مهندسون على عقود يتظاهرون من أجل تثبيتهم في بغداد- صورة تعبيرية/ أرشيف
مهندسون على عقود يتظاهرون من أجل تثبيتهم في بغداد- صورة تعبيرية/ أرشيف

منذ أوائل شهر يونيو الحالي ومدينة الناصرية جنوب العراق تشهد تصعيداً أمنياً يخشى مختصون أن يتحول إلى احتجاجات عارمة بعد قمع قوات الأمن لمتظاهرين يطالبون بتثبيت عقودهم، في ظل حراك شبابي مستمر منذ ستة أشهر لتوفير فرص عمل وانتشال المحافظة من خط الفقر.

 المظاهرات المستمرة في مركز محافظة ذي قار منذ أشهر كانت تجري بسلمية ودون أحداث عنف حتى الأيام القليلة الماضية حين حاولت قوات أمنية أمام بوابة مقرات شركات النفط أدت إلى إصابات بين المتظاهرين والقوات الأمنية على السواء، كما يشرح الأمين العام لـ"البيت الوطني العراقي" حسين الغرابي.

 ويضيف لـ"ارفع صوتك" أن الإصابات بين المتظاهرين "كانت نتيجة لضربهم بالرصاص المطاطي، بعضهم إصابتهم بالغة، منهم شخص أصيب في عينه إصابة مباشرة وهو مهدد بفقدانها".

ويتابع الغرابي: "لم تسلم النساء المشاركات في التظاهرة من الأذى، فتعرضن للضرب والإهانة وهو ما يتعارض مع الأعراف والتقاليد". وهنا "خرجت تظاهرات جديدة منددة ومطالبة بمحاسبة المقصرين"، يقول الأمين العام لـ"البيت الوطني العراقي".

وحسب تصريحات إعلامية، من مؤسسات صحية وأمنية في ذي قار، بلغ عدد الجرحى الذين سقطوا نتيجة للاشتباك 15 من القوات الأمنية والمتظاهرين. وقال متظاهرون إن القوات الأمنية اعتقلت عدداً من المشاركين معهم في الاحتجاجات.

 

أسباب التظاهرات

يقول الناشط المدني مصطفى الفارس إن المحافظة تشهد منذ أشهر تظاهرات تشمل فئات عديدة وشرائح واسعة من أبناء المدينة "بعضها للمطالبة بتحسين الخدمات خصوصاً الكهرباء، وأخرى تطالب بتوفير فرص العمل للخريجين في عقود الـ150 ألف درجة وظيفية ضمن قانون الأمن الغذائي، إضافة لتظاهرات العاطلين المطالبين برواتب الحماية الاجتماعية، وتظاهرات ذوي الاحتياجات الخاصة".

 أما الفئة الأخيرة من المظاهرات فهي "تابعة لعقود قرار (315) في وزارة النفط التي أثارت ردود أفعال كبيرة داخل المحافظة بعد تعرض المتظاهرين للعنف ما أسفر عن إصابات كثيرة في صفوفهم، وتعرض المتظاهرات الإناث للضرب، ما أثار موجة سخط كبيرة في المدينة لتخرج مظاهرات جديدة" يوضح الفارس لـ"ارفع صوتك".

وكان مجلس الوزراء العراقي منح بموجب قراره المرقم (315) امتيازات كبيرة للعاملين بصفة أجور يومية وعقود في مختلف المؤسسات الحكومية وفي كافة محافظات العراق العام 2019.

وتقرر في حينها تحويل الأجور اليومية إلى عقود، وتثبيت العقود في الملاك الدائم أو منحهم الأولوية في التعيين والترخيص بعملهم في القطاع الخاص خلال مدة التعاقد، بالإضافة إلى شمولهم بتخصيصات قطع الأراضي والقروض والكفالة والدورات التدريبية والمكافآت.

يقول الأستاذ في جامعة ذي قار باسم خضير "مضى على هذا القرار مدة طويلة وما زال الكثير من الأُجراء وأصحاب العقود يتظاهرون أمام المؤسسات الحكومية التي تم التعاقد معها دون تنفيذ للقرار".

ويشير في حديثه مع "ارفع صوتك" إلى أن "جزءاً منهم كان يتظاهر على بوابات شركة نفط ذي قار للمطالبة بتثبيتهم على المِلاك"، ويعود السبب في تأخير التثبيت كما يقول المسؤولون إلى "عدم توفر التخصيصات المالية، وتأخر إقرار الموازنة ".

من جهته، يرى الغرابي أن عاملاً "مهماً" أدى لتظاهر أصحاب العقود وهو "عبور أغلبهم السن القانوني للتثبيت على ملاك الوازرة بعد سنوات كثيرة قضاها أغلبهم في خدمة المؤسسة على أمل التثبيت، وغالبيتهم من مهندسي ومهندسات النفط".

 

لماذا الناصرية؟

في معرض إجابته عن أسباب وجود حراك شعبي ومظاهرات بشكل شبه دائم في مدينة الناصرية، يقول الغرابي إن هناك "غضباً من الوضع المزري الذي تعيشه المحافظة".

يوضح: "تعتبر محافظة ذي قار رابع أكبر محافظة في العراق من حيث عدد السكان بعد بغداد والموصل والبصرة، وهي ثاني أفقر محافظة في العراق وفيها أكثر من 65 ألف عاطل عن العمل من الخريجين فقط، ولو جمعنا بقية الفئات لوجدنا جيشاً من الباحثين عن فرص عمل غير متوفرة".

 وما يزيد من "مظلومية" المحافظة، يضيف الغرابي "ضعف التخصيصات بالموازنة مقارنة بعدد السكان، ونقص الخدمات وضعف البنى التحتية".

ويؤكد الغرابي أن هذه الأسباب مجتمعة تؤدي إلى "خروج العديد من التظاهرات الفئوية بشكل شبه يومي لتوفير الخدمات وفرص العمل للعاطلين" وفق الغرابي، معرباً عن أسفه لـ"عدم وجود تخطيط حقيقي لتوفير فرص العمل، الذين يضطرون للتظاهر حتى يحصلون على فرص، وأصبح من المتعارف عليه بين الشباب إذا لم تتظاهر فلا أحد يوفر لك أي شيء من مطالبك أو يوفر لك فرصة عمل".

في السياق نفسه، يقول مصطفى الفارس إن "استجابة الحكومات العراقية ضعيفة دون خروج مظاهرات واللجوء إلى الاحتجاجات، وخلال السنوات الأخيرة أصبحت التظاهرات والاحتجاجات ظاهرة في الناصرية بشكل خاص، فمن لا يتظاهر لا يحصل على خدمات أو تعيين".

لماذا تفشل دول عربية في إجراء التعداد السكاني بشكل دوري؟
يُعتبر تعداد السكان والمساكن من بين أكثر العمليات ضخامة وتعقيداً التي يمكن لأي دولة القيام بها. وبحسب صندوق الأمم المتحدة للسكان، فإن التعداد السكاني يحتاج إلى أن تكون البلدان التي تقوم به في حالة سلم، إذ يتطلب التخطيط الدقيق وتوفير الموارد المالية والبشرية اللازمة.

 

مظاهرة "ملحق الاستثناء"

أمام مبنى ديوان المحافظة يقف مئات المتظاهرين للمطالبة بما يقولون إنها حقوقهم في الشمول بملحق استثناء في عقود الـ150 ألف درجة وظيفية التي شملت جميع المحافظات غير المنتظمة بإقليم.

يقول أحمد حسين، وهو مشترك في مظاهرات عقود ملحق الاستثناء التي انطلقت منذ ستة أشهر: "حسب التعليمات فإن حصة محافظة ذي قار بلغت 9500 عقد، يتم التقديم عليها ورقياً بالمحافظة والوحدات الإدارية التابعة لها".

ويبيّن لـ"ارفع صوتك": "تم منح استثناء لمحافظة ذي قار للمتظاهرين بأكثر من أربعة آلاف درجة وظيفية معفاة من الشروط باعتبارهم معتصمين منذ ثلاث سنوات. بالنتيجة تدخلت إرادات معينة ولم يتم توزيع الدرجات على جميع المناطق التي شهدت اعتصامات بالتساوي، وهناك مناطق أخذت حصتها بالكامل وبالمقابل مناطق أخرى لم يتم تعيين إلا ربع العدد فقط، وهو ما ولّد مشاكل ومظاهرات جديدة في ذي قار".

جاسم أمير متظاهر آخر من الناصرية، يقول لـ"ارفع صوتك": "خلال أشهر من التظاهر لم يتم تنفيذ أي من الوعود التي أعطاها لنا المسؤولون الذين التقينا بهم، وتم رفض مطالبنا عدة مرات، وكان منها العمل كمحاضرين مجانيين لمدة عام لحين توفر التخصيصات المالية".

يوضح جاسم، وهو يحمل شهادة البكالوريوس في الرياضيات، أن أغلب شباب المحافظة "عاطلون عن العمل لعدم توفر فرص، وينتهي بهم الأمر إلى اللجوء للعاصمة بغداد من أجل العمل في مطاعمها أو في مشاريع البناء".

وعلى الرغم من الوعود بالحصول على فرص العمل كعقود "إلا أننا نلجأ للتظاهر لعدم ثقتنا بالأحزاب وخشيتنا من أن يتم توزيعها عبر الوساطات أو بيعها مقابل المال، خصوصاً مع وضع درجات مفاضلة مجحفة بحق الشباب من ضمنها شرط الزواج ووجود أطفال، وهي أمور لا علاقة لها بالكفاءة ولا الشهادة"، يقول جاسم.

وينهي حديثه ساخراً: "كيف يمكن أن نحقق شروط المفاضلة بوجود زوجة وأطفال، ونحن غير قادرين على تكوين عوائل لعدم وجود فرص عمل؟!".

 يتفق المحلل السياسي غني الغضبان مع ما ذهب إليه أبناء الناصرية الذين التقيناهم، موضحاً: "يتواجد في المدينة شخصيات وشباب يهدفون إلى الارتقاء ولديهم طموح كبير في تحقيق العدالة الاجتماعية بشكل فعلي، لكن هذه الطموحات -بحسب تجربتهم-  لا يمكن أن تتحقق دون استخدام حقهم الذي كفله لهم الدستور ألا وهو التظاهر".

وحين خرج المتظاهرون من أصحاب العقود أمام بوابات دائرتهم للمطالبة بحقوقهم "كانوا يظنون أن هناك من سيأتي للتفاوض معهم سواء من أعضاء مجلس المحافظة أو رئيس المجلس أو نائب المحافظ أو غيره لكن هذا لم يحدث" بحسب الغضبان.

في المقابل، يؤكد الغضبان لـ"ارفع صوتك" تعرض المتظاهرين "لهجوم القوات الأمنية بالهراوات، الذين اعتدوا على النساء وحصلت إصابات بين المتظاهرين ورجال الشرطة على السواء، وقيل إن هناك طرفا ثالثاً.. وبهذه الطريقة رجعنا إلى حالة شهدناها سابقاً خلال مظاهرات تشرين 2019، أي إلقاء الكرة في ملعب الطرف الثالث الذي لم نعرف منذ ذلك الوقت من هو بالضبط!".

ويرى أن هناك "أهمية كبرى لإعلان نتائج اللجنة التحقيقية التي تحدثت عن تشكيلها وزارة الداخلية للوقوف على حقيقة ما حصل بالسرعة الممكنة، خشية تدهور الوضع في المدينة التي شهدت تظاهرات في ساحة الحبوبي تنديداً بما حصل مع المتظاهرين والمتظاهرات".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".