضور جلسة التصديق".

في النهاية، جرى إقرار الاتفاقية بأغلبية ضئيلة (37 موافقاً و24 معارضاً لها). بعدها تقدّم العسكري باستقالته التي قبلها الملك وكلّف ياسين الهاشمي بتشكيل حكومته الأولى.

 

من القاتل؟

في ضوء عجز الجهات القضائية العراقية عن التوصل لقاتل الخالدي بشكلٍ حاسم، اجتهدت كُتب التاريخ في هذه المهمة وقدّمت قائمة من أسماء المتهمين بالتورط فيها.

في كتابه "العراقيون المنفيون إلى جزيرة هنجام" اتّهم الدكتور محمد حسين الزبيدي، الملك فيصل، بالوقوف وراء هذه الجريمة بسبب "خوفاً من أن الإنجليز يخططون لإزاحته من العرش وتنصيب الخالدي بدلاً عنه".

ويضيف بصري في كتابه، أن الدبلوماسي البريطاني هنري دوبس دعا عدداً من أصدقائه -ومنهم الخالدي- إلى وليمة أقامها لهم في داره، بعدها اصطحب هنري الخالدي في جولة بالمحافظات، ما أثار القلق في نفس الملك فيصل، وبعدها بأيام قُتل الخالدي على باب داره.

بحسب الزبيدي، فإن "نوري السعيد كلّف اثنين من أتباعه، وهم عبدالله سرية وشاكر القره غولي وأقنعهما بالتخلّص من الخالدي بدعوى أنه عميل للإنجليز".

وفي كتابه "نوري باشا السعيد بين الموالين والمناوئين" حاول محسن العارضي، الاستدلال على تورط نوري السعيد في دم الخالدي، مستشهداً برسالة بعثها إلى المس بيل مستشارة السفير البريطاني أكد لها فيها أن الموالين لتركيا ليسوا "خطراً جسيماً، وأن فيصل يعرف كيف يتعامل معهم، لأنهم سيختفون".

أما عبد القادر البراك فلقد كشف في كتابه "ذكريات أيام زمان" أن هذا الحادث جرى بمبادرة شخصية من نوري السعيد وجعفر العسكري خوفاً من أن ينازعهما الخالدي على الحُكم في المستقبل.

بينما قدّم خيري العمري في كتابه "الخلاف بين البلاط الملكي ونوري السعيد" تفسيراً مختلفاً تماماً للحادث وهو أن "هذه العملية تمت بهدف الإيقاع بين فيصل والعناصر الوطنية التي بدأت في التسلل إلى البلاط وإلى حاشية الملك بشكلٍ أثار قلق البريطانيين بعدما بدأ فيصل في استغلال وجودهم للحصول على بعض التنازلات من لندن بدعوى أنها ستخفف من الضغوط التي يمارسها الوطنيون عليه".

ويضيف أن العملية تمت "للإيقاع بين فيصل وبينهم بشكلٍ عزّز من النفوذ البريطاني في القصر العراقي بلا منافسين".

بينما ألمح محمود شبيب إلى متهم آخر، وهو "جماعة القوميين العرب" بقيادة ياسين الهاشمي الذين "قابلوا الاغتيال بالغبطة والسرور، وربما كانوا على علمٍ مسبق به" وفق تعبيره.

في ختام تعليقه على هذه الجريمة، قال الخفاجي: "الخالدي كان ذو كفاءة نادرة، وكان خصومه يخشون بأسه ويخافون من تنامي نفوذه لأنه حينها سيُعلن قيام نظام جمهوري، ولولا اغتياله لحقق طموحه".

في النهاية حقّق هؤلاء الخصوم النجاح الكامل بعدما مثّل الإجهاز على الخالدي توجيه ضربة شديدة لمعسكر "العراق للعراقيين"، ومن بعده أصيب هذا التيار السياسي بالضعف حتى تلاشى نهائياً، بحسب ما يقول سليم الحسني في كتابه "رؤساء العراق: دراسة في اتجاهات الحُكم".

ورغم عدم إثبات أجهزة التحقيق أي علاقة لنوري السعيد أو جعفر العسكري بمقتل الخالدي، إلا أن هذه التهمة لا تزال تلاحقهما حتى اليوم، وهو ما يتّضح من القصة التي روتها الدكتورة سائحة أمين زكي في كتابها "ذكريات طبيبة عراقية": "في أعقاب وفاة العسكري عام 1936 وخلال تشييع جثمانه احتشدت جماعاتٍ من النساء الحزينات على رحيل الفقيد، فجأة خالفت إحداهن الجميع وأطلقت زغرودة تعبيراً عن فرحتها برحيله. لاحقاً تبيّن أنها إحدى قريبات الخالدي وأنها مؤمنة بأن العسكري كان هو المُخطط الرئيسي لرحيله".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

أرشيفية تعود لفترة جائحة فيروس كورونا حيث تمت أكبر حملات التبرع بالدم في العراق- أ ف ب
أرشيفية تعود لفترة جائحة فيروس كورونا حيث تمت أكبر حملات التبرع بالدم في العراق- أ ف ب

وصلت أم أحمد إلى "فم الموت" كما تقول لـ"ارفع صوتك" ولم ينقذها وجنينها سوى سخاء المتبرعين بالدم بعد نزيف حاد تعرضت له خلال الولادة.

تصف ذلك اليوم بأنه "أحد أصعب أيام حياتها"، مضيفةً: "كنتُ أنا والطفل في خطر شديد، وجَهَت العائلة نداء استغاثة من خلال مواقع التواصل وأهالي المنطقة. وكانت النتيجة وصول أكثر من عشرة أشخاص خلال ساعة واحدة إلى المستشفى التي كنت أرقد بها في سامراء".

تتابع أم أحمد، والابتسامة على وجهها: "اضطررنا إلى الاعتذار لعدد منهم بسبب حصولنا على الكمية الكافية من الدم وهي ستة أكياس كاملة".

"ومنذ ذلك اليوم وأنا أدعوا لمن تبرعوا لي بالدم وأغلبهم غرباء تماماً دافعهم إنساني بحت، لإنقاذي وطفلي الذي بدأت أسنانه بالظهور اليوم بفضل كرمهم"، تقول أم أحمد.

في وضع مشابه لها، يروي محمد صالح، وهو من أهالي محافظة نينوى، كيف تحول من شخص إلى آخر خلال الشهر الماضي، فقد كادت قريبة له أن تفقد حياتها خلال إجرائها عملية جراحية، واحتاجت للتبرع بالدم، وكانت المشكلة في فصيلة الدم النادر التي تمتلكها (أوه سالب)".

يقول لـ"ارفع صوتك": "وجهنا نداءً عبر مواقع التواصل ليصل إلى المستشفى اثنان من المتبرعين، ونحصل بالضبط على ما كنا بحاجة إليه بعد الله لإنقاذها".

سرعان ما بادر صالح نفسه بالتبرع بالدم الذي لم يكن يعرف عنه شيئا قبل ذلك الحادث. "لأنني عرفت أن دمي يمكن أن ينقذ حياة إنسان آخر في حاجة ماسة له"، يقول.

ويحتفي العالم، الجمعة، باليوم العالمي للمتبرعين بالدم، وتحمل الذكرى السنوية العشرين له لليوم شعاراً رمزياً هو "عشرون عاماً من الاحتفال بالعطاء"، الذي يعكس الجهود العظيمة التي بذلها المتبرعون على مر السنين.

وتعد هذه الفعالية السنوية التي أعلنتها منظمة الصحة العالمية، بمثابة مناسبة تُزف فيها آيات الشكر إلى المتبرعين طوعاً بالدم من دون مقابل لقاء دمهم الممنوح هديةً لإنقاذ الأرواح.

 

"مليون متبرع"

 

يتجاوز عدد المتبرعين بالدم في العراق المليون متبرع، ما يوفر كمية هائلة من الدماء سنويا لمن هم بحاجة إليه، سواء من المصابين بالأمراض السرطانية أو مصابي مرض الثلاسيميا الذين يحتاجون إلى تبديل الدم بشكل متواصل، بحسب إحصاءات زودنا بها الدكتور محمد طالب العبيدي، معاون مدير المركز الوطني لنقل الدم في بغداد.

يقول لـ"ارفع صوتك": "في مجال التبرع بالدم داخل المركز، فإن معدل الإنتاج اليومي يتراوح بين 800 و1100 قنينة دم يومياً، متضمنة الدم ومشتقاته من البلازما والصفائح الدموية، وهذا في المركز فقط، ناهيك عن بقية الفروع والمراكز الساندة. ولدينا كمعدل إنتاج سنوي بحدود المليون وربع المليون كيس دم. وعلى مستوى العراق يصل إلى نحو ستة ملايين كيس دم في العام".

بحسب نظام التبرع بالدم في العراق، هناك نوعان من الدم يتم التبرع بهما: "الأول هو التطوعي وأغلبه يأتي من الشباب، بالإضافة إلى التبرع التعويضي وهو ما يُتَبَرَّع به إلى المرضى على نحو مباشر من قبل العوائل والأقارب وغيرهم، وكلاهما يكملان بعضهما"، يضيف الدكتور العبيدي.

ويشير  إلى أن وزارة الصحة العراقية تجمع الدم عن طريق التبرع أو الحملات التطوعية التي تطلبها المؤسسات الحكومية والجامعات.

أما أكبر الحملات التي شهدها العراق، فكانت بحسب العبيدي "خلال الحرب على الإرهاب (2014-2017)، حيث كان الشباب يأتون للتبرع بكميات مهولة، ولم نشهد أي نقص بالدماء خلال تلك الفترة".

يتابع: "شهد إعلان حالة الطوارئ خلال أزمة فيروس كورونا 2020 تبرعا لم نشهد له مثيلا، فاستجابة المجتمع العراقي كانت كبيرة جداً، بل أكبر من المتوقع، إذ شملت حتى الأصناف النادرة من الدم".

ويؤكد العبيدي أن هناك "تجاوباً مع المركز في حال إطلاق نداء إلى القوات الأمنية للتبرع، حيث تتوافد أعداد كبيرة منهم تفوق التصور"، لافتاً: "في إحدى المرات كنا بحاجة إلى دماء لمرضى السرطان من أصناف دم نادرة، ففوجئنا بـ150 متطوعاً للتبرع وهو رقم كان كبيراً جداً بالنسبة لنا".

 

"ننقذ الأرواح"

 ينتمي أثير الشمري إلى القوات الأمنية ويسكن محافظة ذي قار، بدأت رحلته في التبرع بالدم، عام 2015، بعد سماعه لنداء استغاثة عبر أجهزة النداء التي توجهها المستشفيات ومراكز التبرع،  واستمر بالتبرع منذ ذلك التاريخ دورياً كل ستة أشهر.

يوضح لـ"ارفع صوتك" أنه يقوم بذلك بدافع "إنساني بحت" حتى إنه يسافر أحياناً لمحافظات أخرى إذا علم بوجود حالة طارئة، بالإضافة إلى أن التبرّع بالدم أمر "صحيّ، يعود على صحته بفوائد كبيرة".

مثله محمد الياسري، وهو شاب يسكن محافظة كربلاء، يملك فصيلة "أوه سالب" النادرة. لا يتذكر في أي عام بدأ بالتبرع بالدم، إلا أنه يتذكر الحالة. يقول إنه سمع حينها "نداء استغاثة لمساعدة طفلة مصابة بالسرطان فتوجه إلى المستشفى للتبرع، ومن هناك عرفت أهمية التبرع في إنقاذ الأرواح" وفق تعبيره.

"عندما تساعد طفلاً أو شاباً أو كبيراً في السن، فأنت لا تساعد شخصاً واحداً فقط، بل أنت تساعد عائلة بأكملها يمكن أن تفقد عزيزاً لأن فصيلة دمه نادرة، أو لأن هناك ظرفا طارئا وبحاجة إلى الدم الذي يمكن تعويضه خلال ثلاثة أشهر ثم العودة إلى التبرع مجدداً"، يبيّن الياسري لـ"ارفع صوتك".

ويشير إلى أنه "لا يتبرع إلا لأصحاب الفصيلة المطابقة لدمه، كونها تسمى الواهب العام أي أنها تتناسب مع جميع فصائل الدم الأخرى"، مضيفاً "حتى عندما يكون الطلب في محافظة أخرى أتوجه لها لأهداف إنسانية بحتة، ولا أطالب بأي شيء مقابل ذلك، فالامتنان الذي أحصل عليه من العوائل أكبر جائزة ممكن أن يحصل عليها الإنسان".

 

متطوعون

تعمل نورس عبد الزهرة في المجال التطوعي والتنسيقي بين المستشفيات ومراكز التبرع بالدم في محافظة كربلاء، تقول لـ"ارفع صوتك" إنها بدأت التطوع في المجاميع على مواقع التواصل الاجتماعي خلال أزمة كورونا، وعملت على إيصال الدم والأكسجين والعلاج إلى المحتاجين من أبناء محافظتها.

تروي: "كان العمل خلال تلك الفترة مرهقاً جداً، فالخوف كان كبيراً، والناس لا تعرف ماذا تفعل. هذا الأمر أنتج مجاميع عديدة في المحافظات لمساعدة الناس في تلك الأزمة الخانقة، حتى وصل عدد المشتركين في المجموعة من كل أنحاء العراق إلى 200 ألف شخص بين متطوع للنقل ومتبرع بالدم أو تقديم الخدمات الصحية للمرضى".

بعد انتهاء أزمة كورونا، تضيف عبد الزهرة "تحولت المجموعة بفضل أعداد المشاركين الكبيرة إلى مجموعة متخصصة بنداءات التبرع بالدم، فأي شخص متبرع بالدم وأي شخص بحاجة إلى الدم يتواصل معنا، ونحن ننشر النداء في المجموعة ولدينا تفاعل كبير جداً ونسبة استجابة واسعة".

"أكثر أصناف الدم وجوداً في العراق هي الموجبة أما أقلها والتي نعاني للحصول عليها فهي السالبة بشكل عام، وأحياناً نجد صعوبة بالعثور على متبرعين، حتى أن بعضهم  يتنقلون بين المحافظات للتبرع" تبيّن عبد الزهرة.

وتلفت إلى صعوبة أخرى تتعلق بتوفير الدم لمرضى أثناء إجرائهم عمليات جراحية في القلب "لأنها تحتاج كميات من الدم الحار الذي يتطلب وُجود المتبرع في مكان العملية ذاته".

وتوضح عبد الزهرة "رغم التعب الذي أواجهه في عملي ومعاناة العوائل الذين لديهم حالات طارئة بحاجة إلى الدم، فإن النتيجة دائما تبهرني. العراقيون كرماء بدمائهم، وما شهدته خلال فترة كورونا من حجم المتبرعين والمساعدين بلا دوافع مادية وبإنسانية عالية حثني على الاستمرار في هذا العمل الإنساني".

بدوره، يقول مدير الصحة في الهلال الأحمر العراقي علي مجيد، إن العراق "من الدول التي تتصدر حملات التبرع بالدم على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فقد حصلت الجمعية بين عامي 2017 و2018 على جائزة دولية من الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، لأنها كانت من أكبر الجمعيات المساهمة بعمليات التبرع".

وينقسم عمل الهلال الأحمر في العراق كما يوضح مجيد لـ"ارفع صوتك" إلى جزأين "الأول التثقيف بعمليات التبرع، والثاني حملات التبرع بالدم في مختلف المحافظات العراقية وبالتعاون مع وزارة الصحة".

وتستفيد الجمعية من المناسبات الوطنية والدينية لصالح التبرع بالدم، وفق مجيد. يشرح "تُنصب مراكز تبرع خلال الزيارات الدينية الكبيرة التي يشهدها العراق سنوياً، وبالتعاون مع رجال الدين والفتاوى، يتم حث المواطنين على التبرع بالدم".

ويتذكر من جانبه، أبرز حملات التبرع بالدم التي شهدت إقبالاً كبيراً من العراقيين، حيث تمت بين عامي 2014 و2015، حيث كان مستوى التبرع يصل إلى 2900 كيس دم في اليوم الواحد".