مهندسون على عقود يتظاهرون من أجل تثبيتهم في بغداد- صورة تعبيرية/ أرشيف
مهندسون على عقود يتظاهرون من أجل تثبيتهم في بغداد- صورة تعبيرية/ أرشيف

منذ أوائل شهر يونيو الحالي ومدينة الناصرية جنوب العراق تشهد تصعيداً أمنياً يخشى مختصون أن يتحول إلى احتجاجات عارمة بعد قمع قوات الأمن لمتظاهرين يطالبون بتثبيت عقودهم، في ظل حراك شبابي مستمر منذ ستة أشهر لتوفير فرص عمل وانتشال المحافظة من خط الفقر.

 المظاهرات المستمرة في مركز محافظة ذي قار منذ أشهر كانت تجري بسلمية ودون أحداث عنف حتى الأيام القليلة الماضية حين حاولت قوات أمنية أمام بوابة مقرات شركات النفط أدت إلى إصابات بين المتظاهرين والقوات الأمنية على السواء، كما يشرح الأمين العام لـ"البيت الوطني العراقي" حسين الغرابي.

 ويضيف لـ"ارفع صوتك" أن الإصابات بين المتظاهرين "كانت نتيجة لضربهم بالرصاص المطاطي، بعضهم إصابتهم بالغة، منهم شخص أصيب في عينه إصابة مباشرة وهو مهدد بفقدانها".

ويتابع الغرابي: "لم تسلم النساء المشاركات في التظاهرة من الأذى، فتعرضن للضرب والإهانة وهو ما يتعارض مع الأعراف والتقاليد". وهنا "خرجت تظاهرات جديدة منددة ومطالبة بمحاسبة المقصرين"، يقول الأمين العام لـ"البيت الوطني العراقي".

وحسب تصريحات إعلامية، من مؤسسات صحية وأمنية في ذي قار، بلغ عدد الجرحى الذين سقطوا نتيجة للاشتباك 15 من القوات الأمنية والمتظاهرين. وقال متظاهرون إن القوات الأمنية اعتقلت عدداً من المشاركين معهم في الاحتجاجات.

 

أسباب التظاهرات

يقول الناشط المدني مصطفى الفارس إن المحافظة تشهد منذ أشهر تظاهرات تشمل فئات عديدة وشرائح واسعة من أبناء المدينة "بعضها للمطالبة بتحسين الخدمات خصوصاً الكهرباء، وأخرى تطالب بتوفير فرص العمل للخريجين في عقود الـ150 ألف درجة وظيفية ضمن قانون الأمن الغذائي، إضافة لتظاهرات العاطلين المطالبين برواتب الحماية الاجتماعية، وتظاهرات ذوي الاحتياجات الخاصة".

 أما الفئة الأخيرة من المظاهرات فهي "تابعة لعقود قرار (315) في وزارة النفط التي أثارت ردود أفعال كبيرة داخل المحافظة بعد تعرض المتظاهرين للعنف ما أسفر عن إصابات كثيرة في صفوفهم، وتعرض المتظاهرات الإناث للضرب، ما أثار موجة سخط كبيرة في المدينة لتخرج مظاهرات جديدة" يوضح الفارس لـ"ارفع صوتك".

وكان مجلس الوزراء العراقي منح بموجب قراره المرقم (315) امتيازات كبيرة للعاملين بصفة أجور يومية وعقود في مختلف المؤسسات الحكومية وفي كافة محافظات العراق العام 2019.

وتقرر في حينها تحويل الأجور اليومية إلى عقود، وتثبيت العقود في الملاك الدائم أو منحهم الأولوية في التعيين والترخيص بعملهم في القطاع الخاص خلال مدة التعاقد، بالإضافة إلى شمولهم بتخصيصات قطع الأراضي والقروض والكفالة والدورات التدريبية والمكافآت.

يقول الأستاذ في جامعة ذي قار باسم خضير "مضى على هذا القرار مدة طويلة وما زال الكثير من الأُجراء وأصحاب العقود يتظاهرون أمام المؤسسات الحكومية التي تم التعاقد معها دون تنفيذ للقرار".

ويشير في حديثه مع "ارفع صوتك" إلى أن "جزءاً منهم كان يتظاهر على بوابات شركة نفط ذي قار للمطالبة بتثبيتهم على المِلاك"، ويعود السبب في تأخير التثبيت كما يقول المسؤولون إلى "عدم توفر التخصيصات المالية، وتأخر إقرار الموازنة ".

من جهته، يرى الغرابي أن عاملاً "مهماً" أدى لتظاهر أصحاب العقود وهو "عبور أغلبهم السن القانوني للتثبيت على ملاك الوازرة بعد سنوات كثيرة قضاها أغلبهم في خدمة المؤسسة على أمل التثبيت، وغالبيتهم من مهندسي ومهندسات النفط".

 

لماذا الناصرية؟

في معرض إجابته عن أسباب وجود حراك شعبي ومظاهرات بشكل شبه دائم في مدينة الناصرية، يقول الغرابي إن هناك "غضباً من الوضع المزري الذي تعيشه المحافظة".

يوضح: "تعتبر محافظة ذي قار رابع أكبر محافظة في العراق من حيث عدد السكان بعد بغداد والموصل والبصرة، وهي ثاني أفقر محافظة في العراق وفيها أكثر من 65 ألف عاطل عن العمل من الخريجين فقط، ولو جمعنا بقية الفئات لوجدنا جيشاً من الباحثين عن فرص عمل غير متوفرة".

 وما يزيد من "مظلومية" المحافظة، يضيف الغرابي "ضعف التخصيصات بالموازنة مقارنة بعدد السكان، ونقص الخدمات وضعف البنى التحتية".

ويؤكد الغرابي أن هذه الأسباب مجتمعة تؤدي إلى "خروج العديد من التظاهرات الفئوية بشكل شبه يومي لتوفير الخدمات وفرص العمل للعاطلين" وفق الغرابي، معرباً عن أسفه لـ"عدم وجود تخطيط حقيقي لتوفير فرص العمل، الذين يضطرون للتظاهر حتى يحصلون على فرص، وأصبح من المتعارف عليه بين الشباب إذا لم تتظاهر فلا أحد يوفر لك أي شيء من مطالبك أو يوفر لك فرصة عمل".

في السياق نفسه، يقول مصطفى الفارس إن "استجابة الحكومات العراقية ضعيفة دون خروج مظاهرات واللجوء إلى الاحتجاجات، وخلال السنوات الأخيرة أصبحت التظاهرات والاحتجاجات ظاهرة في الناصرية بشكل خاص، فمن لا يتظاهر لا يحصل على خدمات أو تعيين".

لماذا تفشل دول عربية في إجراء التعداد السكاني بشكل دوري؟
يُعتبر تعداد السكان والمساكن من بين أكثر العمليات ضخامة وتعقيداً التي يمكن لأي دولة القيام بها. وبحسب صندوق الأمم المتحدة للسكان، فإن التعداد السكاني يحتاج إلى أن تكون البلدان التي تقوم به في حالة سلم، إذ يتطلب التخطيط الدقيق وتوفير الموارد المالية والبشرية اللازمة.

 

مظاهرة "ملحق الاستثناء"

أمام مبنى ديوان المحافظة يقف مئات المتظاهرين للمطالبة بما يقولون إنها حقوقهم في الشمول بملحق استثناء في عقود الـ150 ألف درجة وظيفية التي شملت جميع المحافظات غير المنتظمة بإقليم.

يقول أحمد حسين، وهو مشترك في مظاهرات عقود ملحق الاستثناء التي انطلقت منذ ستة أشهر: "حسب التعليمات فإن حصة محافظة ذي قار بلغت 9500 عقد، يتم التقديم عليها ورقياً بالمحافظة والوحدات الإدارية التابعة لها".

ويبيّن لـ"ارفع صوتك": "تم منح استثناء لمحافظة ذي قار للمتظاهرين بأكثر من أربعة آلاف درجة وظيفية معفاة من الشروط باعتبارهم معتصمين منذ ثلاث سنوات. بالنتيجة تدخلت إرادات معينة ولم يتم توزيع الدرجات على جميع المناطق التي شهدت اعتصامات بالتساوي، وهناك مناطق أخذت حصتها بالكامل وبالمقابل مناطق أخرى لم يتم تعيين إلا ربع العدد فقط، وهو ما ولّد مشاكل ومظاهرات جديدة في ذي قار".

جاسم أمير متظاهر آخر من الناصرية، يقول لـ"ارفع صوتك": "خلال أشهر من التظاهر لم يتم تنفيذ أي من الوعود التي أعطاها لنا المسؤولون الذين التقينا بهم، وتم رفض مطالبنا عدة مرات، وكان منها العمل كمحاضرين مجانيين لمدة عام لحين توفر التخصيصات المالية".

يوضح جاسم، وهو يحمل شهادة البكالوريوس في الرياضيات، أن أغلب شباب المحافظة "عاطلون عن العمل لعدم توفر فرص، وينتهي بهم الأمر إلى اللجوء للعاصمة بغداد من أجل العمل في مطاعمها أو في مشاريع البناء".

وعلى الرغم من الوعود بالحصول على فرص العمل كعقود "إلا أننا نلجأ للتظاهر لعدم ثقتنا بالأحزاب وخشيتنا من أن يتم توزيعها عبر الوساطات أو بيعها مقابل المال، خصوصاً مع وضع درجات مفاضلة مجحفة بحق الشباب من ضمنها شرط الزواج ووجود أطفال، وهي أمور لا علاقة لها بالكفاءة ولا الشهادة"، يقول جاسم.

وينهي حديثه ساخراً: "كيف يمكن أن نحقق شروط المفاضلة بوجود زوجة وأطفال، ونحن غير قادرين على تكوين عوائل لعدم وجود فرص عمل؟!".

 يتفق المحلل السياسي غني الغضبان مع ما ذهب إليه أبناء الناصرية الذين التقيناهم، موضحاً: "يتواجد في المدينة شخصيات وشباب يهدفون إلى الارتقاء ولديهم طموح كبير في تحقيق العدالة الاجتماعية بشكل فعلي، لكن هذه الطموحات -بحسب تجربتهم-  لا يمكن أن تتحقق دون استخدام حقهم الذي كفله لهم الدستور ألا وهو التظاهر".

وحين خرج المتظاهرون من أصحاب العقود أمام بوابات دائرتهم للمطالبة بحقوقهم "كانوا يظنون أن هناك من سيأتي للتفاوض معهم سواء من أعضاء مجلس المحافظة أو رئيس المجلس أو نائب المحافظ أو غيره لكن هذا لم يحدث" بحسب الغضبان.

في المقابل، يؤكد الغضبان لـ"ارفع صوتك" تعرض المتظاهرين "لهجوم القوات الأمنية بالهراوات، الذين اعتدوا على النساء وحصلت إصابات بين المتظاهرين ورجال الشرطة على السواء، وقيل إن هناك طرفا ثالثاً.. وبهذه الطريقة رجعنا إلى حالة شهدناها سابقاً خلال مظاهرات تشرين 2019، أي إلقاء الكرة في ملعب الطرف الثالث الذي لم نعرف منذ ذلك الوقت من هو بالضبط!".

ويرى أن هناك "أهمية كبرى لإعلان نتائج اللجنة التحقيقية التي تحدثت عن تشكيلها وزارة الداخلية للوقوف على حقيقة ما حصل بالسرعة الممكنة، خشية تدهور الوضع في المدينة التي شهدت تظاهرات في ساحة الحبوبي تنديداً بما حصل مع المتظاهرين والمتظاهرات".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.