صورة أرشيفية لرجل الدين الشيعي العراقي حميد الياسري- فيسبوك
صورة أرشيفية لرجل الدين الشيعي العراقي حميد الياسري- فيسبوك

في السابع من يونيو الجاري، دعا القيادي في "حشد العتبات" حميد الياسري إلى تظاهرات واعتصامات أمام مبنى محافظة المثنى لـ"طرد الفاسدين لأنهم لا يمثلون الجماهير ويعملون لأحزابهم" وفق تعبيره.

كما طالب رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بـ"تسليم المحافظ لحاكم عسكري".

 الدعوة التي أججت الوضع في محافظة المثنى واجهت قبولاً شعبياً، ودفعت جهات عدة لإصدار رسائل مساندة للياسري الذي حاول أن ينأى بدعوته عن المرجعية الشيعية العليا في النجف بالقول إن خطوته "لم تكن بتوجيه من أي جهة دينية أو سياسية أو شعبية، بل هي دعوة شخصية هدفها مواجهة الفساد والفاسدين".

في المقابل، قال مُحافظ المثنى مهند العتابي إن في هذه الدعوة "خطورة" مما يجعل أصحابها "أمام مسؤولية الإفصاح والكشف عما لديهم من أسباب تدفعهم لهكذا دعوة".

وطالب بـ"تفويت أي فرصة لخطف المحافظة" مردفاً: "محافظتنا التي كانت عصية على المحتلين والإرهابيين، هي ذاتها التي تأبى الفاسدين. وعلى من يدّعي الحرص أن يبادر فوراً للقضاء العراقي ومؤسسات الدولة الرقابية وألا يتأخر دقيقة واحدة عن كشف ما لديه".

هذه الأحداث وتبعاتها منذ أيام، لفتت أنظار العراقيين إلى المحافظة الهادئة التي تُعدّ الأكثر فقراً بين المحافظات بنسبة تتجاوز 50%، على الرغم من امتلاكها ثروات اقتصادية هائلة.

 

"حشد العتبات"

 حميد الياسري رجل دين شيعي تلقى تعليمه الديني بمحافظة النجف، وهو من سكان مدينة الرميثة في محافظة المثنى. يعتبر من أبرز الشخصيات في "حشد العتبات"، كما يشغل منصب "آمر لواء 44" المعروف باسم "أنصار المرجعية"، المؤلف من آلاف المقاتلين.

حتى عام 2020 كان "حشد العتبات" جزءاً من "هيئة الحشد الشعبي" التي تشكلت في يونيو 2014 بعد فتوى "الجهاد الكفائي" التي أطلقها المرجع الشيعي على السيستاني عقب صعود تنظيم داعش المفاجئ واحتلاله أجزاء واسعة من محافظات غرب العراق وشماله.

من بين الألوية العديدة التي تم تشكيلها آنذاك، برزت أربعة محسوبة على المرجعية الدينية في النجف وكربلاء، وهي "فرقة العباس القتالية" و"فرقة الإمام علي القتالية" و"لواء علي الأكبر" و"لواء أنصار المرجعية".

ويعود تشكيل أغلب فصائل الحشد الأخرى إلى ما قبل الفتوى بسنوات، إذ يرتبط أغلبها بكيانات سياسية موالية لإيران.

وبعد بروز خلافات عديدة بين الألوية التي أسستها العتبة وبين بقية فصائل الحشد، على أثر  إعلان النصر عام 2017، أمر رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي في أبريل 2020 بإلحاق الألوية الأربعة القتالية بالقائد العام للقوات المسلحة وفك ارتباطها مع هيئة الحشد الشعبي.

في ديسمبر من العام نفسه، عقد "حشد العتبات" مؤتمره الأول في مدينة كربلاء تحت عنوان "حشد العتبات حاضنة الفتوى وبناة الدولة"، معلناً فيه عن فك ارتباطه بهيئة الحشد الشعبي والارتباط المباشر بالقائد العام للقوات المسلحة.

وأكدت ألوية المرجعية في البيان الختامي التزامها بالقانون والدستور ومنع مقاتليها من القيام بأي إجراء يخالفهما، بما في ذلك الدخول في النشاط السياسي أو الارتباط الحزبي أو الاستغلال الوظيفي بكل أشكاله.

انفصال "حشد العتبات" عن الهيئة لم يمر مرور الكرام، فقد تعرض لاتهامات بالانشقاق وشنت بعض الجهات حملات إعلامية ضد قادته، اضطر معها وكيل المرجعية أحمد الصافي في أكتوبر 2021 إلى الرد في بيان، مستنكراً الهجمة الإعلامية الشرسة التي يتعرض لها فصيله.

 

صعود الياسري

 بعد أقل من عام على انفصال "حشد العتبات" برز اسم حميد الياسري، الذي يقول عنه معهد "واشنطن لدراسات الشرق الأدنى" بأنه "ليس ناطقاً باسم السيستاني، لذلك لا يمكن اعتبار ما يقوله موازياً لأي تصريح صادر عن آية الله".

مع ذلك، بحسب تقرير المعهد، يُعتبر الياسري "مؤتمناً لدى السيستاني وواحداً من أبرز أمنائه".

وسبب صعود اسمه، كان خطاباً غاضباً ألقاه عام 2021 وأثار ضجة كبيرة بعد انتشار مقاطع مصورة منه خلال موسم عاشوراء، حيث انتقد فيه بشكل لاذع ولكن غير مباشر، المليشيات المدعومة من إيران.

قال الياسري آنذاك "من يوالي غير الوطن؛ فإنها خيانة عظمى. إنه دجل عظيم وخداع كبير، هكذا تعلمنا من الإمام الحسين"، مضيفاً "أما أن يأتينا الصوت والتوجيه والإرشاد من خلف الحدود، فهذه ليست عقيدة الحسين. نحن نرفض الانتماء والولاءات، ونعلن بأعلى أصواتنا وبلا خوف أو تردد، أن من يوالي غير هذا الوطن، فهو خائن محروم من فضيلة حب هذا البلد".

وصف التقرير هذه العِظة الدينية بأنها "عكست الحرب الأيديولوجية الأوسع نطاقاً التي تشن حالياً ضمن المجتمعات الشيعية في العراق ودول أخرى. فمن جهة، هناك المدرسة الشيعية القتالية/ السياسية بقيادة جمهورية إيران الإسلامية، التي يكون أتباعها أكثر ولاء للمبادئ الأيديولوجية العابرة للحدود الوطنية من ولائهم للأمم السيادية التي يقيمون فيها".

"ومن جهة أخرى توجد المدرسة الشيعية غير السياسية بقيادة السيستاني، الذي يهيمن على مدينة النجف العراقية المقدسة باعتباره المرجع الأعلى"، وفق تقرير معهد "واشنطن".

خطاب الياسري أثار حفيظة العديد من الشخصيات في حينه، باعتباره "لم يراع مرجعية النجف العليا متمثلة بالسيد علي السيستاني كونه إيراني المولد".

وانتقد الأمين العام لـ"عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي الخطاب، واصفاً إياه بـ"القومي المعمم الذي يريد تمرير أفكاره عبر ربطها بالإمام الحسين... باعتباره قد جاء من خارج الحدود إلى العراق".

وأضاف "من العجب أن تصدر أمثال هذه التفاهات من شخص معمم وعلى منبر الإمام الحسين وفي مدينة الرميثة المعروف أهلها بالوعي والثقافة".

 

هل تم احتواء الأزمة؟

في التاسع من يونيو الحالي، أي قبل المهلة المحددة من قبل الياسري ببضعة أيام، عقد السوداني اجتماعا لإيجاد حلول لمنع إقامة التظاهرات والاعتصامات.

وفي بيان للياسري، أعلن أنه تم "الاتفاق على تشكيل لجنة من مكتب رئيس الوزراء للإشراف على المشاريع، ولجنة أخرى برئاسة رئيس هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية بكشف ملفات الفساد وهدر المال العام في السماوة منذ 2003".

كما أعلن عن 37 مليار دينار عراقي تُضاف إلى موازنة المحافظة لإقامة مشاريع خدمية، بالإضافة إلى غلق المكاتب الاقتصادية للأحزاب السياسية فيها.

من جهته، صرّح المكتب الإعلامي للسوداني، في بيان، أن الأخير "أكد خلال اللقاء على أن انتقاد ظاهرة الفساد ومواجهتها يجب أن يكون ضمن السياقات الدستورية والقانونية، وأن إعادة ثقة المواطن بالعملية السياسية أهم تحدياتنا، لأن شرعية أي نظام سياسي تكون من خلال علاقته بشعبه".

وقال رئيس الحكومة العراقية إلى "وجود لجان متابعة في جميع المشاريع، وأن شكاوى الفساد يجب أن تكون مدعومة بالوثائق".

 بعد اللقاء قال الياسري لأبناء مدينة السماوة (مركز محافظة المثنى) أنه "تم تأجيل المظاهرات وانتظار اللجان الخاصة المشكّلة من السيد رئيس الوزراء".

في السياق ذاته، يرى المحلل السياسي غني الغضبان أن "الصوت الذي ظهر في السماوة هو صوت رافض لمجمل سياسات الحكومات المتعاقبة منذ 2003، وصولاً إلى حكومة السوداني".

ويقول لـ"ارفع صوتك" إن ما حصل "أثار حفيظة الحكومة العراقية ودعاها للقول إن التظاهر والاعتصام حق دستوري، وفي الوقت ذاته للمطالبة بالتريث باعتبار أن الحكومات المحلية تشكيل حديث عمره أربعة أشهر فقط".

ويصف الغضبان المطالب والوعود التي أعلن عنها الياسري، بأنها "غير ملموسة وغير حقيقية" مبيناً  "كل ما تم إعلانه هو الحصول على مبلغ إضافي للموازنة وإرسال لجان لمتابعة الإثراء على حساب المال العام، وهو ما تم تنفيذه فعلا حيث وصلت اللجان إلى المحافظة، وعملها يحتاج وقتا طويلا قبل الوصول لنتائج".

المظاهرات "لن تمتد إلى محافظات أخرى"، يضيف الغضبان، إذ ليس هنالك مؤشرات، فهي "محصورة بأهالي المثنى ومدعومة من شخصيات عديدة، لكن أيضاً برزت أصوات مشككة بنوايا الياسري".

يتابع الغضبان: "أبناء محافظة المثنى تأخروا كثيراً عن المطالبة بحقوقهم وكان الأولى خروجهم منذ سنوات عديدة للحصول على حقوق مناطقهم التي ينتشر فيها الفقر والبطالة وعدم الاهتمام بالبنى التحتية، كما تعاني منذ زمن طويل من القصور في وسائل العيش الكريم".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.