أعضاء في "الحركة الإسلامية" النيجيرية أثناء تظاهرهم من أجل الإفراج عن الزكزاكي- أرشيف 2019
أعضاء في "الحركة الإسلامية" النيجيرية أثناء تظاهرهم من أجل الإفراج عن الزكزاكي- أرشيف 2019

يزيد عدد سكان نيجيريا عن 200 مليون نسمة، يتوزعون دينياً بين الإسلام الذي يغلب على سكان الولايات الشمالية، والمسيحي التي يعتنقها أغلبية سكان الولايات الجنوبية.

ورغم انتماء الغالبية الغالبة من المسلمين النيجيريين للمذهب السني، إلا أن الأقلية الشيعية المتمركزة في في ولايات كانو وسكوتو وكادونا تمكنت من لفت الأنظار بشكل كبير في الفترة الأخيرة. في هذا السياق، يظهر اسم الشيخ إبراهيم الزكزاكي، زعيم "الحركة الإسلامية" في نيجيريا، التي دخلت في معارك قوية ضد الجيش النيجيري خلال السنوات الماضية.

فمن هو الزكزاكي؟ وما أهم الأحداث التي شاركت فيها "الحركة الإسلامية"؟ وما الذي يربطها بالقيادات الشيعية في إيران والعراق؟

Shi'ite Muslim pilgrims gather ahead of the holy Shi'ite ritual of Arbaeen in the holy city of Kerbala
التشيع بين ظلامته وبين نعيم سلطته
يشهد التشيع في أصقاعه وبؤره شحناً هائلاً في شعائره، يبلغ ذروته المشهدية في العراق، لكن لبنان لا يخلو منها، ويبدو أن إيران التي تضبط تشيعها ضمن حدود ولاية الفقيه شرعت مؤخراً في دفع مؤمنيها للذهاب إلى مدن العتبات في العراق ليرفعوا فيها من وتيرة الشعيرة حتى تبلغ منتهاها السياسي.

 

الزكزاكي وتأسيس "الحركة الإسلامية"

ولد إبراهيم يعقوب الزكزاكي عام 1953 في مدينة زاريا شمال نيجيريا، ويُلقب بالزكزاكي نسبةً إلى مدينة زكزاك النيجيرية. ينتمي الزكزاكي لأسرة مسلمة سُنية على المذهب المالكي، وترجع أصول الأسرة إلى مالي، لكن في بدايات القرن التاسع عشر الميلادي قدم أحد أجداده ليستقر في نيجيريا.

في صغره، تلقى الزكزاكي التعليم الديني الابتدائي ودرس اللغة العربية في منطقة زاريا، وفي السبعينيات التحق بكلية الدراسات العربية في مدينة كانو، وبعدها، التحق بجامعة أحمد بيلّو في زاريا حيث درس الاقتصاد ونال شهادة البكالوريوس عام 1979.

بدأ ارتباطه بالمذهب الشيعي في السنين الأخيرة من دراسته الجامعية. يذكر الباحث العراقي حيدر عبد الجليل في دراسته "دور الفكر الحسيني في نشر الإسلام المحمدي" أن الخطوات الأولى لتشكيل "الحركة الإسلامية" في نيجريا وقعت في أحد المؤتمرات الذي أقيم بمدينة كتسينا عام 1978 إثر إلقاء الزكزاكي محاضرته، حيث دعا الحاضرين إلى جلسة مفتوحة داخل المسجد، حضرها نحو 40 طالباً.

بعد سماع الطلاب كلمات الشيخ، يضيف عبد الجليل "عاهدوا الله عهد الرّجال على القيام بالحركة الإسلامية مع نشر أفكارها الإصلاحية في مناطقهم...".

وبعد سنة واحدة، اندلعت الثورة الإسلامية في إيران على يد آية الله الخميني، وتأثر الزكزاكي وجماعته الناشئة بأفكار الثورة، ليسافر عام 1980 إلى طهران للمرة الأولى من أجل المشاركة في الذكرى الأولى للثورة الإسلامية. وهناك، أعتنق المذهب الشيعي بشكل رسمي والتقى بالعديد من قيادات الثورة.

يبين عبد الجليل، أن الزكزاكي اعتقل أكثر من مرة من قِبل السلطات النيجيرية في فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، بسبب أنشطته الدعوية الداعية لنشر المذهب الشيعي في شمال نيجيريا من خلال تأسيس "الحركة الإسلامية في نيجيريا".

وأسس الزكزاكي عشرات المدارس الدينية الإسلامية التي تدرس المذهب الشيعي الإمامي، وأقام حسينية "بقية الله" في منطقة زاريا.  كما أسس عدة مؤسسات خيرية لتقديم الخدمات المالية والصحية والتعليمية. ومنها "مؤسسة الشهداء"، التي قامت على رعاية أبناء الشهداء وكفالة الأيتام. و"مؤسسة الزهراء"، التي عملت على حفر الآبار وشق قنوات المياه وتخليص المسجونين ومساعدة الأرامل.

في 1995، حدث انشقاق في صفوف الحركة وتشكلت جماعة شيعية جديدة في نيجيريا تحت اسم "التجديد الإسلامي". رغم ذلك تمكنت الحركة من التوسع في العديد من الدول في غرب أفريقيا وامتد نشاطها إلى النيجر وسيراليون.

 

المواجهات مع الجيش النيجيري

شهدت السنوات الماضية اندلاع العديد من المواجهات بين الجيش النيجيري والجماعات السنية النيجيرية المسلحة من جهة، والحركة الإسلامية في نيجيريا من جهة أخرى. بدأت تلك المواجهات في يونيو 2005، عندما نشرت نيجيريا مئات الجنود في مدينة سوكوتو الواقعة في أقصى غرب البلاد؛ على خلفية اندلاع أحداث العنف الطائفي بين السنة والشيعة التي أدت لمقتل 12 شخصاً.

في نوفمبر 2015، استهدف  تفجير انتحاري موكباً للمسلمين الشيعة قرب مدينة كانو شمالي نيجيريا وأوقع 21 قتيلاً.  وفي ديسمبر من العام نفسه اشتعلت الأوضاع في زاريا بعدما قُتل مئات المسلمين الشيعة على يد جنود الجيش النيجيري أثناء خروج بعض المظاهرات في "يوم القدس العالمي"، الذي يحتفل به الشيعة الموالون لإيران في الجمعة الأخيرة من رمضان سنوياً.

شهدت تلك الأحداث تدمير منزل الزكزاكي والقبض عليه عقب إصابته بعيارات نارية، فيما قُتل ثلاثة من أبنائه، فضلاً عن نائب زعيم الحركة.

وُصفت تلك المواجهة بـ"المذبحة الدموية"، وقالت منظمة العفو الدولية "يجب على وجه السرعة فتح تحقيق في حادثة إطلاق النار على المجموعة الشيعية وتقديم أي شخص تتبين مسؤوليته عن أعمال القتل غير القانونية إلى ساحة العدالة".

من ناحيته، نفى الجيش النيجيري تلك الاتهامات، وصرح وقتها أن السبب الرئيس لتلك الاشتباكات يعود لقيام "الحركة الإسلامية" بمحاولة اغتيال رئيس أركان الجيش.

كشفت تلك الأحداث عن التأييد القوي الذي يتمتع به الزكزاكي داخل الأوساط الإيرانية، حيث اتصل رئيس الجمهورية الإسلامية -الأسبق- في إيران، حسن روحاني، برئيس جمهورية نيجيريا وطلب منه تشكيل لجنة خاصة للتحقيق في الأحداث التي وقعت في زاريا. كما استدعت طهران القائم بالأعمال النيجيري إلى مقر وزارة الخارجية، وأجرى وزير الخارجية الإيراني الأسبق جواد ظريف اتصالاً هاتفيا بنظيره النيجيري.

وذكرت إذاعة طهران أن المدعي العام في إيران محمد جعفر منتظري خاطب الحكومة النيجيرية بشكل رسمي وطالبها بتسليم الزكزاكي لطهران لتلقي العلاج، معتبراً أن حالته الصحية "مصدر قلق".

كذلك، تلقى الزكزاكي الدعم من جانب العديد من رجال الدين الشيعة. على سبيل المثال، وصف المرجع الديني آية الله ناصر مكارم الشيرازي، الزكزاكي، بأنه "الشهيد الحي في العالم الإسلامي"، ودعا السلطات النيجيرية للموافقة على نقله إلى دولة إسلامية لتلقي العلاج.

في 2019، سمح القضاء النيجيري بالإفراج عن الزكزاكي بشكل مؤقت ليسافر للهند من أجل تلقي العلاج. وعقب عودته، فُرضت عليه الإقامة الجبرية تحت الحراسة المشددة.

في 2021، قضت المحكمة العليا بولاية كادونا في نيجيريا بإطلاق سراح الزكزاكي بعد اعتقاله لمدة 6 سنوات، وفي يوليو من تلك السنة تم الإفراج بشكل نهائي عن الزعيم الشيعي، وخرج مرة أخرى لأنصاره.

 

علاقته بطهران وحلفائها

حرص الزكزاكي على عقد علاقات وطيدة مع إيران باعتبارها حامية المذهب الشيعي الإمامي الإثني عشري حول العالم. وأعلن في العديد من المناسبات عن ولائه الكامل للنظام الإسلامي في طهران، وعن اعتناقه نظرية الولي الفقيه، التي تجعل من "الحركة الإسلامية" في نيجيريا ذراعاً من أذرع المرشد الأعلى علي خامنئي.

ظهرت دلائل هذا التأييد في العديد من المواقف التي أعرب فيها الزكزاكي عن تقديره لإيران وحلفائها. على سبيل المثال، في الأيام الأولى من ديسمبر 2015، سافر الزكزاكي إلى بيروت وقابل عددا من قيادات حزب الله اللبناني وحرص على التقاط بعض الصور له في مقابر قيادات الحزب، منهم هادي حسن نصر الله وعماد مغنية وجهاد مغنية.

في أغسطس 2023، انتقد الزكزاكي التدخل الغربي في شؤون القارة الإفريقية، وسار على نهج الثورة الإيرانية في موقفها المناهض للإمبريالية العالمية. من بين تصريحاته بهذا الخصوص، أن "أميركا وفرنسا قد تتسببان في أزمة بين نيجيريا والنيجر... من الواضح أن هذه ليست حربنا، بل حرباً بين أميركا وفرنسا".

في أكتوبر من العام نفسه، سافر الزكزاكي إلى طهران للمرة الأولى عقب الإفراج عنه، وحظي باستقبال شعبي حاشد، كما التقى بالعديد من قيادات الجمهورية الإسلامية على رأسهم المرشد علي خامنئي، الذي وصف الزكزاكي بأنه "مجاهد حقيقي في سبيل الله".

في تلك الزيارة، تم تكريم الزكزاكي من قِبل جامعة طهران عبر منحه الدكتوراه الفخرية "لجهوده في نشر مبادئ الثورة الإيرانية في القارة الأفريقية"، وأبدى هو إعجابه بنموذج الحكم في الجمهورية الإسلامية، قائلاً إن إيران حالياً "قوة كبرى ونموذج عالمي".

كما أشاد بأفكار آية الله الخميني، بقوله "رغم مرور 34 عاماً على رحيل مفجر الثورة الإسلامية، الإمام الخميني، إلا أن أفكاره لا تزال حية وحديثة"، ولم يفت الزكزاكي التعليق على أحداث الحرب الجارية في قطاع غزة. فقال أثناء زيارته للعتبة الرضوية في مدينة مشهد الإيرانية "إن عملية طوفان الأقصى هي بداية تراجع الجيش الصهيوني وهزيمته نهائياً".

من جهة أخرى، تابع الزكزاكي أنشطته الرامية لربط حركته بمعاقل التشيع في العالم العربي، وقد وصل هذا الأسبوع إلى مدينة النجف الأشرف في العراق، والتقى بالعديد من المراجع وقيادات الحوزة الدينية، مثل قيس الخزعلي، الأمين العام لحركة "عصائب أهل الحق".

وذكر بيان للمكتب الإعلامي للخزعلي، إنه تباحث مع الزكزاكي في أبرز القضايا التي تجري على الساحة الدولية، وفي مقدّمتها "نصرة الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة التي تتصدى للعدوان الصهيوني الغاشم. ومظلومية شيعة أمير المؤمنين في نيجيريا وسائر دول أفريقيا القريبة منها"، على حدّ تعبيره.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".