واحدٌ من سياسي العراق، أثبت كفاءة كبيرة في سنٍ صغيرة منحته مكانة كبيرة في السياسة العراقية، وتوقّع له الكثيرون مستقبلاً سياسياً باهراً قد يقوده إلى حُكم البلاد يوماً. إلا أن كل ذلك انتهى بسبب جريمة قتل تعرّض لها على عتبة داره، أودت بحياته وخلّدته كأول ضحية اغتيال سياسي في تاريخ البلاد الحديث، فمن هو؟
هو توفيق عبد القادر بن معروف الخالدي، وُلد في بغداد عام 1879. تلقى تعليمه الأوّلي في في العراق حتى التحق بالكلية العسكرية العثمانية في إسطنبول وتخرج فيها برتبة ملازم، بحسب كتاب "الرصاص السياسي في العراق" لفايز الخفاجي.
في عام 1908، تولّى الخالدي تأسيس فرع جمعية "الاتحاد والترقي" بصحبة معروف الرصافي وجميل الزهاوي ومراد سليمان وآخرين، وفي 1913 عُين مديراً لمدرسة "الدرك" في بغداد، ولاحقاً انتُخب نائباً عن بغداد في مجلس المبعوثان العثماني.
وبعد اندلاع الحرب العالمية الأولى أوفدته إسطنبول إلى ألمانيا لتلقى المزيد من التدريب العسكري، ليعود إلى بلده برتبة مقدم ركن.
"جمهوري" في خدمة الملكية
في كتابه "العراقيون المنفيون إلى جزيرة هنجام" وصف الدكتور محمد حسين الزبيدي، الخالدي بأنه "إنسان مثقف وذكي، جمهوري النزعة"، وينقل عنه أنه منذ سنوات دراسته في ألمانيا كان يروّج بين زملائه للنظام الجمهوري بدلاً من الملكي.
سيظلُّ مؤمناً بهذه القناعة بعد عودته من ألمانيا وسيبذل جهوداً كبيرة لنشرها بين العراقيين معتقداً أن نظام الحكم الأنسب لبلاده هو نظام جمهوري يرأسه عراقي وليس شخصاً من بلدٍ آخر حتى لو كان من الهاشميين.
لم يتخذ الخالدي هذا الموقف رفضاً للهاشميين الذين رشحت بريطانيا واحداً منهم ليكون ملكاً لبلاد الرادفين، إنما أظهر سابق إعجابه بهم عندما منح ابنه اسم "عوني" تيمناً بالشريف عون الرفيق عم الشريف حسين بن علي والد فيصل أول ملوك العراق.
لاحقاً، سيصبح عوني واحداً من ألمع موظفي وزارة الخارجية العراقية حتى يصل إلى منصب ممثّل العراق في هيئة الأمم.
منذ 1921 كثر الحديث عن شكل الحُكم الجديد المُزمع تطبيقه في العراق، فانحاز الخالدي والشيخ سالم الخيّون وعدد من رجال "الحزب الحُر" العراقي إلى الخيار الجمهوري وحظوا بدعم من عبد الله فيلبي مستشار وزارة الداخلية العراقية وقتها، لكن هذه الدعوة أُحبطت وقررت لندن إنشاء مملكة يُسند عرشها للأمير فيصل.
كان فيلبي أول ضحايا هذه السياسة بعدما تقرّر إقصاؤه من منصبه في يوليو 1921.
في سبتمبر 1921 شكّل عبد الرحمن النقيب أول وزارة في العهد الملكي فاقترح تعيين الخالدي وزيراً بها، ورفض الملك فوراً بسبب شكّه في ميول الخالدي الجمهوري، وفقاً لما ذكره مير بصري في "أعلام الكرد".
عندما تقرر إجراء تعديل على حكومة النقيب أصرّ الأخير على الخالدي هذه المرة فاستجاب الملك وعيّنه وزيراً للداخلية عام 1922، وهو ترشيح أثار اعتراضاً من جعفر العسكري وزير الدفاع آنذاك، حتى أنه هدّد بالاستقالة ثم تراجع عن هذا الموقف لاحقاً كما جاء في كتاب "إنجليز في حياة فيصل الأول" ليعقوب كوريّة.
بعد أشهر قليلة انتقل الخالدي إلى وزارة العدلية (العدل حالياً) في تشكيلها اللاحق وهو المنصب الذي شغله حتى نوفمبر 1922، ورحل عنه باستقالة وزارة النقيب.
جريمة اغتيال في أجواء ساخنة
في نوفمبر 1923 شكّل جعفر العسكري وزارته الأولى، وافتتحت أعمالها بالبدء في انتخابات المجلس التأسيسي الذي ألقيت عليه الكثير من المهام الجِسام الخاصة بتثبيت أركان دولة العراق الحديثة؛ أهمها البت في المعاهدة "الأنجلو عراقية" التي سمحت بإقامة مملكة عراقية مستقلة لكنها أبقت كثيراً من شؤونها العسكرية والدبلوماسية خاضعة للهوى البريطاني.
خلال انعقاد عملية انتخابات المجلس التأسيسي تلقّى الخالدي عدة رسائل تهديد لم يكترث بها، وفي فبراير 1924 تحوّلت هذه التهديدات إلى واقع.
بعدما وصل الخالدي إلى بيته قادماً من منزل عبد الرحمن النقيب باغته مسلح أطلق عليه النار وأرداه قتيلاً في الحال، وكان بعُمر 45 عاماً.
كشف أمين المميز في كتابه "كنّاش الثمانين" أن منزل الخالدي كان يُطلُّ على "دربونة" (درب صغير) ضيقة ومظلمة، الأمر الذي مكّن القاتل من تنفيذ جريمته والانسحاب سريعاً دون أن يراه أحد.
عجزت الشرطة عن العثور على القاتل رغم وصولها السريع إلى المكان وقيامها بتحريات موسّعة إلا أنها لم تُفضِ إلى شيءٍ وقُيّد الحادث ضد مجهول.
جرت هذه العملية في أجواءٍ ساخنة عاشها العراق على وقع طرح المعاهدة العراقية- البريطانية على المجلس التأسيسي للتصديق عليها، حيث اشتعلت الخلافات بين المؤيدين والمعارضين لها.
من ناحيتها، قامت إنجلترا بتضييق شديد على المعارضين للاتفاقية حتى أنها احتجزت عدداً ممن كانوا يقودون اجتماعات معادية لها حسبما ذكر عبد المجيد كامل في كتابه "دور فيصل الأول في تأسيس الدولة العراقية الحديثة".
في المقابل، نفّذ الوطنيون المعارضون لها سلسلة من إجراءات الإرهاب لدفع النواب لعدم إقرارها.
ذكر محمود شبيب في كتابه "حكايات تاريخية عراقية" أن هذه العملية أدخلت الرعب في نفوس أعوان الخالدي ودفعتهم للتعاون مع السُلطة وتراجعوا عمّا قرروه سابقاً -من خلال الحزب الحر العراقي- الامتناع عن انتخابات المجلس التأسيسي، عادوا ورشحوا أنفسهم لها وفاز بعضهم بعضوية المجلس.
وبحسب عبد المجيد فإن اغتيال الخالدي تبعته محاولتان لاغتيال عضوي المجلس عن دائرة الحلة. ورغم فشلهما، فإن هذا السلوك "أدخل الرعب في نفوس العديد من أعضاء المجلس التأسيسي الذي كان يعتزم مناقشة بنود المعاهدة فامتنع بعضهم عن حضور جلسة التصديق".
في النهاية، جرى إقرار الاتفاقية بأغلبية ضئيلة (37 موافقاً و24 معارضاً لها). بعدها تقدّم العسكري باستقالته التي قبلها الملك وكلّف ياسين الهاشمي بتشكيل حكومته الأولى.
من القاتل؟
في ضوء عجز الجهات القضائية العراقية عن التوصل لقاتل الخالدي بشكلٍ حاسم، اجتهدت كُتب التاريخ في هذه المهمة وقدّمت قائمة من أسماء المتهمين بالتورط فيها.
في كتابه "العراقيون المنفيون إلى جزيرة هنجام" اتّهم الدكتور محمد حسين الزبيدي، الملك فيصل، بالوقوف وراء هذه الجريمة بسبب "خوفاً من أن الإنجليز يخططون لإزاحته من العرش وتنصيب الخالدي بدلاً عنه".
ويضيف بصري في كتابه، أن الدبلوماسي البريطاني هنري دوبس دعا عدداً من أصدقائه -ومنهم الخالدي- إلى وليمة أقامها لهم في داره، بعدها اصطحب هنري الخالدي في جولة بالمحافظات، ما أثار القلق في نفس الملك فيصل، وبعدها بأيام قُتل الخالدي على باب داره.
بحسب الزبيدي، فإن "نوري السعيد كلّف اثنين من أتباعه، وهم عبدالله سرية وشاكر القره غولي وأقنعهما بالتخلّص من الخالدي بدعوى أنه عميل للإنجليز".
وفي كتابه "نوري باشا السعيد بين الموالين والمناوئين" حاول محسن العارضي، الاستدلال على تورط نوري السعيد في دم الخالدي، مستشهداً برسالة بعثها إلى المس بيل مستشارة السفير البريطاني أكد لها فيها أن الموالين لتركيا ليسوا "خطراً جسيماً، وأن فيصل يعرف كيف يتعامل معهم، لأنهم سيختفون".
أما عبد القادر البراك فلقد كشف في كتابه "ذكريات أيام زمان" أن هذا الحادث جرى بمبادرة شخصية من نوري السعيد وجعفر العسكري خوفاً من أن ينازعهما الخالدي على الحُكم في المستقبل.
بينما قدّم خيري العمري في كتابه "الخلاف بين البلاط الملكي ونوري السعيد" تفسيراً مختلفاً تماماً للحادث وهو أن "هذه العملية تمت بهدف الإيقاع بين فيصل والعناصر الوطنية التي بدأت في التسلل إلى البلاط وإلى حاشية الملك بشكلٍ أثار قلق البريطانيين بعدما بدأ فيصل في استغلال وجودهم للحصول على بعض التنازلات من لندن بدعوى أنها ستخفف من الضغوط التي يمارسها الوطنيون عليه".
ويضيف أن العملية تمت "للإيقاع بين فيصل وبينهم بشكلٍ عزّز من النفوذ البريطاني في القصر العراقي بلا منافسين".
بينما ألمح محمود شبيب إلى متهم آخر، وهو "جماعة القوميين العرب" بقيادة ياسين الهاشمي الذين "قابلوا الاغتيال بالغبطة والسرور، وربما كانوا على علمٍ مسبق به" وفق تعبيره.
في ختام تعليقه على هذه الجريمة، قال الخفاجي: "الخالدي كان ذو كفاءة نادرة، وكان خصومه يخشون بأسه ويخافون من تنامي نفوذه لأنه حينها سيُعلن قيام نظام جمهوري، ولولا اغتياله لحقق طموحه".
في النهاية حقّق هؤلاء الخصوم النجاح الكامل بعدما مثّل الإجهاز على الخالدي توجيه ضربة شديدة لمعسكر "العراق للعراقيين"، ومن بعده أصيب هذا التيار السياسي بالضعف حتى تلاشى نهائياً، بحسب ما يقول سليم الحسني في كتابه "رؤساء العراق: دراسة في اتجاهات الحُكم".
ورغم عدم إثبات أجهزة التحقيق أي علاقة لنوري السعيد أو جعفر العسكري بمقتل الخالدي، إلا أن هذه التهمة لا تزال تلاحقهما حتى اليوم، وهو ما يتّضح من القصة التي روتها الدكتورة سائحة أمين زكي في كتابها "ذكريات طبيبة عراقية": "في أعقاب وفاة العسكري عام 1936 وخلال تشييع جثمانه احتشدت جماعاتٍ من النساء الحزينات على رحيل الفقيد، فجأة خالفت إحداهن الجميع وأطلقت زغرودة تعبيراً عن فرحتها برحيله. لاحقاً تبيّن أنها إحدى قريبات الخالدي وأنها مؤمنة بأن العسكري كان هو المُخطط الرئيسي لرحيله".
