ولد السياسي العراقي توفيق عبد القادر بن معروف الخالدي في بغداد عام 1879- مصدر الصورة صحف عراقية
ولد السياسي العراقي توفيق عبد القادر بن معروف الخالدي في بغداد عام 1879- مصدر الصورة صحف عراقية

واحدٌ من سياسي العراق، أثبت كفاءة كبيرة في سنٍ صغيرة منحته مكانة كبيرة في السياسة العراقية، وتوقّع له الكثيرون مستقبلاً سياسياً باهراً قد يقوده إلى حُكم البلاد يوماً. إلا أن كل ذلك انتهى بسبب جريمة قتل تعرّض لها على عتبة داره، أودت بحياته وخلّدته كأول ضحية اغتيال سياسي في تاريخ البلاد الحديث، فمن هو؟

هو توفيق عبد القادر بن معروف الخالدي، وُلد في بغداد عام 1879. تلقى تعليمه الأوّلي في في العراق حتى التحق بالكلية العسكرية العثمانية في إسطنبول وتخرج فيها برتبة ملازم، بحسب كتاب "الرصاص السياسي في العراق" لفايز الخفاجي.

في عام 1908، تولّى الخالدي تأسيس فرع جمعية "الاتحاد والترقي" بصحبة معروف الرصافي وجميل الزهاوي ومراد سليمان وآخرين، وفي 1913 عُين مديراً لمدرسة "الدرك" في بغداد، ولاحقاً انتُخب نائباً عن بغداد في مجلس المبعوثان العثماني.

وبعد اندلاع الحرب العالمية الأولى أوفدته إسطنبول إلى ألمانيا لتلقى المزيد من التدريب العسكري، ليعود إلى بلده برتبة مقدم ركن.

قتل الملك فيصل الثاني ولم يكن تجاوز من العمر 23 عاما.
مجزرة قصر الرحاب.. نهاية دموية لحُكم الهاشميين في العراق
كان عبد الستار العبوسي في القصر لحظة خروج العائلة المالكة. ما إن رآهم حتى هرع نحوهم قفزًا.. وتأكد من الضابط المرافق لهم أنه اصطحب كافة العائلة الهاشمية، ثم رفع رشاشه وراح يُطلق الرصاص يمينًا ويسارًا حتى سقطوا جميعًا مضرجين بدمائهم.

 

"جمهوري" في خدمة الملكية

في كتابه "العراقيون المنفيون إلى جزيرة هنجام" وصف الدكتور محمد حسين الزبيدي، الخالدي بأنه "إنسان مثقف وذكي، جمهوري النزعة"، وينقل عنه أنه منذ سنوات دراسته في ألمانيا كان يروّج بين زملائه للنظام الجمهوري بدلاً من الملكي.

سيظلُّ مؤمناً بهذه القناعة بعد عودته من ألمانيا وسيبذل جهوداً كبيرة لنشرها بين العراقيين معتقداً أن نظام الحكم الأنسب لبلاده هو نظام جمهوري يرأسه عراقي وليس شخصاً من بلدٍ آخر حتى لو كان من الهاشميين.

لم يتخذ الخالدي هذا الموقف رفضاً للهاشميين الذين رشحت بريطانيا واحداً منهم ليكون ملكاً لبلاد الرادفين، إنما أظهر سابق إعجابه بهم عندما منح ابنه اسم "عوني" تيمناً بالشريف عون الرفيق عم الشريف حسين بن علي والد فيصل أول ملوك العراق.

لاحقاً، سيصبح عوني واحداً من ألمع موظفي وزارة الخارجية العراقية حتى يصل إلى منصب ممثّل العراق في هيئة الأمم.

منذ 1921 كثر الحديث عن شكل الحُكم الجديد المُزمع تطبيقه في العراق، فانحاز الخالدي والشيخ سالم الخيّون وعدد من رجال "الحزب الحُر" العراقي إلى الخيار الجمهوري وحظوا بدعم من عبد الله فيلبي مستشار وزارة الداخلية العراقية وقتها، لكن هذه الدعوة أُحبطت وقررت لندن إنشاء مملكة يُسند عرشها للأمير فيصل.

كان فيلبي أول ضحايا هذه السياسة بعدما تقرّر إقصاؤه من منصبه في يوليو 1921.

في سبتمبر 1921 شكّل عبد الرحمن النقيب أول وزارة في العهد الملكي فاقترح تعيين الخالدي وزيراً بها، ورفض الملك فوراً بسبب شكّه في ميول الخالدي الجمهوري، وفقاً لما ذكره مير بصري في "أعلام الكرد".

عندما تقرر إجراء تعديل على حكومة النقيب أصرّ الأخير على الخالدي هذه المرة فاستجاب الملك وعيّنه وزيراً للداخلية عام 1922، وهو ترشيح أثار اعتراضاً من جعفر العسكري وزير الدفاع آنذاك، حتى أنه هدّد بالاستقالة ثم تراجع عن هذا الموقف لاحقاً كما جاء في كتاب "إنجليز في حياة فيصل الأول" ليعقوب كوريّة.

بعد أشهر قليلة انتقل الخالدي إلى وزارة العدلية (العدل حالياً) في تشكيلها اللاحق وهو المنصب الذي شغله حتى نوفمبر 1922، ورحل عنه باستقالة وزارة النقيب.

وطالما نُظر إليه على أنه "رجل الإنقاذ" الذي يلجأ له الملك كلما ضاقت به السُبُل واستحكمت الأزمات السياسية- أرشيفية
نوري السعيد.. رجل الهاشميين الأول في العراق
لا يُمكن استحضار تاريخ العراق الملكي دون المرور على شخص السياسي البارز نوري السعيد، ذلك الرجل الذي مثّل حجر الزاوية الأساسي لتلك الفترة دون منازع حتى من الملوك أنفسهم. فلطالما نُظر إليه على أنه "رجل الإنقاذ" الذي يلجأ له الملك كلما ضاقت به السُبُل واستحكمت الأزمات السياسية.

 

جريمة اغتيال في أجواء ساخنة

في نوفمبر 1923 شكّل جعفر العسكري وزارته الأولى، وافتتحت أعمالها بالبدء في انتخابات المجلس التأسيسي الذي ألقيت عليه الكثير من المهام الجِسام الخاصة بتثبيت أركان دولة العراق الحديثة؛ أهمها البت في المعاهدة "الأنجلو عراقية" التي سمحت بإقامة مملكة عراقية مستقلة لكنها أبقت كثيراً من شؤونها العسكرية والدبلوماسية خاضعة للهوى البريطاني.

خلال انعقاد عملية انتخابات المجلس التأسيسي تلقّى الخالدي عدة رسائل تهديد لم يكترث بها، وفي فبراير 1924 تحوّلت هذه التهديدات إلى واقع.

بعدما وصل الخالدي إلى بيته قادماً من منزل عبد الرحمن النقيب باغته مسلح أطلق عليه النار وأرداه قتيلاً في الحال، وكان بعُمر 45 عاماً.

كشف أمين المميز في كتابه "كنّاش الثمانين" أن منزل الخالدي كان يُطلُّ على "دربونة" (درب صغير) ضيقة ومظلمة، الأمر الذي مكّن القاتل من تنفيذ جريمته والانسحاب سريعاً دون أن يراه أحد.

عجزت الشرطة عن العثور على القاتل رغم وصولها السريع إلى المكان وقيامها بتحريات موسّعة إلا أنها لم تُفضِ إلى شيءٍ وقُيّد الحادث ضد مجهول.

جرت هذه العملية في أجواءٍ ساخنة عاشها العراق على وقع طرح المعاهدة العراقية- البريطانية على المجلس التأسيسي للتصديق عليها، حيث اشتعلت الخلافات بين المؤيدين والمعارضين لها.

من ناحيتها، قامت إنجلترا بتضييق شديد على المعارضين للاتفاقية حتى أنها احتجزت عدداً ممن كانوا يقودون اجتماعات معادية لها حسبما ذكر عبد المجيد كامل في كتابه "دور فيصل الأول في تأسيس الدولة العراقية الحديثة".

في المقابل، نفّذ الوطنيون المعارضون لها سلسلة من إجراءات الإرهاب لدفع النواب لعدم إقرارها.

ذكر محمود شبيب في كتابه "حكايات تاريخية عراقية" أن هذه العملية أدخلت الرعب في نفوس أعوان الخالدي ودفعتهم للتعاون مع السُلطة وتراجعوا عمّا قرروه سابقاً -من خلال الحزب الحر العراقي- الامتناع عن انتخابات المجلس التأسيسي، عادوا ورشحوا أنفسهم لها وفاز بعضهم بعضوية المجلس.

وبحسب عبد المجيد فإن اغتيال الخالدي تبعته محاولتان لاغتيال عضوي المجلس عن دائرة الحلة. ورغم فشلهما، فإن هذا السلوك "أدخل الرعب في نفوس العديد من أعضاء المجلس التأسيسي الذي كان يعتزم مناقشة بنود المعاهدة فامتنع بعضهم عن حضور جلسة التصديق".

في النهاية، جرى إقرار الاتفاقية بأغلبية ضئيلة (37 موافقاً و24 معارضاً لها). بعدها تقدّم العسكري باستقالته التي قبلها الملك وكلّف ياسين الهاشمي بتشكيل حكومته الأولى.

 

من القاتل؟

في ضوء عجز الجهات القضائية العراقية عن التوصل لقاتل الخالدي بشكلٍ حاسم، اجتهدت كُتب التاريخ في هذه المهمة وقدّمت قائمة من أسماء المتهمين بالتورط فيها.

في كتابه "العراقيون المنفيون إلى جزيرة هنجام" اتّهم الدكتور محمد حسين الزبيدي، الملك فيصل، بالوقوف وراء هذه الجريمة بسبب "خوفاً من أن الإنجليز يخططون لإزاحته من العرش وتنصيب الخالدي بدلاً عنه".

ويضيف بصري في كتابه، أن الدبلوماسي البريطاني هنري دوبس دعا عدداً من أصدقائه -ومنهم الخالدي- إلى وليمة أقامها لهم في داره، بعدها اصطحب هنري الخالدي في جولة بالمحافظات، ما أثار القلق في نفس الملك فيصل، وبعدها بأيام قُتل الخالدي على باب داره.

بحسب الزبيدي، فإن "نوري السعيد كلّف اثنين من أتباعه، وهم عبدالله سرية وشاكر القره غولي وأقنعهما بالتخلّص من الخالدي بدعوى أنه عميل للإنجليز".

وفي كتابه "نوري باشا السعيد بين الموالين والمناوئين" حاول محسن العارضي، الاستدلال على تورط نوري السعيد في دم الخالدي، مستشهداً برسالة بعثها إلى المس بيل مستشارة السفير البريطاني أكد لها فيها أن الموالين لتركيا ليسوا "خطراً جسيماً، وأن فيصل يعرف كيف يتعامل معهم، لأنهم سيختفون".

أما عبد القادر البراك فلقد كشف في كتابه "ذكريات أيام زمان" أن هذا الحادث جرى بمبادرة شخصية من نوري السعيد وجعفر العسكري خوفاً من أن ينازعهما الخالدي على الحُكم في المستقبل.

بينما قدّم خيري العمري في كتابه "الخلاف بين البلاط الملكي ونوري السعيد" تفسيراً مختلفاً تماماً للحادث وهو أن "هذه العملية تمت بهدف الإيقاع بين فيصل والعناصر الوطنية التي بدأت في التسلل إلى البلاط وإلى حاشية الملك بشكلٍ أثار قلق البريطانيين بعدما بدأ فيصل في استغلال وجودهم للحصول على بعض التنازلات من لندن بدعوى أنها ستخفف من الضغوط التي يمارسها الوطنيون عليه".

ويضيف أن العملية تمت "للإيقاع بين فيصل وبينهم بشكلٍ عزّز من النفوذ البريطاني في القصر العراقي بلا منافسين".

بينما ألمح محمود شبيب إلى متهم آخر، وهو "جماعة القوميين العرب" بقيادة ياسين الهاشمي الذين "قابلوا الاغتيال بالغبطة والسرور، وربما كانوا على علمٍ مسبق به" وفق تعبيره.

في ختام تعليقه على هذه الجريمة، قال الخفاجي: "الخالدي كان ذو كفاءة نادرة، وكان خصومه يخشون بأسه ويخافون من تنامي نفوذه لأنه حينها سيُعلن قيام نظام جمهوري، ولولا اغتياله لحقق طموحه".

في النهاية حقّق هؤلاء الخصوم النجاح الكامل بعدما مثّل الإجهاز على الخالدي توجيه ضربة شديدة لمعسكر "العراق للعراقيين"، ومن بعده أصيب هذا التيار السياسي بالضعف حتى تلاشى نهائياً، بحسب ما يقول سليم الحسني في كتابه "رؤساء العراق: دراسة في اتجاهات الحُكم".

ورغم عدم إثبات أجهزة التحقيق أي علاقة لنوري السعيد أو جعفر العسكري بمقتل الخالدي، إلا أن هذه التهمة لا تزال تلاحقهما حتى اليوم، وهو ما يتّضح من القصة التي روتها الدكتورة سائحة أمين زكي في كتابها "ذكريات طبيبة عراقية": "في أعقاب وفاة العسكري عام 1936 وخلال تشييع جثمانه احتشدت جماعاتٍ من النساء الحزينات على رحيل الفقيد، فجأة خالفت إحداهن الجميع وأطلقت زغرودة تعبيراً عن فرحتها برحيله. لاحقاً تبيّن أنها إحدى قريبات الخالدي وأنها مؤمنة بأن العسكري كان هو المُخطط الرئيسي لرحيله".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.