A drone view shows the city of Baghdad
صورة بواسطة درون للعاصمة العراقية بغداد- تعبيرية

منذ سنوات طويلة يحلم الأربعيني حيدر العتابي بالحصول على منزل يأويه مع عائلته للخلاص من "لعنة الإيجار" كما يسميها، إلا أن رغبته تصطدم كل مرة بأسعار الأراضي التي لا تتوقف عن الارتفاع، والشروط التعجيزية لقروض الإسكان في العراق.

يعمل العتابي سائقاً لسيارة أجرة في العاصمة بغداد، وله من الأبناء أربعة، أما المال الذي يجنيه من عمله اليومي فيتوزع بين متطلبات المنزل والإيجار ولا يتوفر منه أي فائض كما يقول لـ "ارفع صوتك".

مع ذلك، يتمنى توفر فرصة للحصول على سكن، لكنه يقول بحسرة إنها "أصبحت حلماً بعيد المنال" لأن جميع الفرص المتاحة "للطبقات العليا من الموظفين في المجمعات السكنية الكثيرة التي يتم الإعلان عنها".  

يضيف العتابي "كما أن الأقساط الشهرية للقروض المعروضة لا تتناسب مع محدودي الدخل من الكسبة وغير الموظفين في دوائر الدولة".

المعاناة ذاتها تعيشها بنار الآغا، وهي ربة منزل تعيش في كركوك الغنية بالنفط والصراعات، إذ كانت تبحث بين البنوك على قرض لشراء منزل لكنها تراجعت عن ذلك.

توضح لـ"ارفع صوتك": "الفرص مفصّلة على قياس طبقات معينة من المجتمع دون أخرى، بحيث تتوافق مع أصحاب الدخول الثابتة كالموظفين في دوائر الدولة، أو تتطلب أكثر من كفيل موظف أو ممن لديهم الإمكانية المالية لتسديد الأقساط الشهرية مع الفوائد العالية دون الأخذ بعين الاعتبار الفئات محدودة الدخل".

 

أزمة سكن

 يتجاوز حجم الوحدات السكنية التي يحتاجها العراق لتجاوز أزمة السكن المزمنة ثلاثة ملايين وحدة سكنية كما يقول المتحدث باسم وزارة التخطيط العراقية عبد الزهرة الهنداوي.

ويضيف لـ "ارفع صوتك" أن هذا العجز بعدد الوحدات السكنية "جاء نتيجة لعقود طويلة من الحروب بدأت ثمانينيات القرن الماضي وزادت خلال مدة فرض الحصار الاقتصادي (1990-2003)، ثم تفاقمت خلال العشرين عاماً الماضية".

خلال المدة التي تحدث عنها الهنداوي "لم يكن هناك مشاريع كبيرة تلبي حاجة المواطنين من السكن كما لم يتم توزيع قطع أراض أو وحدات سكنية، مقابل زيادة كبيرة في معدلات نمو السكان لتتفجر لدينا أزمة سكن هائلة تقض مضاجع العراقيين".

 ويشير إلى أن الحكومة العراقية الحالية "تعمل على وضع خطة لتقليص الفجوة بين أعداد السكان والحاجة من الوحدات السكنية خلال السنوات الخمس المقبلة، عبر بناء مدن جديدة في مختلف محافظات العراق، بدأت بخمس مدن تم الإعلان عنها والشروع في العمل على بعضها".

من الأسباب الأخرى لأزمة السكن، بحسب الخبير الاقتصادي قاسم جبار "ضعف دخل الفرد العراقي ووجود طبقة كبيرة من محدودي الدخل غير القادرين على شراء أرض وبناء دار، أو الحصول على قروض لعدم وجود فائض مالي لديهم".

بالتالي، يبيّن جبّار لـ"ارفع صوتك": "بدأت العوائل بشطر منازلها التي يتم توريثها، وأصبحنا نرى عدد سكان أكبر مقابل مساحات بيوت أقل. ويلجأ الكثير منهم بسبب قلة المال والفرص المتاحة وغلاء الإيجارات إلى العشوائيات التي يسكن فيها ملايين العراقيين دون أن تتوفر في أغلبها خدمات حقيقية".

يتابع "مشكلة الخدمات أيضاً تسببت بزيادة الطلب على المناطق المخدومة ما أدى لرفع أسعارها فتفاقمت الأزمة بدل أن يتم حلها، والأمر ذاته بالنسبة للقروض التي يتسلمها الموظفون وأدت إلى زيادة الطلب أكثر، أما قرار تمليك العشوائيات في الأراضي الزراعية فقد رفع الأسعار مرة أخرى ولم تعد هناك أراض رخيصة كان محدودو الدخل يعتمدون عليها".

مبادرة البنك المركزي

 في عام 2015 وسعياً من الحكومة للحد من أزمة السكن وتوفير فرصة للمواطنين؛ تدخّل البنك المركزي وأعلن عن مبادرة لمنح القروض وصل تمويلها إلى ستة تريليونات دينار عراقي، خمسة منها خُصصت لدعم مشاريع السكن.

 ولا يقدم البنك المركزي القروض بشكل مباشر للمواطنين بل يتم توزيعها ما بين البنوك الخاصة والعامة بالإضافة إلى صندوق الإسكان، وأغلب تلك القروض يتم منحها للمواطن بفائدة تراكمية سنوية تتراوح بين 5-6% من مصرفي "الرشيد" و"الرافدين" التابعين لوزارة المالية.

من جهته، ينتقد أستاذ الاقتصاد الدكتور صادق البهادلي قروض الإسكان كونها "تمنح الوفرة المالية للمواطن دون أن يقابلها بناء وحدات سكنية جديدة".

يوضح لـ"ارفع صوتك": "العرض الموجود ثابت تقريباً مقابل طلب متزايد على الوحدات نتيجة وجود الوفرة المالية متمثلة بالقروض السكنية. وهو ما يؤدي بطبيعة الحال إلى ارتفاع في أسعار العقارات حتى تصبح تلك القروض غير قادرة على مسايرة ذلك الارتفاع وتفقد الجدوى المرجوة منها".

 ويستدرك البهادلي "لا نقول إن المبادرة أو قروض الإسكان عموما سيئة، بل بالعكس فمن حق المواطن تملّك وحدة سكنية، لكننا في الوقت ذاته بحاجة إلى توفير العرض الكافي حتى لا يتأثر سوق العقار ومواد البناء بالطلب العالي".

في دراسة حملت عنوان "دور البنك المركزي العراقي في التمويل الإسكاني والحد من أزمة السكن"، وجد الباحثان زينب علي وهيثم عبد الخالق أن مساهمة الجهات المنفذة للمبادرة في تغطية الحاجة السكنية للأعوام 2016-2020 "مثلت نسبة ضئيلة لا ترتقي إلى مستوى الطموح".

فوائد تراكمية

يرى المواطن صباح رزوقي أن القروض التي يتم التعامل بها في الوقت الحالي سواء كانت بهدف الحصول على  دار سكنية أو البدء بمشروع أو شراء سيارة "تعمل بالضد من المواطن وليس لصالحه كما يُفترض بها أن تكون".

يرجع السبب في ذلك إلى "الفوائد السنوية التي يتم استقطاعها مع القسط الشهري، حيث أن الكثير من الناس يقبلون على الاقتراض دون معرفة المبلغ النهائي الذي سيتم تسديده، والذي كثيراً ما يصل إلى نصف مبلغ القرض خصوصاً بالنسبة للقروض طويلة الأجل"، كما يرى صباح.

أستاذ الاقتصاد صادق البهادلي يشرح مبدأ الفائدة التراكمية التي يتم فرضها على القروض السكنية غالباً في العراق والذي يعني "أخذ قرض بفائدة سنوية معينة يتم استقطاعها بشكل سنوي متكرر فتتراكم المبالغ المالية المسددة".

ويضيف "في بعض المصارف تصل أسعار الفائدة إلى 15 و20% لغير الموظفين وفي حالة أخذ قرض بخمسين مليون دينار، فإننا نجد أنفسنا قد سددنا 75 مليوناً في نهاية المدة وهي مغالاة كبيرة بنسب أسعار الفائدة".

مع ذلك، يقول البهادلي "هناك إقبال كبير على الاقتراض في العراق بسبب ضعف القوة الشرائية ويوجد طوابير من الراغبين بشراء سيارة أو أرض وغيرها، على الرغم من حجم التسديد الذي يصل إلى 50% من القرض الأصلي أحيانا".

في السياق نفسه، يقول الخبير الاقتصادي أحمد هذال إن القطاع المصرفي في العراق "يعاني من الإهمال ولم يواكب التطورات التكنولوجية ولم يعزز الثقة بين المواطن والمصارف التجارية والبنك المركزي".

لهذه الأسباب فإن "المواطن يتحمل أعباء كبيرة لأن ذلك سيؤدي إلى طلب ضمانات عالية وفرض سعر فائدة كبير لسبب بسيط هو فقدان الثقة بين جميع الأطراف، بالتالي ارتفاع علاوة المخاطر بعدم التسديد"، يضيف هذال.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.