ولد السياسي العراقي توفيق عبد القادر بن معروف الخالدي في بغداد عام 1879- مصدر الصورة صحف عراقية
ولد السياسي العراقي توفيق عبد القادر بن معروف الخالدي في بغداد عام 1879- مصدر الصورة صحف عراقية

واحدٌ من سياسي العراق، أثبت كفاءة كبيرة في سنٍ صغيرة منحته مكانة كبيرة في السياسة العراقية، وتوقّع له الكثيرون مستقبلاً سياسياً باهراً قد يقوده إلى حُكم البلاد يوماً. إلا أن كل ذلك انتهى بسبب جريمة قتل تعرّض لها على عتبة داره، أودت بحياته وخلّدته كأول ضحية اغتيال سياسي في تاريخ البلاد الحديث، فمن هو؟

هو توفيق عبد القادر بن معروف الخالدي، وُلد في بغداد عام 1879. تلقى تعليمه الأوّلي في في العراق حتى التحق بالكلية العسكرية العثمانية في إسطنبول وتخرج فيها برتبة ملازم، بحسب كتاب "الرصاص السياسي في العراق" لفايز الخفاجي.

في عام 1908، تولّى الخالدي تأسيس فرع جمعية "الاتحاد والترقي" بصحبة معروف الرصافي وجميل الزهاوي ومراد سليمان وآخرين، وفي 1913 عُين مديراً لمدرسة "الدرك" في بغداد، ولاحقاً انتُخب نائباً عن بغداد في مجلس المبعوثان العثماني.

وبعد اندلاع الحرب العالمية الأولى أوفدته إسطنبول إلى ألمانيا لتلقى المزيد من التدريب العسكري، ليعود إلى بلده برتبة مقدم ركن.

قتل الملك فيصل الثاني ولم يكن تجاوز من العمر 23 عاما.
مجزرة قصر الرحاب.. نهاية دموية لحُكم الهاشميين في العراق
كان عبد الستار العبوسي في القصر لحظة خروج العائلة المالكة. ما إن رآهم حتى هرع نحوهم قفزًا.. وتأكد من الضابط المرافق لهم أنه اصطحب كافة العائلة الهاشمية، ثم رفع رشاشه وراح يُطلق الرصاص يمينًا ويسارًا حتى سقطوا جميعًا مضرجين بدمائهم.

 

"جمهوري" في خدمة الملكية

في كتابه "العراقيون المنفيون إلى جزيرة هنجام" وصف الدكتور محمد حسين الزبيدي، الخالدي بأنه "إنسان مثقف وذكي، جمهوري النزعة"، وينقل عنه أنه منذ سنوات دراسته في ألمانيا كان يروّج بين زملائه للنظام الجمهوري بدلاً من الملكي.

سيظلُّ مؤمناً بهذه القناعة بعد عودته من ألمانيا وسيبذل جهوداً كبيرة لنشرها بين العراقيين معتقداً أن نظام الحكم الأنسب لبلاده هو نظام جمهوري يرأسه عراقي وليس شخصاً من بلدٍ آخر حتى لو كان من الهاشميين.

لم يتخذ الخالدي هذا الموقف رفضاً للهاشميين الذين رشحت بريطانيا واحداً منهم ليكون ملكاً لبلاد الرادفين، إنما أظهر سابق إعجابه بهم عندما منح ابنه اسم "عوني" تيمناً بالشريف عون الرفيق عم الشريف حسين بن علي والد فيصل أول ملوك العراق.

لاحقاً، سيصبح عوني واحداً من ألمع موظفي وزارة الخارجية العراقية حتى يصل إلى منصب ممثّل العراق في هيئة الأمم.

منذ 1921 كثر الحديث عن شكل الحُكم الجديد المُزمع تطبيقه في العراق، فانحاز الخالدي والشيخ سالم الخيّون وعدد من رجال "الحزب الحُر" العراقي إلى الخيار الجمهوري وحظوا بدعم من عبد الله فيلبي مستشار وزارة الداخلية العراقية وقتها، لكن هذه الدعوة أُحبطت وقررت لندن إنشاء مملكة يُسند عرشها للأمير فيصل.

كان فيلبي أول ضحايا هذه السياسة بعدما تقرّر إقصاؤه من منصبه في يوليو 1921.

في سبتمبر 1921 شكّل عبد الرحمن النقيب أول وزارة في العهد الملكي فاقترح تعيين الخالدي وزيراً بها، ورفض الملك فوراً بسبب شكّه في ميول الخالدي الجمهوري، وفقاً لما ذكره مير بصري في "أعلام الكرد".

عندما تقرر إجراء تعديل على حكومة النقيب أصرّ الأخير على الخالدي هذه المرة فاستجاب الملك وعيّنه وزيراً للداخلية عام 1922، وهو ترشيح أثار اعتراضاً من جعفر العسكري وزير الدفاع آنذاك، حتى أنه هدّد بالاستقالة ثم تراجع عن هذا الموقف لاحقاً كما جاء في كتاب "إنجليز في حياة فيصل الأول" ليعقوب كوريّة.

بعد أشهر قليلة انتقل الخالدي إلى وزارة العدلية (العدل حالياً) في تشكيلها اللاحق وهو المنصب الذي شغله حتى نوفمبر 1922، ورحل عنه باستقالة وزارة النقيب.

وطالما نُظر إليه على أنه "رجل الإنقاذ" الذي يلجأ له الملك كلما ضاقت به السُبُل واستحكمت الأزمات السياسية- أرشيفية
نوري السعيد.. رجل الهاشميين الأول في العراق
لا يُمكن استحضار تاريخ العراق الملكي دون المرور على شخص السياسي البارز نوري السعيد، ذلك الرجل الذي مثّل حجر الزاوية الأساسي لتلك الفترة دون منازع حتى من الملوك أنفسهم. فلطالما نُظر إليه على أنه "رجل الإنقاذ" الذي يلجأ له الملك كلما ضاقت به السُبُل واستحكمت الأزمات السياسية.

 

جريمة اغتيال في أجواء ساخنة

في نوفمبر 1923 شكّل جعفر العسكري وزارته الأولى، وافتتحت أعمالها بالبدء في انتخابات المجلس التأسيسي الذي ألقيت عليه الكثير من المهام الجِسام الخاصة بتثبيت أركان دولة العراق الحديثة؛ أهمها البت في المعاهدة "الأنجلو عراقية" التي سمحت بإقامة مملكة عراقية مستقلة لكنها أبقت كثيراً من شؤونها العسكرية والدبلوماسية خاضعة للهوى البريطاني.

خلال انعقاد عملية انتخابات المجلس التأسيسي تلقّى الخالدي عدة رسائل تهديد لم يكترث بها، وفي فبراير 1924 تحوّلت هذه التهديدات إلى واقع.

بعدما وصل الخالدي إلى بيته قادماً من منزل عبد الرحمن النقيب باغته مسلح أطلق عليه النار وأرداه قتيلاً في الحال، وكان بعُمر 45 عاماً.

كشف أمين المميز في كتابه "كنّاش الثمانين" أن منزل الخالدي كان يُطلُّ على "دربونة" (درب صغير) ضيقة ومظلمة، الأمر الذي مكّن القاتل من تنفيذ جريمته والانسحاب سريعاً دون أن يراه أحد.

عجزت الشرطة عن العثور على القاتل رغم وصولها السريع إلى المكان وقيامها بتحريات موسّعة إلا أنها لم تُفضِ إلى شيءٍ وقُيّد الحادث ضد مجهول.

جرت هذه العملية في أجواءٍ ساخنة عاشها العراق على وقع طرح المعاهدة العراقية- البريطانية على المجلس التأسيسي للتصديق عليها، حيث اشتعلت الخلافات بين المؤيدين والمعارضين لها.

من ناحيتها، قامت إنجلترا بتضييق شديد على المعارضين للاتفاقية حتى أنها احتجزت عدداً ممن كانوا يقودون اجتماعات معادية لها حسبما ذكر عبد المجيد كامل في كتابه "دور فيصل الأول في تأسيس الدولة العراقية الحديثة".

في المقابل، نفّذ الوطنيون المعارضون لها سلسلة من إجراءات الإرهاب لدفع النواب لعدم إقرارها.

ذكر محمود شبيب في كتابه "حكايات تاريخية عراقية" أن هذه العملية أدخلت الرعب في نفوس أعوان الخالدي ودفعتهم للتعاون مع السُلطة وتراجعوا عمّا قرروه سابقاً -من خلال الحزب الحر العراقي- الامتناع عن انتخابات المجلس التأسيسي، عادوا ورشحوا أنفسهم لها وفاز بعضهم بعضوية المجلس.

وبحسب عبد المجيد فإن اغتيال الخالدي تبعته محاولتان لاغتيال عضوي المجلس عن دائرة الحلة. ورغم فشلهما، فإن هذا السلوك "أدخل الرعب في نفوس العديد من أعضاء المجلس التأسيسي الذي كان يعتزم مناقشة بنود المعاهدة فامتنع بعضهم عن حضور جلسة التصديق".

في النهاية، جرى إقرار الاتفاقية بأغلبية ضئيلة (37 موافقاً و24 معارضاً لها). بعدها تقدّم العسكري باستقالته التي قبلها الملك وكلّف ياسين الهاشمي بتشكيل حكومته الأولى.

 

من القاتل؟

في ضوء عجز الجهات القضائية العراقية عن التوصل لقاتل الخالدي بشكلٍ حاسم، اجتهدت كُتب التاريخ في هذه المهمة وقدّمت قائمة من أسماء المتهمين بالتورط فيها.

في كتابه "العراقيون المنفيون إلى جزيرة هنجام" اتّهم الدكتور محمد حسين الزبيدي، الملك فيصل، بالوقوف وراء هذه الجريمة بسبب "خوفاً من أن الإنجليز يخططون لإزاحته من العرش وتنصيب الخالدي بدلاً عنه".

ويضيف بصري في كتابه، أن الدبلوماسي البريطاني هنري دوبس دعا عدداً من أصدقائه -ومنهم الخالدي- إلى وليمة أقامها لهم في داره، بعدها اصطحب هنري الخالدي في جولة بالمحافظات، ما أثار القلق في نفس الملك فيصل، وبعدها بأيام قُتل الخالدي على باب داره.

بحسب الزبيدي، فإن "نوري السعيد كلّف اثنين من أتباعه، وهم عبدالله سرية وشاكر القره غولي وأقنعهما بالتخلّص من الخالدي بدعوى أنه عميل للإنجليز".

وفي كتابه "نوري باشا السعيد بين الموالين والمناوئين" حاول محسن العارضي، الاستدلال على تورط نوري السعيد في دم الخالدي، مستشهداً برسالة بعثها إلى المس بيل مستشارة السفير البريطاني أكد لها فيها أن الموالين لتركيا ليسوا "خطراً جسيماً، وأن فيصل يعرف كيف يتعامل معهم، لأنهم سيختفون".

أما عبد القادر البراك فلقد كشف في كتابه "ذكريات أيام زمان" أن هذا الحادث جرى بمبادرة شخصية من نوري السعيد وجعفر العسكري خوفاً من أن ينازعهما الخالدي على الحُكم في المستقبل.

بينما قدّم خيري العمري في كتابه "الخلاف بين البلاط الملكي ونوري السعيد" تفسيراً مختلفاً تماماً للحادث وهو أن "هذه العملية تمت بهدف الإيقاع بين فيصل والعناصر الوطنية التي بدأت في التسلل إلى البلاط وإلى حاشية الملك بشكلٍ أثار قلق البريطانيين بعدما بدأ فيصل في استغلال وجودهم للحصول على بعض التنازلات من لندن بدعوى أنها ستخفف من الضغوط التي يمارسها الوطنيون عليه".

ويضيف أن العملية تمت "للإيقاع بين فيصل وبينهم بشكلٍ عزّز من النفوذ البريطاني في القصر العراقي بلا منافسين".

بينما ألمح محمود شبيب إلى متهم آخر، وهو "جماعة القوميين العرب" بقيادة ياسين الهاشمي الذين "قابلوا الاغتيال بالغبطة والسرور، وربما كانوا على علمٍ مسبق به" وفق تعبيره.

في ختام تعليقه على هذه الجريمة، قال الخفاجي: "الخالدي كان ذو كفاءة نادرة، وكان خصومه يخشون بأسه ويخافون من تنامي نفوذه لأنه حينها سيُعلن قيام نظام جمهوري، ولولا اغتياله لحقق طموحه".

في النهاية حقّق هؤلاء الخصوم النجاح الكامل بعدما مثّل الإجهاز على الخالدي توجيه ضربة شديدة لمعسكر "العراق للعراقيين"، ومن بعده أصيب هذا التيار السياسي بالضعف حتى تلاشى نهائياً، بحسب ما يقول سليم الحسني في كتابه "رؤساء العراق: دراسة في اتجاهات الحُكم".

ورغم عدم إثبات أجهزة التحقيق أي علاقة لنوري السعيد أو جعفر العسكري بمقتل الخالدي، إلا أن هذه التهمة لا تزال تلاحقهما حتى اليوم، وهو ما يتّضح من القصة التي روتها الدكتورة سائحة أمين زكي في كتابها "ذكريات طبيبة عراقية": "في أعقاب وفاة العسكري عام 1936 وخلال تشييع جثمانه احتشدت جماعاتٍ من النساء الحزينات على رحيل الفقيد، فجأة خالفت إحداهن الجميع وأطلقت زغرودة تعبيراً عن فرحتها برحيله. لاحقاً تبيّن أنها إحدى قريبات الخالدي وأنها مؤمنة بأن العسكري كان هو المُخطط الرئيسي لرحيله".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".